استيطان كوكب الأرض: رحلة البشرية الكبرى

يقول الخبراء أن موجات الهجرة بدأت من إفريقيا حيث كان السكان هم الأكثر كثافة و التي كانت متواضعة منذ 100 ألف سنة و انفجرت بعد 40 ألف عام. في بداية ما يعرف عند المختصين بالعصر ” الهولوسيني”، هناك 10 آلاف سنة، أعطت تلك الهجرات البشرية امتدادا عالميا تقريبا.

اندفع “الإنسان العاقل” نتيجة للانقسامات المتكررة في التجمعات البشرية نحو مناطق أخرى حيث عبر الأراضي العشبية المفتوحة في منطقة الصحراء الأكثر برودة و رطوبة إلى حد ما مما هو عليه اليوم و انتقل إلى ممر الشرق الأوسط. ثم أدى المناخ الجاف تدريجيا إلى دفع فائض السكان نحو السهوب و ” التندرا” في جنوب أوروبا و غرب آسيا. ظهر الإنسان الحديث تشريحيا في شرق آسيا في أواخر 70 ألف سنة مضت ووصل إلى قلب ما هو الآن الصين ربما قبل 30 ألف سنة، بعد فترة وجيزة من استقرار ” الكرومانيون” ( مجموعة خاصة من البشر المعاصرين تشريحيا) في أوروبا و في نفس الوقت تقريبا الذي بدأ فيه رواد البشرية في التكيف بشكل جدي مع مناطق خطوط العرض القطبية الشمالية. بالتحرك على طول السواحل الجنوبية لآسيا، يقول الخبراء، أن البشرية تكون قد وصلت إلى أستراليا منذ حوالي 40 إلى 20 ألف سنة مضت.

استيطان الأمريكيتين

على الرغم من أن الخبراء يقدمون نظريات مختلفة حول استيطان الأمريكيتين إلا أنهم يتفقون على أنه حدث في وقت متأخر نسبيا و على الأرج خلال جسرا بريا عبر مضيق “بيرينغ” المعروف باسم ” بيرينجيا” و الذي اختفى مع ارتفاع و هبوط المحيطات بين شمال غرب أمريكا و شمال شرق آسيا.

الدليل الأول على وجود مستوطنة بشرية محتملة في الأمريكيتين كان إشكاليا و يقول المختصون في هذا السياق أنه قد تكون المجموعات المعزولة قد وصلت إلى وسط “ألاسكا” منذ 40 ألف سنة. وتحقق علماء الآثار مؤخرا من موقع سكني بشري في “مونت فيردي” الذي يقع على بعد 800 كيلومتر جنوب ” سانتياغو” في تشيلي و الذي كان مستوطن منذ 15 ألف و 500 سنة و قد يعود تاريخه إلى أكثر من 30 ألف سنة.

خلص الخبراء بثقة إلى أنه منذ ما بين 14 و 12 ألف عام تناثرت مستوطنات هنود أمريكا القدماء مصطحبين معهم مجموعات الأدوات و اللغات و التقاليد الثقافية التي تشبه تلك الشائعة وراء المضيق و امتدت إلى شرق “بيرينجا”  و جنوب الأنهار الجليدية المتراجعة نحو السهول الكبرى في أمريكا الشمالية و بعد فترة وجيزة من 12 ألف سنة، انفجر عدد سكان الهنود القدماء فجأة مما نتج عنه احتلال البشر للأمريكيتين لعدة آلاف من السنين.

هيمنة “الإنسان العاقل”

أثبت ” الإنسان العاقل” بحلول نهاية العصر الجليدي الأخير بأنه أكثر الثدييات عددا و انتشارا على الكوكب و هو النوع المهيمن ثقافيا و مجهزا للتلاعب بالبيئة الطبيعية بطرق يحتمل أن تكون مفيدة لرفاهيته، و لكن في نفس الوقت تخل بالتوازنات الحساسة للغلاف البيئي. على الرغم من أن عدد سكان العالم قد وصل إلى 10 ملايين في أعقاب مجمعات حول منابع المياه في العصر الحجري الأعلى إلا أن التكيف لنشاط جمع الثمار و الصيد استمر في هيمنته أينما وجد ” الإنسان العاقل”. و يبدو أن السمات التي تميز الآن كبشر تكون قد نشأت في مراحل مختلفة من عملية تطورية مطولة و معقدة لم يتم بعد  شرحها بالكامل من طرف المختصين على الرغم من التطورات العلمية الحديثة. في حين أن ” السافانا” المضيافة نسبيا في إفريقيا جنوب الصحراء قدمت إطارا لظهور البشرية، من منطلق النظرية العلمية، لا يمكن للخبراء أن يشيروا بسهولة إلى فترة محددة في تاريخ العالم عندما أصبح السلوك إنسانيا حقا، ما لم يكن قفزة تطورية هائلة حدثت خلال العصر الحجري الأعلى.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق