أكبر اختراق مخابراتي : خلية خماسي جواسيس كامبردج

تعتبر قضية جواسيس كامبردج الخمس و دون منازع أكبر عملية استخباراتية في القرن العشرين.. ” كيم فيلبي” و ” غاي برجس” و” دونالد ماك لين” و ” أنتوني بلينت” و ” جون كيرنكروس” مثقفون ماركسيون في أغلبهم أعضاء في الحزب الشيوعي البريطاني خلال سنوات دراستهم الجامعية، التحقوا في سنوات الثلاثينيات بجهاز المخابرات السوفيتية. استطاع هذا الخماسي في بضع سنوات بعد انخراطهم الوصول إلى أعلى المناصب في جهاز الدولة البريطانية و بالنسبة لأكبرهم ” كيم فيلبي” الوصول حتى إلى قلب المخابرات البريطانية.

لم يحدث أبدا أن استطاعت مجموعة بهذا التنظيم المحكم أن تصل إلى نتائج كبيرة مثل التي وصل إليها هذا الفريق. استطاع جواسيس كامبردج خلال خمسة عشر سنة من اختراق تام لمراكز السلطة الأكثر سرية في بلد يعتبر بذاته هو من خلق الجوسسة و المخابرات العصرية..

صدمت هذه القضية انجلترا بأكملها و كانت ميلاد لأسطورتين متوازيتين ، من جهة انهيار انجلترا التي أصبحت عاجزة عن التحكم في الحرب السرية مع الاتحاد السوفيتي و من جهة أخرى تلك التي أظهرت الاتحاد السوفيتي كقوة في الحرب المخابراتية. بالطبع، يقول المختصون، أن هناك بعض المبالغة لكن القضية تحمل في طياتها شيء من الحقيقة..

” أبطال” القضية

هناك نقطة تجمع أفراد خماسي كامبردج بغض النظر إلى كونهم ينتمون إلى جيل واحد و هي أنهم شخصيات تمثل النخبة الحاكمة، أربعة منهم ينتمون إلى طبقة النبلاء و يمثلون في مجملهم محيطهم الاجتماعي أحسن تمثيل. “كيم فيلبي” هو أهم هذه الشخصيات، أصغر الموظفين و الأكثر إثارة..انه ابن لجاسوس ” سانت جون فيلبي” الذي كان يمثل الجاسوس الحقيقي حيث كان مستشارا لملك السعودية ” ابن سعود” و عميل مخابرات و اعتبر كخائن لكونه مناضل في الحزب الفاشي البريطاني الذي كان يقوده ” موسلي” و تم سجنه كمتعاطف مع النازية ابتداء من عام 1939.

أما ” أنتوني بلينت”، الأكبر سنا في المجموعة، كان من الوجوه الثقافية و مؤرخ بارع في الفنون التشكيلية و يقال أنه إلتحق بالمجموعة أكثر لثورته ” الجمالية” ضد سوق الفنون التشكيلية و كبار جامعي التحف الفنية. ” كاي برجس” الأكثر تفتحا من الآخرين، كان صاحب مهارات متعددة، ممثل فكاهي و مقلد و مناور، كان يمثل المغامر بأتم وجه. أما ” دونالد ماك لين” فكان بمثابة المرشد الكريم على المجموعة إن صح التعبير، ابن للورد اسكتلندي، متأثر بعمق بمذهب الكنيسة المشيخية الانجليزية (برسبيتريان) و يملك حس لا متناهي للتضحية. أخيرا ” جون كيرنكروس” الاسكتلندي الثاني في المجموعة، كان راقيا و شاعرا يميل إلى الملاحظات و الحدس و مترجم كبير للكاتب الفرنسي ” جان راسين”.

مرحلة التجنيد

انظم معظم أعضاء خماسي كامبردج بكل بساطة خلال سنوات الدراسة في خلية للحزب الشيوعي في بريطانيا الذي كان قانونيا و تم ذلك تحت تأثير أستاذهم في الاقتصاد الماركسي ” موريس دوب”.. ثم ما فتئ أن أصبح هؤلاء المنخرطين معروفين لدى مقر المخابرات السوفيتية في لندن أين رأى المراقبون السوفييت أنه لا يجب أن تهدر القيمة الثقافية و الاجتماعية لهؤلاء الشباب في نشاطات نضالية علنية.

في الحقيقة لم تكن الأهداف المبدئية للمراقبين السوفييت بهذا الحد من الطموح كما قد يتبادر للذهن.. بدؤوا مثلا بتحضير ” فيلبي” ليكون أحد نجوم الصحافة البريطانية حيث أصبح مراسل جريدة ” تايمز” في اسبانيا.. نفس الشيء بالنسبة ل ” برجيس” الذي دخل إذاعة ” بي بي سي”، ” ماك لين” و ” كارنكروس” الوحيدان اللذان دخلوا المسابقات الإدارية بينما كلف ” أنتوني بلينت” بحراسة القاعدة الخلفية في كامبردج أين كان يدرس و دون شك لتوظيف مواهب جديدة. بقت المجموعة ملتحمة و سميت نفسها ” مجموعة الخمس” تذكارا بخمس مناضلين بلاشفة في الحرب الأهلية الروسية أبطال رواية للكاتب ” أرنست هيمنغواي”.

الاضطرابات التي حدثت جراء الحرب العالمية الثانية هي التي أخلطت الأوراق حيث تحتم على المخابرات البريطانية تجنيد مواهب جديدة معادية للنازية و بالتالي يجدونها في التيار اليساري. انظم إليها ” برجيس” منذ 1938 و في عام 1940 قام الوزير الأول ” ونستون تشرشل” بتوظيف على نطاق واسع في صفوف الجامعيين في أكسفورد و كامبردج. انظم حينها كل من ” بلينت” و ” كيرنكروس” الى مصالح ” أم أي 5 ” دائرة مكافحة التجسس. “فيلبي” هو الآخر وظف في مصالح الاستخبارات البريطانية في سبتمبر 1940 بعدما عمل كمراسل حرب في فرنسا و بتوصية من زوجة دبلوماسي أعجبت بلطفه..

هكذا أصبح الرجال الخمس في قلب الاستخبارات البريطانية، اثنان في الاستخبارات ” فيلبي و برجيس” و في مصلحة مكافحة التجسس كل من ” بلينت و كيرنكروس” و الأخير ” ماك لين” في وزارة الخارجية.

الأسرار التي سربت

لم تكن النتائج ضخمة كما قد يتصورها البعض، وهنا استوجب التفريق بين مرحلة الحرب و مرحلة ما بعد الحرب.. سلم ” فيلبي” منذ البداية الهيكل التنظيمي الداخلي لمصالح الاستخبارات البريطانية، لكن السوفييت لم يستعملوه حتى 1944 مقتنعين أن ” فيلبي” يبقى في الحقيقة عميل مزدوج. ” بلينت” من جهته سلم تقارير استجواب الزعيم النازي ” رودولف هيس” عام 1941  الذي كان أسيرا في انجلترا، ” كيرنكروس” أعطى للسوفيت المخطط الحربي الألماني لمعركة ” كورسك” التي فتح شفرتها البريطانيين و ” برجس” و ” ماك لين” مرروا الوثائق التحضيرية لمؤتمري ” طهران” و يالطا”.. بالتالي هذه التسريبات كانت هائلة و لكن لا واحدة منها كانت حاسمة.

يتغير الديكور بعد 1945 حيث لم يعد الاتحاد السوفيتي حليف و نفس الإشكالية بالنسبة للإمبراطورية البريطانية التي أصبحت العدو الأساسي في أوروبا بالنسبة للروس.. و رغم الانتقادات التي كانت لديهم اتجاه موطنهم أصبح خماسي كامبردج في وضعية غير مرتاحة. البعض منهم، مثل ” بلينت” و ” كيرنكروس”، طلبوا التراجع نحو مواقع غير مكشوفة، الطلب الذي استجاب له الضابط السوفيتي المكلف بهم ” يوري مودين”..

أما ” ماك لين”، في وزارة الخارجية، فقد واصل تسريب وثائق هامة مثل الطبعة الأولى لمخطط مارشال. لكن الأهم هو ” فيلبي” الذي تمت ترقيته عام 1949 حيث أصبح رئيس مكتب الاتصال الدائم بين مصالح الاستخبارات البريطانية و المخابرات الأمريكية ” سي أي أي” في واشنطن و كان قبل ذلك قد سلم مجمل مخطط التآمر و التحريض الانجليزي – الأمريكي في ألبانيا و الذي نجم عنه إيقاف و قتل حوالي مئة من الكومندوس الألبانيين المعاديين للشيوعية.

اكتشاف الخلية

يقول الخبراء أنه في مثل هذه القضايا تكون التكنولوجيا دائما أقوى من الذكاء البشري إن ترك لها الوقت للعمل.. استطاع البريطانيون و الأمريكيون في عام 1948 فتح شفرة الاستخبارات السوفيتية و التي كانت تسمى ” فينونا” التي ساعدت بسرعة في كشف كل الشبكة الأمريكية للجوسسة النووية، من بينها الزوج ” روزنبرغ” ، و بتحاليل أعمق، تم الوصول إلى ” دونالد ماك لين”. هذا الأخير تفطن للمراقبة الدائمة التي أصبحت مسلطة عليه ليهرب إلى الاتحاد السوفيتي بصحبة ” غاي برجيس” في شهر ماي 1951.

بدأت بعدها الشكوك تحوم بسرعة حول ” فيلبي” الذي أبعد من منصبه لتفادي أي مشكل مع الأمريكيين حيث طرد دون أن يستفيد من منحة تقاعد من مصالح المخابرات البريطانية.. ليصبح بعد ذلك مراسل لجريدة ” أوبسرفر” و ” ذي إكونوميست” للشرق الأوسط في بمكتب بيروت في لبنان. و بعدما اكتشف أمره في 1961 يفر إلى الاتحاد السوفيتي في عام 1963 ، و هذه المرة الفضيحة كانت في أوجها ليبدأ البحث على نطاق واسع عن المندسين في كل من لندن و واشنطن.

يتم حينها استجواب ” بلينت” من طرف زملاءه القدماء في ” أم أي 5″ الذي اعترف بدوره لكن يتم التستر عنه، السبب كونه هو من استرجع في 1945 المراسلة التي تثبت ضلوع ” دوق وينسور” و قريبه ” فيليب دي هيس” في علاقات مع النازية و الخيانة لصالح هتلر. كان حينها لابد من حماية الملكة و لم يصرح بذلك حتى جاءت ” مارغريت تاتشر” التي كشفت عن اسمه عندما وسلت إلى السلطة عام 1979. بعدما نزعت منه كل التشريفات، أصبح ” بلينت” دون شرف و لكن ” حر” في 1983..

ضلوع آل “روتشيلد” ؟

يبقى الرجل الخامس.. بدأت الصحافة البريطانية، بتوجيه من ضابط قديم في ” أم أي 5″ و هو ” بيتر هيث”، تتخيل أن الأمر يتعلق لا أكثر و لا أقل بالرئيس القديم لمصالح مكافحة الجوسسة ” روجي هوليس” رغم أن هذا الأخير كان خريج ” أكسفورد” و ليس ” كامبردج”.. هنا بدأ الجميع يتذكر ” جون كيرنكروس” الذي تم كشفه رفقة ” بلينت” عام 1964 لكن ترك ليهرب إلى فرنسا اعتبارا أنه ” سمكة صغيرة”..

بدوره يقوم أكبر ضابط اتصال لمجموعة الخمس السوفيتي ” يوري مودين” في عام 1991 بتأكيد من موسكو هوية ” كيرنكروس”، الشيء الذي كان يمكن أن يريح الرأي العام البريطاني، لكن لم يحدث ذلك حيث رأى البعض أن تسرع الروس في الكشف عن الشخصية الخامسة قد يكون كذلك نتيجة لاتفاق غير معلن بين لندن و موسكو لتفادي فضيحة أكبر حجما..

يقول خبراء هذا المجال أنه يبقى دون شك الاحتمال أن اللورد ” فيكتور روتشيلد”، الصديق الحميم لكل من ” فيلبي” و “برجيس” و ” بلينت”، وريث بيت البنوك و اسم و مركز النبل لعائلته، قد يكون هو الشخصية الخامسة في خلية كامبردج. لكن بقى هذا الطرح بكل ألغازه حيث أنه من الغرابة أن ” فيكتور روتشيلد” هو من أبلغ عن ” فيلبي” لمصالح ” أم أي 5″ أين كان بنفسه أحد ضباطها البارعين في بداية الستينيات من القرن الماضي..اللغز لم يحل على مرور السنين.. أو لم يراد له أن يحل..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق