الاستعمار الفرنسي في جزائر: سلب و نهب و تعسف

قرّرت القوى العظمى بعد مؤتمر فيينا وضع حد للهيمنة الجزائرية على البحر المتوسط، فيقوم اللورد أميرال أكسموث بقصف مدينة الجزائر عام 1816، لكن دون نتيجة.

خلال الثورة الفرنسية و حقبة الإمبراطورية كانت لفرنسا علاقات أقل ما يقال عنها أنها حسنة مع إيالة الجزائر حيث كان الداي يتعامل معها تجارية و خاصة بيع القمح لها. فكان ذلك منبع الخلاف الذي نشب مع استعادة آل بوربون الملك في فرنسا. بدأ الانزعاج يدخل أروقة قصر الداي بسبب تراكم ديون فرنسا ليصل الى ما يعرف ب “حادثة المروحة” أين ضرب الداي حسين القنصل الفرنسي بيار دوفال بمروحيته و أمام الملأ (يوم عيد الفطر) من عام 1827.

ردة فعل الملك الفرنسي شارل العاشر كانت بفرض حصار بحري على مدينة الجزائر و بما أنه لم يحصل على اعتذار رسمي يقرر التدخل العسكري مع بداية عام 1830 و الذي كان في الحقيقة سوى مناورة سياسية لالهاء الراي العام الفرنسي بسبب الاضطرابات التي كانت تعرفها مملكته حينها. و بعد انهزام المقاومة الجزائرية في معركة سطاوالي تمكن الفرنسيون من السيطرة على برج بوليلا يوم 4 جويليا 1830 لتسقط مدينة الجزائر في اليوم الموالي.

كان بإمكان الحكومة الفرنسية الاكتفاء “باحتلا محصور” على بعض الموانئ لكن مع اتساع و تضاعف المقاومة الشعبية في الأراضي الداخلية أرغمت على المواجهة مع قوات أحمد باي في قسنطينة و ما جاورها و الأمير عبد القادر غربا. بعدها يقوم القائد الفرنسي بيجو بالتفاوض مع الأمير عبد القادر (معاهدة التافنة) يوم 30 ماي 1837 ظنا منه أنه ضمن السلام في الجبهة الغربية لتتمكن القوات الفرنسية من الاستيلاء على قسنطينة يوم 13 أكتوبر من نفس السنة. لكن في المقابل اغتنم الأمير عبد القادر فرصة الهدنة ليقوي سلطته و جيشه غرب البلاد.

مقاومة الأمير عبد القادر

في شهر نوفمبر 1839 و بعد خرق معاهدة التافنة من الطرف الفرنسي (حادثة مرور المارشال فالي عبر ممر “أبواب الحديد” بجل البيبان، يعلن الأمير الجهاد ضد المستعمر الفرنسي. يقوم على اثرها الحاكم العام الجديد على الجزائر بيجو في ديسمبر 1840 بحملة من الغارات و استجلاء على الأراضي و حرق المحاصيل و كل الأشجار المثمرة واضعا نقاط مراقبة ثابتة و شدد الخناق على كل البلد.

تراجع الأمير بعد سقوط “زمالة” في المعركة التي تحمل نفس الاسم تحت يد دوق أومال يوم 16 ماي 1843، تحتم على قائد المقاومة الجزائرية التراجع نحو الأراضي المغربية و أين استطاع إقناع سلطان المغرب عبد الرحمان بن هشام بالتحالف معه.

مباشرة بعدها يقوم دوق جوينفيل بقصف مدينة طانجة المغربية يوم 6 أوت و تهزم القوات المغربية أمام القائد الفرنسي بيجو في معركة اسلي (قرب مدينة وجدة) يوم 14 أوت 1844. و بعدما استغنى عنه المغاربة واصل الأمير عبد القادر مقاومته لثلاثة سنوات أخرى لينتهي الأمر باستسلامه للجنرال لامورسيير يوم 23 ديسمبر 1847.

يتواصل التوغل الفؤنسي بسقوط منطقة الأوراس عام 1849 وواحات الجنوب في بين 1852 و 1854 و منطقة القبائل عام 1857 بعد ثورات لالة فاطمة نسومر و بوبغلة  لتليها ثورات الشيخ المقراني (1871-1872) و مقاومة الشيخ بوعمامة (1881-1883) و مقاومة التوارق (1916-1919) بقيادة الشيخ أمود..

التوسع الاستعماري و الاستيلاء على الأراضي

منذ 22 جويليا 1843 صدر مرسوم يعتبر ما كان يعرف بإيالة الجزائر “ملكية فرنسية في شمال إفريقيا” ليعين بموجبه الجنرال جون باتيست دويت من أورليون كحاكما عاما على الجزائر. لكن التوسع الاستعماري الملحوظ بدأ بع حكومة بيجو (ما بين 1840 و 1847) حيث حاول هذا الأخير فرض نظام استعماري عسكري بحت. بمساعدة الجيش الاستعماري الذي قام بمسح الأراضي و فتح الطرقات انطلقت موجة كبيرة من هجرة المعمرين إلى المستعمرة الجديدة حيث انتقل عددهم من حوالي 25 ألف في 1840 إلى 109 آلاف في 1847 نصفهم من الأجانب الغير فرنسيين كأسبان و ايطاليين و مالطيين.

بالاستيلاء على أراضي القبائل و العروش خاصة التي تم مصادرتها بعد حملهم السلام في وجه الغزاة قام المستعمر بسلب 481 ألف هكتار منحت للمعمرين بين سنوات 1830 و 1871 و تقريبا نفس المساحات بين سنوات 1871 و 1880 بعد المصادرات الكبرى للأراضي عقب ثورات و انتفاضات عامي 1871 و 1872. موازاة مع الاستعمار الرسمي بدأ التوسع الغير رسمي ابتداء من عام 1870 حيث تقول الإحصائيات أنه في عام 1930 من بين المليونين و 300 ألف هكتار التي أصبح ملك للأوروبيين مليون و نصف المليون هكتار تم التنازل عنها للمعمرين من طرف السلطات الاستعمارية، و الباقي تم عن طريق الشراء المباشر. لكن التوسع الاستعماري للمعمرين في القطاع الفلاحي بدأ يتلاشى ابتداءا من عام 1900 حيث أبح في عام 1926 ثلثي الأوروبيين يقطنون المدن و المجمعات الحضرية.

سياسة الإدماج

إدماج الجزائر إلى فرنسا تم بشكل ممنهج حيث كل القضايا الجزائرية كانت تسير من طرف الوزارات الباريسية ثم ثم رسم هذا النظام بوجب مراسيم 26 أوت 1881 التي ألغت الادارة العسكرية لتحل مكانها “المكاتب العربية” (الأهالي) التي حصرت في الجنوب أما باقي البلد انتقل تحت سلطة إدارية مدنية موزعة على بلديات و نواحي كاملة الصلاحيات تشمل العدد الأكبر من الأوروبيين و يديرها عمدة بلدية منتخب، كما كان هناك بلديات مختلطة التي يسكنها في أغلبها الجزائريون المسلمون و يديرها إداريون.

خلال ما عرف ب “قضية دريفوس” الضابط الفرنسي اليهودي الذي اتهم بالجوسسة في باريس (1898) عرفت جزائر المعمرين أزمة مناهضة لليهود و قد كان هؤلاء قد تحصلوا على الجنسية الفرنسية بموجب مرسوم كريميو عام 1871، الأزمة التي أخذت أبعادا و أصبحت في شكل مقاومة انفصالية عن باريس. و لأول مرة و مع اندفاع المعمرين بدأت إرادتهم في الاستقلال عن الوطن الأم تفرض نفسها كي يستجاب لهم يمنح الجزائر المستعمرة قانون 29 ديسمبر 1900 هوية مدنية و ميزانية خاصة بها..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق