الأزمة البترولية الأولى: عندما توقف العالم الغربي

الكويت، الأربعاء 17 أكتوبر 1973 و أمام دهشة العالم يقرر وزراء الدول العربية المصدرة للبترول، الجزائر، ليبيا، العربية السعودية، الإمارات، الكويت، و العراق تخفيض كل شهر 5 بالمائة من إنتاجهم للبترول حتى تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة من طرف الكيان الإسرائيلي.

ردة الفعل هذه أتت إحدى عشر يوما بعد اندلاع حرب أكتوبر و الهدف منها تدعيم المصريين و السوريين الذين كانوا يتحملون حينها عبء الهجوم المضاد الإسرائيلي. انتقل سعر البرميل  في خلال 24 ساعة من بين 3 و 5 دولار إلى 12 دولار و من هنا أخذت الأزمة بعدا عالميا. كان ذلك بمثابة أكبر حدث اقتصادي عالمي منذ انهيار بورصة وول ستريت في 1929.

يرى الخبراء في الحقيقة أن هذه “الصدمة البترولية” كما سميت بعدها تطابقت من النهاية العنيفة للازدهار الطويل الذي عرفته إقتصادات الدول الغربية. ففي أواسط سنوات الستينيات، المرحلة الحقيقية لما بعد الحرب العالمية الثانية، وضلت حضارة البترول أوجها، ازداد عدد السيارات في كل أرباع الكوكب و تطور الطيران المدني بالإضافة إلى تصنيع اليابان و أمريكا اللاتينية و ازدياد الاختراعات البتروكيماوية. أخذ زيت الوقود في أطراف العالم كله أسواقا متزايدة على حساب الفحم و أصبح الطلب عظيم و هائل و في ارتفاع متزايد.

تبقى الولايات المتحدة من دون شك أول مستهلك للبترول و لكن في نفس الوقت هي كذلك أول منتج له بمساعدة الجارة كندا. لكن التنقيب و الاستغلال انتقل إلى البحار في الشمال الكبير، ألاسكا، و كان سعره مرتفعا أكثر فأكثر. و انطلاقا من أن سعر استغلاله في الشرق الأوسط كان أدنى استطاعت العربية السعودية و إيران و الكويت و الإمارات من رفع حصصها في السوق العالمية. و وصلت أوروبا و اليابان في نفس الوقت إلى نضج صناعي جعله يكون مضاعفا للطلب.

أمام هذا التطور الذي يبدو غير محدود أصبحت الدول المنتجة تتمتع بمداخيل متزايدة دون أن تتحكم في الحقيقة في تسيير العرض البترولي في الأسواق العالمية.

تسيير العرض البترولي

الحقيقة هي أن السوق البترولية منظمة بطريقة محددة من طرف سبعة عمالقة الصناعة البترولية العالمية، أربعة منها أمريكية ( اكسون – أونوكال، شيفرون، موبايل و غولف) و الانجليزي (شال) المشترك مع الهولندي (دوايل داتش) و الفرنسي (آلف). و الاتفاقيات الموجودة بين الدول البترولية المنتجة و الشركات العالمية تعطي الإمكانية لهذه الأخيرة كي تحدد السعر و الكميات التي يستوجب استخراجها.

بدأت موازين القوى تتغير شيئا فشيئا و السلاح الأقوى لدى الدول المنتجة يبقى التأميم. فمنذ 1938 قام الرئيس المكسيكي ” لازارو أكارديانس” بفرض تأميم بترول بلده مقابل تدعيمه للسياسة العالمية للرئيس الأمريكي حينها “فرانكلين دولانو روزفلت” و قام بعده الإصلاحي الايراني الكبير ” محمد مصدق” بنفس العملية في بداية الخمسينيات على حساب بريطانيا في شركة ( أنجلو- ايرانيان) شركة النفط الأنجلو- إيرانية. المرحلة التي تلت هي إنشاء جبهة موحدة لأكبر الدول المنتجة أمام كارتل “الأخوات السبع” و ذلك بتكوين كارتل مضاد و هو ” منظمة الدول المصدرة للبترول” (أوبك) التي أنشأت في عام 1960.

أوبك تشعل فتيل الأزمة

خلافا لما روج له من خلال أسطورة العالم الثالث التي ترى في تلك الأزمة على أنها كانت ثورة المنتجين العرب أو حتى أنها ثورة ضد امبريالية الدول الغربية ففي الواقع هي أنها كانت تحالف مبدئي لثلاث شركاء كلهم قريبين كثيرا من الولايات المتحدة، فنزويلا التي كانت تواجه سياسة ” كاسترو” في كوبا و إيران التي كانت تحاول التصدي للمد السوفيتي و العربية السعودية التي كانت تقاوم من جهتها الناصرية المصرية. و يقول المختصون أن الدليل على ذلك أن خبراء فنزويلا هم المهندسين الحقيقيين لمنظمة أوبك محفزين من طرف الرئيس الاشتراكي الديمقراطي ” رومولو بتنكور”. و بسرعة انتشرت الفكرة بأن الأوبك بإمكانها أن تكون البديل “الإصلاحي” لموجة التأميمات التي حدثت في الماضي.

لكن الهدوء سيكون قصيرا و برزت توترات بسرعة، الوضعية الجديدة التي نتجت عن حرب أكتوبر سمحت لمنظمة أوبك بقلب الطاولة و فرض ثورة في العرض و الأسعار. هكذا انتقلت الأمور من إجراء و طرح سعودي للدفاع عن الوطن العربي في مواجهة الكيان الإسرائيلي في حرب شاملة إلى إجراء من نوع مختلف و أوسع و هو قرار تقليص الإنتاج للوصول إلى رفع الأسعار.. غير أن الهدف هنا و هو التصدي للكيان الإسرائيلي أصبح تحدي للعالم الغربي كله الذي دفع جشعه اللامتناهي في الطلب للدول المصدرة أن تقوم بانقلاب عالمي.

المواجهة السياسية و المأزق

في يوم 25 أكتوبر و بينما تم إعلان أول وقف لإطلاق النار في الحرب ضد إسرائيل تقرر الدول العربية مضاعفة سعر البرميل و كانوا أربعة أيام من قبل قد قرروا حصارا ضد الولايات المتحدة و هولندا اللتان أعلنتا تعاطفهما مع الكيان الإسرائيلي. كان ذلك غير كافي بالنسبة لشاه إيران ” محمد رضا بهلوي”، رغم كونه حليف أمريكا، حيث قرر زيادة على ذلك و بقرار أحادي (من طرف واحد) مضاعفة السعر المحدد. وصلت حينها المفاوضات بين الشركات البترولية العالمية و دول أوبك الممثلة بالوزير السعودي للبترول حينها الشيخ ” أحمد زكي يماني” إلى مأزق. النتيجة كانت مذهلة، من دولارين في 1973 وصل سعر البرميل إلى قمة أكثر من 11 دولار في 1975.

النتائج كانت فورية، في البداية انتشر نوع من الذعر الذي أصاب المستهلكين خاصة في الولايات المتحدة. و بطبيعة الحال الأزمة صنعت عدد من السعداء مثل الشركات الخارج أوبك التي ستقوم باستثمارات جديدة في التنقيب و الصناعة النووية المدنية أصبحت تعامل باحترام ضف إلى ذلك إعادة الاعتبار للنقل بالسكة الحديدية و السيارات ذات قوة محركات صغيرة. على المدى القصير لم يكن هناك أي وسيلة للتخفيف من الصدمة الأولية حيث تضاعف السعر بثلاث مرات و الفاتورة كانت يجب دفعها حالا.  وجد العالم الغربي نفسه حينها أمام ظاهرة اقتصادية جديدة و هي ” الركود التضخمي”، اقتصاد حقيقي في ركود و تراجع في وقت ترتفع فيه الأسعار بصورة دائمة. جمدت الصدمة البترولية اقتصادات الدول الغربية لسنين.

نتائج الأزمة و آثارها

سجلت سنة 1974 لدى الدول المصنعة بداية إعادة النظر في اعتمادها المطلق على الطاقة، ففي الولايات المتحدة الأمريكية زيادة أسعار البترول جعلت استغلال الحقول الوطنية أكثر ربحا و في فرنسا و اليابان عرفت برامج الصناعات النووية تقدما ملحوظا حيث استطاعت فرنسا على سبيل المثال من تقليص الفاتورة البترولية الى النصف.

شيئا فشيئا بدأ سعر البترول في الاستقرار و ذلك تحت تأثير دخول الإنتاج خارج الأوبك في بحر الشمال و ألاسكا و خليج المكسيك و خليج غينيا و كذا بروناي و لكن خاصة مع بدايات الثورة الإسلامية في إيران في 1978 حيث بدأت جبهة الدول المصدرة للبترول في التفكك.. كانت الإستراتيجية السياسية البترولية للسعودية بقيادة الوزير ” زكي يماني” هي إسقاط الأسعار و عندما تضاف إلى هذه السياسة، بعد 1979، دخول الإنتاج خارج أوبك استقرت السوق البترولية لمدة طويلة جعلت من الصدمة البترولية الثانية (1979) نسبيا لا حدث اقتصادي على الصعيد العالمي بالإضافة إلى ذلك و رغم الأزمة الكويتية في عام 1990 لم تحدث أي أزمة بترولية.

رغم كل ما سبق فان دروس أزمة 1973 لم تضيع فالصدمة البترولية أوقفت فجأة مرحلة طويلة من النمو و فتحت الطريق لمرحلة طويلة كذلك من إعادة هيكلة اقتصادات الدول الغربية و التي لم تنتهي سوى في أواخر القرن العشرين. و أظهرت الأزمة من جهة أخرى في الدول الجنوبية أن الثراء المفاجأ لا يمكنه الدوام و لا يستطيع خدمة النمو ما لم يكن هناك هياكل اقتصادية حقيقية و كذلك نظم ديمقراطية باستطاعتها تسيير ذلك الثراء على النحو المفيد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق