الإمبراطورية الفرنسية: وفي ” نوتردام ” باريس حكاية

فرنسا..بلد خلق بخاتم الأناقة والتفوق كي تحقق بعض من أعظم الأعمال الفنية في العالم. كان يحكم هذا القطر الأوروبي قادة اعتقد بعضهم أنهم آلهة، وقام البعض الآخر بحروب عبر القارات. تحقيق الكمال دفع بهذا الموطن الى بناء على مستويات لا تصدق. لكن اصراف قادتها اللامتناهي أدى الى الثورة واستدرج الإمبراطورية الى حافة الكارثة. من الفوضى خرج غازيا، نابليون، هدفه الوحيد امبراطورية على مستوى روما القديمة… قبل ذلك بذور شعب سيسجل له التاريخ شأن كبير بدأت تغرس على العديد من المستويات.

نحن في باريس عام 963 ، جيش من عمال البناء يغزو جزيرة المدينة (ايل دو فرانس) في منتصف نهر السين لتكسير كميات هائلة من الحجر الجيري. كان هذا الموقع مقدسا لآلاف السنين، كان يوما مكان عبادة الدرويد (كهنة الشعوب السلتية) قبل أن يتحول الى معبد روماني تمجيدا لملك الآلهة الرومانية ” يوبيتر”. في وقت لاحق أصبح جسرا حاشد للحجاج المسيحيين تكريما للقديس دونيس ( سان دونيس ) الذي تعرض للتعذيب قبل أن يقطع رأسه.
أمر ملك فرنسا ببناء كاتدرائية جديدة لتكون محط أنظار كل أوروبا، هذا الملك هو لويس السابع والكاتدرائية هي ” نوتردام باريس”، من بين أفخم المباني التي شيدت على الاطلاق.

لم يكن ارث الثورة الفرنسية أياما للمجد، كان عهد الإرهاب الذي ترك البلد في فوضى سياسية مع جثث بلا رؤوس، فوضى نشأ منها واحد مثل نابليون.. الديمقراطية التي تعرفها فرنسا الآن أتت لاحقا. لكن حتى وان استحمت فرنسا في أسسها بالدماء فإنها تعوم أيضا في جمالها وأبهتها، فيستمر مجد فرنسا بروح الابتكار في الفن والعلوم والتخطيط العمراني وقدرتها المذهلة على البناء.

قبل الاستطراد في الموضوع نوضح أن في الأصل كلمة كاتدرائية لا تعني كنيسة كبيرة، انها تأتي من كلمة ” كاتدرا ” و تعني المقر.. مقر الأسقف أو رئيس الأساقفة ممثل البابا في الأبرشية وكاتدرائية نوتردام باريس الممجدة لمريم العذراء من المحتمل أن تكون الكنيسة الأكثر شهرة في العالم.

في بداية العصور الوسطى تم بناء الكنائس على الطراز النورمندي الذي اقترض من روما القديمة بأعمدته وتاجه، كانت الكنائس الرومانية ضخمة في حجمها لكنها متواضعة في علوها مع جدران سميكة ونوافذ صغيرة. ورغم ضخامتها لم تكن لها القدرة على استيعاب العديد من المصلين. لم يكن أسقف باريس في تلك الفترة يريد كنيسة تسمح لآلاف المصلين من الوقوف فحسب بل كان يريدها كذلك أن توحي رهبة الخالق.

كان ” موريس دي سيلي “، أسقف باريس في فرنسا شخصية هامة في العالم المسيحي. بعد سنوات من الصراعات الدامية أراد هذ الأسقف والملك لويس السابع تأكيد سيطرتهم على آراضي الاقطاع في فرنسا. ستكون بذلك كاتدرائيتهم العظيمة حجر الزاوية لهذا النظام الجديد ورمز سلطتهم، ولذلك سيتم بنائها بطريقة فريدة من نوعها.

كان دي سولي أسقفا لباريس في الوقت الذي كانت فيه المدينة في توسع تام، حيث كان لويس السابع قد جعلها عاصمة مملكة فرنسا وأراد من هنا دي سولي أن يشيد مبنى على مستوى ورتبة المدينة ويليق بالأسيد العظماء.

لمسة العمارة القوطية

القرنان اللذان استغرقهما بناء نوتردام، من القرن الثاني عشر الى القرن الرابع عشر، يشكلان من ناحية الهندسة المعمارية فترة تسمى ” القوطية “. لكن في الأصل كان المصطلح ازدرائي، انه الحال عندما لا يعجب جيل ما فعله الجيل السابق.. الفن القوطي مهيب، مع سهام زخرفية طويلة ونوافذ مقوسة ضيقة وأخرى كبيرة من الزجاج الملون إضافة الى أعمدة ضخمة في داخل المباني. النمط القوطي هو قبل كل شيء زخم عمودي في فن العمارة. أحد خصائص هذا النمط هو الشعور بالفضاء وخفة الهيكل الناتج عن الأنوار التي تنبعث بوجود الزجاج الملون وكأنه يعرض رؤية جديدة من ” الجنة ” للمصلين المسيح.

كانت نوتردام باريس شاسعة المساحة ترتفع أسوارها الى أكثر من 30 مترا من الأرض، كانت كبيرة لدرجة أنها ستبتلع كنيسة موريس دي سولي القديمة أين كان يواصل الصلاة في السنوات الأولى من بناء الكاتدرائية.
بالنسبة لآلاف العمال، في تلك المرحلة، بناء الكاتدرائية يعني وفرة العمل ستدوم طول العمر. كان لكل بناء علامة محفورة على حجر من الأحجار وبواسطة تلك العلامة يتم دفع أجره حسب عدد الأحجار التي عمل عليها. بالإضافة الى ذلك كانت هناك فكرة رومانسية تداولت حينها مفادها أن كل حجر هو ” صلاة منقوشة ” و في الواقع أنه ان لم يكن هناك مال لم يكن هناك عمل.

استلزم البناء آلاف الأطنان من الحجر حيث ولدت كذلك الورشة عبادة حقيقة حول عربات الحمل حيث انضم النبلاء والعامة الى العربات التي تجرها الثيران وحملوا الحجار على أمل الغفران.
من ناحية أخرى، وعلى عكس العصر الروماني وعصر النهضة وحتى عصرنا الحالي أين تكون الهندسة المعمارية بما يمكن وصفه أنها ” قابلة للخصم “، أي يتم التفكير أولا على الورق، لكن فكر المهندس المعماري القوطي يعمل بما يعرف ” المادة المضافة ” حيث يتم رسم مخطط بعض الكنائس على الأرض ثم تنصب في موقعها. بالتأكيد تكون هناك خطة مبدئية لكن في حالة الخطأ يقام بإضافة عمود أو جدار أو قوس. بالنسبة لنوتردام باريس كان يجب حساب وزن الحجارة، حيث كان الدفع نحو الأسفل هائلا وكانت الرياح مشكلة حقيقية بسبب ارتفاع المبنى. لجأ البناؤون في الأخير الى عنصر رائع في الهندسة المعمارية يعرف بمصطلح ” الدواعم الطائرة “، انها تلك نصف الأقواس التي تحول ثقل وزن كل قبو نحو الخارج ثم نحو الأرض. بكل هذه التقنيات كانت نوتردام رائعة حتى أنها أطلقت حتى قبل أن تكتمل ما يمكن وصفه بموضة المباني القوطية في جميع أنحاء شمال أوروبا.

عندما تدهورت صحته كان دي سولي مصمما على جعل نوتردام باريس أروع كاتدرائية في أوروبا حتى ولو لم يعش ليرى اتمامها. في وصيته منح الأسقف مبلغا من المال لبناء سقف الكاتدرائية ومن خلال كرمه ذلك ترك بصماته على كنيسته المحبوبة.

اكتملت نوتردام باريس في منتصف القرن الرابع عشر أي بعد 200 سنة من بداية المشروع. كانت رمزا لإمبراطورية فتية. روعتها وجمالها أعلنا الغزوات والتوسع الكبير الذي جاء فيما بعد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق