افريقيا في العصور الوسطى: مانسا موسى وإمبراطورية مالي

مع بداية القرن الرابع عشر بعد الميلاد كانت العديد من المناطق والبلدان لم يتم بعد اكتشافها. في جنوب البحر الأبيض المتوسط هناك قارة واسعة وثرية كانت مجهولة لحد ما خاصة لدى الأوروبيون.

في شهر جويليا من عام 1326 شهدت القاهرة (مصر) حدثا خارق للعادة.. ظهرت مثل السراب قافلة من المسافرين خرجت من الصحراء على رأسها رجلا يدعى كانغا موسى، انه المانسا موسى ملك الملوك الإمبراطورية المالي. لا أحد من مرافقيه كان يحمل رمحا أو سيفا، مانسا موسى يملك سلاحا أكثر سلما ولكنه أكثر فاعلية، الذهب. كان عدد المرافقين له ما يقرب سبعون ألف شخص و سبعون جملا يحمل كل واحد منهم 150 كلغ من الذهب و 500 عبدا يحملون صولجان (عصا اعتبرت دائما كعلامة للسلطة) من نفس المعدن الثمين. خلال سنة واحدة قطعت هذه القافلة مسافة 3200 كلم. كان مانسا موسى في رحلة لإتمام مناسك الحج وهو متوجه نحو أقدس مدينة في السلام، مكة المكرمة. مملكته (امبراطورية مالي) كانت توجد في غرب القارة الافريقية وتمتد من أرضي غينيا الحالية الى شمال النيجر، مساحتها تبلغ حوالي مليون كلم مربع، كانت حينها أوسع من أوروبا الغربية بكاملها و رغم ذلك وعدا في افريقيا فالكل في العالم كان يجهل وجود هذه المملكة.

عرفت مالي هذا الثراء بفضل نهر النيجر حيث كان العمود الفقري لهذه لإمبراطورية ملك الملوك، لأنه كان يربط بين الشمال و الجنوب فكان الطريق الأمثل لنقل السلع في سلم و ازدهار. ثرائها يرتكز على مواردها الطبيعية ووسائل نقل فعالة بالإضافة الى نظام تشريعي متطور.

لكن ملك الملوك كان يبحث عن اتصال بالإمبراطورية العثمانية و بنزوله ضيفا لدى السلطان قام مانسا موسى و مرافقيه بتوقف في القاهرة دام ثلاث أشهر. خلال هذه الفترة قام ملك مالي بتوزيع ذهبه على الأعيان المتعجبين من هذا السلوك الكريم.. كرمه أصبح أسطورة. قام هذا الرجل بإغراق القاهرة بهداياه. لم يكن هناك أي ضابط في بلاط السلطان أو صاحب وضيفة رسمية لم يتحصل على ذهب مانسا. تقول الرواية التاريخية بأن سكان القاهرة تحصلوا على أرباح طائلة بمتاجرتهم وتبادل سلعهم مع مانسا موسى ومرافقيه.

في تلك المرحلة كانت القاهرة بمثابة المركز والقلب النابض لسوق الذهب لكن كرم ملك مالي أحدث سقوطا في القيمة النقدية للمعدن الثمين نتج عنه وفرة الذهب ومن ثمة ارتفاع في أسعار المواد الاستهلاكية. يقال أن القاهرة احتاجت لعشرة سنوات لكي تخرج من تلك الأزمة. كان مانسا موسى في تلك الفترة أغنى رجل في العالم ومن هنا ما لبثت سمعته أن انتشرت بسرعة في كل بقاع العالم آنذاك.

في عام 1375 قام جغرافي من مملكة أرغون (اسبانيا) برسم عدد من الخرائط عرفت بالأطلس الكتالوني ووضع رسما لمانسا موسى متربعا على عرش قلب القارة الافريقية. لقد فتح ملك ملوك مالي عيون العالم على ثراء بعض المناطق الافريقية. يقال أنه في القرن الرابع عشر ثلث الذهب المتداول في أوروبا كان مصدره مملكة مالي.

إضافة الى هذا فكان مانسا موسى كذلك ملكا مشيدا للعديد من المنشئات المعمارية الشهيرة حيث مول بناء العشرات من المساجد في مملكته وكانت في مجملها مجمعات رائعة مثل المسجد الكبير لمدية “جيني”، أكبر بناية من الطين في العالم كما بنى عدة مدن شهيرة مثل “ولاته” و “تمبكتو” فكانت هذه الأخيرة و لقرون من الزمن مركزا ثقافيا و تجاريا و دينيا ذات نشاط كبير.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق