اسبانيا الاسلامية: الأندلس.. حلم دام مئات السنين

اجتاز قائد مسلم البحر من شمال افريقيا الى اسبانيا عام 711 م، هذا القائد هو طارق ابن زياد الذي نزل في مكان يعرف باسمه (جبل طارق). تمكن العرب المسلمون من اخضاع اسبانيا في خلال عامين من ذلك التاريخ كما استطاعوا ضم البرتغال اليها فيما بعد.

تابع المسلمون بعدها مسيرتهم حتى دخلوا فرنسا و انتشروا في أقطاب من جنوبها. أرعب هذا زحف ” الفرنجة ” و غيرهم من قبائل بلاد ” غاليا ” (فرنسا حاليا) فانضموا تحت لواء ” شارل مارتل ” لصد الزحف الاسلامي. انتصر هذا الحلف على المسلمين في معركة ” تور ” (التي تعرف لدينا باسم معركة بلاط الشهداء) قرب مدينة ” بواتييه ” في فرنسا.
كانت هزيمة العرب المسلمين هذه بعيدة الأثر لأنها وضعت حدا لآمالهم في أوروبا. اشتبكوا بعد ذلك مع الفرنجة و غيرهم من مسيحي فرنسا مرارا في حروب كانت تنتهي بانتصار العرب و دخولهم الأراضي الفرنسية تارة وتنتهي أحيانا بهزيمتهم وتراجعهم الى اسبانيا تارة أخرى.. ثم هاجم ” شارلمان ” المسلمين في اسبانيا الا أنه ارتد منهزما وظل التوازن محفوظا طيلة مدة ليست بالقصيرة، فلم يتعد المسلمون اسبانيا في حكمهم و هكذا كان هذا البلد جزءا من الامبراطورية العربية الاسلامية الممتدة حينها من افريقيا الى منغوليا.

زمن الانفصال

لم يدم الأمر هذا على حاله لأن العباسيون تغلبوا على الأمويين و كان حاكم الأندلس أمويا، فرفض الاعتراف بالخليفة العباسي و انفصلت الأندلس عن جسد الامبراطورية العربية. أمام هذا الوضع، لم يتمكن الخليفة العباسي أن يفعل شيء لأن الأراضي الاسبانية كانت بعيدة عن بغداد كما أن الخليفة كان مشغولا بشؤون أخرى، لكن شعور العداء ظل مستحكما بين الدولتين. حسب العديد من المؤرخين كان انفصال الأندلس عن الوطن الأصلي خطأ كبيرا لأن ذلك ترك العرب في أراضي بعيدة عن موطنهم و جعلهم محاطين بالأعداء الذين يفوقونهم عددا، بالتالي لم يكن لديهم من ينجدهم في شدتهم.

المشكلة حسب الدارسين لتلك الحقبة أن عرب الأندلس كانوا شديدي الثقة بالنفس و برهنوا فعلا على قوتهم لأنهم استطاعوا أن يحتفظوا بالجزء الأكبر من اسبانيا حوالي 500 سنة، صامدين أمام الشعوب الشمال النصرانية، كما احتفظوا و لمدة 200 سنة أخرى بجزء أصغر من شبه الجزيرة الايبيرية الذي عمر أكثر من بغداد نفسها التي اختفت معالمها قبل أن يغادر العرب اسبانيا بزمن طويل.

ان حكم العرب لأجزاء من اسبانيا مدة 700 سنة أمر يدعو الى الاكبار و يزيد الاكبار لهم تلك المدينة الرفيعة و الثقافة الراقية على وصف أحد المؤرخين : ” .. لقد نظم المغاربة مملكة قرطبة العظيمة التي كانت مفخرة العصور الوسطى والتي حملت نبراس العلوم والحضارة الزاهرة الى العالم الغربي الذي كان مغمورا في الجهل و الوحشية”.

قرطبة.. ” زينة الدنيا”

ظلت قرطبة عاصمة لمملكة عرب اسبانيا مدة 500 سنة. كان سكانها يزيدون عن مليون نسمة حسب بعض السجلات و كان بها البساتين و الحدائق و يقال أنها كانت تحتوي على مئات القصور وآلاف البيوت والمتجر و مساجد و حمامات عمومية.. تعطينا هذه الصورة عظمة هذه المدينة التي كثرت فيها المكتبات و منها مكتبة الأمير التي كانت تحتوي على 40 ألف مجلد. لقد تعدت شهرة جامعة قرطبة الآفاق و اكتظت المدينة الى جانب ذلك بالمدارس المجانية للفقراء.
هذه هي قرطبة العظيمة منافسة بغداد العظيمة. لقد انتشرت شهرتها في أرجاء أوروبا حتى سماها أحد الكتاب الألمان ” زينة الدنيا “.. فتوافد على جامعتها الطلاب من جميع أنحاء العالم آنذاك وانتشرت منها الفلسفة العربية حتى وصلت جامعات العواصم الأوروبية الكبرى كجامعة باريس و أكسفورد في انجلترا و شمال ايطاليا. كان من أشهر فلاسفتها في القرن الثاني عشر ميلادي ” ابن رشد ” الذي نفاه الأمير من الأندلس على اثر خلاف بينهما فذهب الى باريس و استقر فيها.

لقد عرفت الأندلس كغيرها من البلدان الأوروبية نوعا من النظام الاقطاعي في تلك الحقبة و ظهر فيها النبلاء الأقوياء و كانوا يصطدمون مرارا مع الأمير (و هو الحاكم الأعلى).. كان لهذه الاشتباكات أثر سيء على عرب الأندلس يفوق أثر الاعتداءات الخراجية و كانت في نفس الوقت الدويلات المسيحية في تلك الأثناء تقوي نفسها لمقاتلة المسلمين ومطاردتهم الى جنوب البلاد.
كانت امارة الأندلس عند انتهاء الألف الأول بعد الميلاد تشمل التراب الاسباني بأسره و جزءا من جنوب فرنسا. لكن الوهن بدأ ينتابها خصوصا على اثر قيام المنازعات الداخلية. في المجمل لقد تعرضت حضارة العرب المعروفة بالفنون و التقدم و الترف الى قلاقل و هزات فنشبت بعد ذلك ما يشبه الحرب الأهلية تسببت في ضياع الولايات الاسلامية و تمزق الامبراطورية العربية و ظل العرب على تلك الحالة من التفكك و التدهور حتى سقطت ” قرطبة ” عام 1236 في يد ملك ” قشتالة ” المسيحي.

سقوط غرناطة و الاستفاقة من الحلم

رغب أن العرب انحدروا و تقهقروا الى الجنوب الا أن مقاومتهم لم تنهار كليا لأنهم اقتطعوا لأنفسهم مملكة في ” غرناطة ” قدر لها، على صغرها، أن تظل راية للحضارة الاسلامية في الأراضي الأوروبية حتى و ان كانت بصورة مصغرة.. و ما زالت ” الحمراء ” في غرناطة بأقواسها و أعمدتها و فنها العربي الاسلامي شاهدة على ذلك العصر الذهبي.
عاشت مملكة غرناطة 200 عام و هي معرضة لتهديد الدويلات المسيحية كدولة قشتالة التي كانت تضايقها و تفرض عليه الجزية في بعض الأحيان. يقول بعض المؤرخون أنه لولا تنازع الدويلات المسيحية فيما بينها لما قدر لغرناطة أن تعمر هذه المدة الطويلة.. الى أن جاء في عام 1469 حادث هام تم على اثره توحيد ثلاث من هذه الدويلات و هي ” قشتالة ” و ” أرغون ” و ” ليون “. الحادث في ذاته هو زواج ” فرديناند ” و ” ازابيلا ” اللذان كان حاكمين لأعظم ولايتين في اسبانيا. بعدها تغلب فرديناند و ايزابيلا على العرب و أنهيا حكمهم في التراب الاسباني بعد قتال طويل أبدى فيه المسلمون بسالة كبيرة، حيث حاصر المسيحيون غرناطة و قطعوا عنها المؤونة فاضطرت لاستسلام في عام 1492.

نزح اثر ذلك الكثير من العرب من اسبانيا الى شمال افريقيا و مازال على مقربة من غرناطة مكان يدعى ” زفرة العرب الأخيرة “.. و رغم ذلك بقى العدد الكبير منهم في الأراضي الاسبانية، غير أن معاملة المسيحيون لهم تعد صفحة سوداء في تاريخهم لما ارتكبوه من مذابح وحشية. تأسست في هذه الفترة ما يعرف في التاريخ بمحاكم التفتيش التي اتخذتها الكنيسة الرومانية ذريعة و سلاحا فتاكا تسحق به كل من لم يذعن لأوامرها.. كما أجبر اليهود – الذين ذاقوا طعم النعيم ابان الحكم العربي الاسلامي – على تغيير دينهم و احرق عدد كبير منهم رجال و نساء و أطفال.
قويت اسبانيا، بعد مغادرة العرب لها، على يد فرديناند و ايزابيلا و جلب اكتشاف أمريكا ثروات طائلة لها جعلتها مدة من الزمن قوة كبيرة مسيطرة على أوروبا. لكنها عادت فضعفت و استرسلت في نوم عميق حالمة بالعصور الوسطى و غير عابئة بتقدم جاراتها في أوروبا.. عجلة التاريخ لا ترحم ” ..وتلك الأيام نداولها بين الناس..”

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق