ابن رشد: شارح أرسطو و محامي الفلسفة

ولد ” أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد” في قرطبة بالأندلس عام 1126 من عائلة فقهاء أندلسيين بارزين. أصبح فيلسوفا و عالم دين و طبيبا و مستشارا ملكيا مشهورا، تخصص في العلوم القرآنية و في العلوم الطبيعية من علم الأحياء إلى علم الفلك و الفيزياء..

كان جده، الذي سمي على اسمه، قاضي قضاة قرطبة و مرجعا في الفقه المالكي و قد ألف كتابين مشهورين حول هذا المذهب و في نفس الوقت كان إمام جامع قرطبة ، حتى والده كان قاضيا كذلك و بالتالي فقد نشأ ابن رشد في أسرة من العلماء و تلقى تعليما ممتازا بقرطبة في اللغويات و الفقه الإسلامي و علم الكلام.

أصبح ابن رشد بارعا في كل هذه المجالات كما يتضح ذلك من كتاباته العديدة. كان ماهرا بشكل خاص في مجال “الخلاف” الذي تناول الجدل في العلوم القانونية. كانت له معرفة دقيقة بفلسفة “أرسطو” التي ربما قدمها له أحد أساتذته أو أحد المفكرين البارزين في قرطبة. تلقى تعليمه في الطب و كتب عملا ضخم يعرف باسم ” الكلية في الطب” ترجم إلى اللاتينية تحت عنوان ” الطب العام” سنة 1169.

كتابات ابن رشد مجدت على نطاق واسع في الوقت الذي كانت فيه الفلسفة الإسلامية تعتبر كنسخة مسبقة لما عرف بعدها بعصر الأنوار الأوربي.

انتقل ابن رشد عام 1153 إلى مراكش لدى سلطان الموحدين ” أبو يعقوب يوسف”” الذي تأثر بشدة بفكر ابن رشد الشاب و معرفته العميقة بالفلسفة. و من المثير للاهتمام يقال أنه كان مترددا في البداية في الكشف عن معارفه للأمير لأنه في ذلك الوقت كان الحكام المسلمون متشددون يرفضون الفلسفة التي كانت تعتبر معادية للإسلام. فكان على ابن رشد أن يحارب ذلك الاعتقاد السائد من خلال التأكيد على أن الفلسفة يمكن أن تتوافق مع الدين إذ تم فهمها بشكل صحيح. و في الحقيقة لم يكن لديه ما يخشاه عندما يتعلق الأمر بأمير الموحدين الذي أعجب بمعرفته الواسعة حيث استشاره في أسئلة فلسفية و أصبح من مقربيه و بطلب من أبو يعقوب لخص ابن رشد أعمال أرسطو بشكل واضح. خلال هذا الوقت قدم تعليقات مفصل عن فلسفته الأرسطية حتى أصبح معروفا على نطاق واسع بلقب معلق أو (شارح أرسطو)..

يعرف عن ابن رشد كذلك تصديه الجريء لهجوم أبو حامد الغزالي على الفلسفة حيث وقفت هذه الأخيرة كمجال فكري بعده موقف الدفاع و أصبحت موضوعا لهجوم يشنه عليها علماء الشريعة و الكلام، و من هنا كان الطبع الجدلي لذي ميز كثيرا كتابات ابن رشد حيث أخذ على عاتقه أن يوفق بين القانون الديني (الشريعة) و الفلسفة و يقرر وحدة مقصدهما. يقول في شرحه على “جمهورية” أفلاطون أن كلا منهما للأخرى ” رفيقة و أخت شقيقة”. بالنسبة له الحقيقة واحدة لا تتجزأ و كل ما هناك ” أننا نسعى إليها و نفسرها على أنحاء مختلفة”.

ظل ابن رشد في مراكش ناشطا في مجالات أخرى غير الكتابة و الفلسفة كما قدم ملاحظات فلكية و في عام 1182 تم تعيينه كبير الأطباء في مراكش ثم أصبح قاضي قضاة قرطبة. في عام 1195 لم يحظ بالتقدير من طرف أمير الموحدين الجديد الذي اعتبر أعماله مخالفة للدين و اتخذ الخليفة قرارات تمنع دراستها ليتم نفيه إلى “لوسينا” بالقرب من قرطبة لكنه عاد بعد ذلك إلى مراكش و توفي بعدها بفترة وجيزة في ديسمبر 1198.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق