أوتو فون بسمارك: المستشار “الحديدي” موحد ألمانيا

ربما كان “أوتو فون بسمارك” أهم رجل دولة أوربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. بصفته وزيرا – رئيسا لدولة شمال ألمانيا بروسيا ابتداءا من 1862 أدت سياسته إلى إنشاء دولة وطنية ألمانية موحدة سياسيا في وسط أوروبا. كمستشار للرايخ في الإمبراطورية الألمانية الجديدة منذ 1871 حدد المسار السياسي لألمانيا لمدة تسعة عشر عاما أخرى حتى أجبره  “فيلهلم الثاني”، الإمبراطور الجديد، على الاستقالة عام 1890.

ولد أوتو فون بسمارك في الأول من أفريل 1815 في ملكية عائلية ب “شوينهاوزن ” في بروسيا. في نفس العام أصبحت بروسيا مرة أخرى الدولة الأكثر أهمية في ألمانيا عندما ساعد جيشها بقيادة المرشال “فون بلوشر”  الدوق “ويلينغتن ” البريطاني في هزم “نابليون الأول” في معركة “واترلو” الشهيرة في 18 جوان 1815. جاء بسمارك من الطبقة الوراثية لمحاربي “يونكر” و هم نبلاء بروسيون كانوا قبل قرون من الزمان طليعة حملات الفرسان “التيوتونيين ” في حروبهم في أوروبا الشرقية. في البداية لم يتبع بسمارك النداء التقليدي البروسي لليونكر في الجيش، بل زاول دراسة القانون في “هانوفر” و “غوتغن” و “برلين”، لكنه أظهر عزوفا عن ممارسة القانون ليركز اهتمامه على مهنة الدبلوماسية.

عندما اجتاحت موجة الثورات أوروبا عام 1848 كان بسمارك محافظا مرتاحا لرؤية الثورات تفشل إلى حد كبير، على أنه في فرنسا كانت الثورة ناجحة و انتخب “نابليون الثالث” ابن شقيق العدو القديم لبروسيا نابليون في السلطة. و مع ذلك لم يكن بسمارك ذلك المحافظ المتشدد عقائديا بل كان براغماتي سياسي مستعد لتبني الأفكار النابعة من الليبرالية السياسية التي من شأنها أن تفيد بروسيا. لقد تميز طوال حياته المهنية بهذه القدرة السياسية على التكيف مما ساهم في جعله سيد الدولة في عصره.

بداية المسار

أصبح بسمارك نجما صاعدا في تسيير المصالح الدبلوماسية البروسية و التي كانت المسار السريع في المملكة منذ عهد “فريدريك الكبير” الذي جعل حين موته عام 1786 النظام الملكي الصغير نسبيا واحدا من القوى العظمى في أوربا. أرسل لتمثيل بروسيا في روسيا القيصرية عام 1859 و في فرنسا عام 1862 و هما الدولتان من الدول الثلاث التي يمكن أن تساعد – أو تمنع – المصالح الخارجية البروسية.

كانت الإمبراطورية النمساوية بصفتها وريثة الإمبراطورية الرومانية المقدسة السابقة و التي دمرها نابليون عام 1806 أكبر تهديد دبلوماسي لطموحات بروسيا. في حين أن الإمبراطورية الرومانية المقدسة لم تعد كما كانت، إلا أن الكنفدرالية الألمانية كانت موجودة في مكانها و كانت بروسيا منزعجة من كونها تابعة للنمسا.

عين الملك ” فريدريك فيلهلم ” عام 1851 كتقدير لولائه خلال انتفاضة 1848 بسمارك في مجلس الكنفدرالية كممثل لبروسيا. و بطريقة أو أخرى سيبقى فون بسمارك في قلب الشؤون الألمانية على مدى العقود الأربعة المقبلة. في هذا الوقت تعاملت بريطانيا التي كانت تحكمها الملكة “فكتوريا” مع التطورات الأوروبية كمصلحة من الدرجة الثانية طالما أن أي بلد لم يصبح قوة حقيقية تهدد مصالح الإمبراطورية البريطانية المتنامية في الخراج. أوضح بسمارك من جهته و منذ البداية أنه لم يكن لديه ميل كبير للسماح للنمسا بأخذ المبادرة في الشؤون الألمانية و أنه كان يعتقد أن بروسيا هي التي يجب أن تكون في القيادة.

الجيش مفتاح المستقبل

بعد أن شغل منصب وزير بروسيا في فرنسا و روسيا و كممثل بروسيا في البرلمان الفدرالي الألماني في “فرانكفورت” كوفئ بسمارك بمنصب وزير الخارجية و رئيس وزراء بروسيا في عام 1862 و رأى حينها أن الجيش هو المفاتح لمستقبل بروسيا. اجتاح في الفاتح فيفري 1864 جيش بروسي – نمساوي مشترك الحدود الألمانية لغزو منطقة ” شيلسفيغ هولشتاين ” و دمر الحامية الدنمركية التي كانت تسيطر عليها. و في شهر أوت 1865 منحت اتفاقية ” غاستاين ” هولشتايت الى النمسا و شيلسفيغ إلى بروسيا. على الرغم من أن الموقف بدا و كأنه قد تم حله إلا أن بسمارك كان يأمل سرا في وجود سبب للحرب على النمساويين. التهجمات المتبادلة في برلمان الاتحاد الألماني بين الممثلين البروسيين و النمساويين أعقبها في النهاية غزو بروسي لهولشتاين المسيطرة عليها النمسا و سرعان ما اندلعت العداوة المفتوحة بين الدولتين. يشن القائد البروسي ” هلموث فون مولتك ” في 3 جويليا 1866 هجومه على النمساويين و حلفائهم المجريين و خلال حرب الأسابيع الستة هزمت بروسيا و حلفائها الألمان النمسا و المجر. دخل بعدها السلم بينهما بوجب معاهدة “براغ” في أوت 1866.

بالنسبة لبسمارك كانت هزيمة النمسا مجرد وسيلة لإزالتها من المعادلة و ترك مصير ألمانيا في أيدي بروسيا. النتيجة لذلك خروج اتحاد ألمانيا الشمالية من الحرب الشيء الذي اعتبره بسمارك نقطة انطلاق لاستكمال الحكم البروسي للولايات الألمانية. و يجب الإشارة هنا أن مقاطعة “بافاريا” المنافس الجنوبي على الصدارة تعرضت للإذلال – لكن لم يتم سحقها – خلال الحرب النمساوية. و بعد إخراج ” فرنز جوزيف ” ملك النمسا و المجر من المعادلة كان هناك لاعب واحد فقط على الساحة الأوروبية لديه خطط لألمانيا: إمبراطور فرنسا “نابليون الثالث “.

مواجهة فرنسا

على الرغم من انتخابه شعبيا بعد انتفاضة 1848 استولى ” لويس نابليون بونابرت ” على السلطة عام 1852 في انقلاب عسكري، تماما كما فعل عمه في نوفمبر 1799، و بدأ يعتبر نفسه أيضا الحكم في الشؤون الألمانية و هو الموقف الذي لم يستطع بسمارك تحمله. في البداية أراد نابليون تعوضا إقليميا فقط من بسمارك مقابل حياده في حرب الأسابيع الستة و مع ذلك عندما قرر نابليون أنه يريد ” لوكسمبورغ” نجح بسمارك في حشد المعارضة الألمانية في وجه الرغبات الفرنسية على الأرضي الألمانية. لكن نقط الاحتدام جاءت في اسبانيا، حيث حدثت أزمة خلافة عندما تم خلع ” إيزابيلا الثانية ” ملكة اسبانيا عام 1868. سعت اسبانيا إلى مرشح للعرش و اختارت عضوا من  آل ” هوهنزولرن “، البيت الحاكم لفيلهلم الأول ملك بروسيا. خشي نابليون الحصار و تصاعد التوتر في فرنسا و بروسيا. يسحب في الأخير ترشح آل هوهنزولرن لكن نابليون الثالث تمادى و حافظ بحماقة على الضغط الدبلوماسي ليجعله يبدو و كأنه انتصار فرنسي واضح. و بدلا من تحمل ضربة إستراتيجية عبث بسمارك و تلاعب ببرقية إلى الملك فيلهلم الأول ليجعل الأمر يبدو فيه أن الفرنسيين حاولوا عمدا إذلال ملك بروسيا.

توحيد ألمانيا

كانت النتيجة النهائية متوقعة ، تصاعد الفخر الفرنسي و رد نابليون بالعداء. تعلن فرنسا الحرب على بروسيا في 19 جويليا 1870 و في شهر أوت بدأت فرنسا و بروسيا مدعمة من كنفدرالية شمال ألمانيا بتصعيد الموقف. منذ البداية كانت الاحتمالات لصالح البروسيين و حلفاءهم : في مواجهة 400 ألف رجل لم يستطع نابليون الثالث حشد سوى نصف عددهم فقط. في 2 سبتمبر يضطر هذا الأخير للاستسلام للألمان.

حقق بسمارك هدفه مع وجود نوع من السلام مع فرنسا حيث أصبحت ألمانيا موحدة في ظل حكم إمبراطور جديد أو “قيصر” فلهلم الأول و لم يعد لدى بسمارك تطلعات إقليمية بل كرس حياته بعدها لتتمكن الإمبراطورية الألمانية الجديدة من التقدم في سلام. و بعد تحييد فرنسا عسكريا ( على الأقل لبعض الوقت) وجه بسمارك اهتمامه للإمبراطورية النمساوية و روسيا القيصرية.

كان هدف بسمارك أساسا هو إعادة توازن القوى التي أقامها مؤتمر فيينا (1815) و التي جلبت 40 سنة من السلام حتى واجهت بريطانيا و فرنسا روسيا في حرب القرم (1854 – 1856). السلام الذي سعى إليه من أجل الإمبراطورية الألمانية سوف يفيد أيضا بقية أوروبا و يصبح مساهمته الدائمة في التاريخ.

توفي بسمارك، الوزير – الرئيس (رئيس الوزراء) لبروسيا و المستشار الحديدي للإمبراطورية الألمانية يوم 30 جويليا 1898 و لم يعش ليرى سياسات المغامرة لفلهلم الثاني تساهم في نشوب الحرب العالمية الأولى في أوت 1914 و التدمير النهائي للإمبراطورية الألمانية التي عمل بشغف على إنشاءه و الحفاظ عليها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق