الاستعمار و مشاهده: قصة طغيان دام لقرون

يعرف الاستعمار عموما على أنه ” نظام هيمنة سياسية و اقتصادية و ثقافية يفرض بالقوة من طرف أقلية أجنبية متفوقة تكنولوجيا على أغلبية السكان الأصليين”. هو تركيبة في بناء إمبراطورية في التوسع الأوربي لخلق نظام عالمي حديث.

يعود الاستعمار، دون شك، إلى حوالي ستة آلاف سنة في تاريخ الإنسانية عندما وضعت البشرية لأول مرة مجمعات سكنية واسعة لدرجة أن حاجياتها من الغذاء ازدادت و أصبحت المناطق المجاورة لا تستطيع تلبيتها. المستعمرات الأولى كانت على ما يبدو شعوب استغل جهدهم و أراضيهم لإنتاج الغذاء لصالح شعوب أخرى. كل الدول التي وجدت قبل الثورة الصناعية كانت عموما استعمارية انطلاقا من كونها كانت في أغلب الأحيان تأخذ الأراضي و تستغل عمل و موارد الشعوب الخاضعة.

في حجم الاستعمار الغربي

الاهتمام بالاستعمار في العصور الحديثة تجلى خاصة في الاستعمار الغربي منذ حوالي سنوات 1500 إلى يومنا هذا. الاستعمار الغربي جلب الاهتمام في معظمه لأنه كان واسعا و كانت قوة هائلة في تاريخ الإنسانية. لإعطاء فكرة عن هذا الحجم الهائل نسرد ملاحظات العالم الجغرافي الألماني ” ألكسندر سوبان” : انه في عام 1900، كانت الدول الأوربية و الولايات المتحدة يسيطرون استعماريا على 90 بالمئة من الأراضي الإفريقية و 99 بالمئة من جزر المحيط الهادي و 56 بالمئة من آسيا و 100 بالمئة من أستراليا و 27 بالمئة من الأمريكيتين.

أهم الدول الاستعمارية الأوروبية كانت بريطانيا و فرنسا و اسبانيا و ألمانيا و البرتغال و الأراضي المنخفضة (هولندا) و بلجيكا و ايطاليا التي لعبت دورا أقل أهمية. جنوب آسيا و جنوب شرقها استعمرا في البداية من طرف الهولنديين و البرتغاليين و الأسبان في قرني 18 و 19 و حتى البريطانيين و الفرنسيين توسعوا في هذه المنطقة. إفريقيا استعمرت من طرف البريطانيين و الفرنسيين و البلجيكيين و الأسبان و البرتغاليين و الألمان و الايطاليين. مرحلة الاستعمار المكثف كانت خاصة في العقود الأخيرة من القرن 19 و بدايات القرن 20.

استعمار الأمريكيتين بدأ في نهاية القرن 15 و لم يكتمل حتى نهاية القرن 19, بعض المؤرخون يرون بأن الولايات المتحدة استخلفت الدول الأوروبية كقوة استعمارية في الأمريكيتين عن طريق استيلاءها على أراضي الهنود الأصليين و هيمنتها على اقتصادات و بعض الأحيان حتى على حكومات دول مثل هندوراس و هايتي و كوبا. هذا النوع من الاستعمار يسمى ” الاستعمار الغير رسمي” لأن الدولة الاستعمارية ليست لها السيطرة بصفة رسمية على الدولة المستعمرة.

في بعض الحالات وضعت المستعمرات تحت السلطة المباشرة لحكومة الدولة الاستعمارية و في حالات أخرى عملت شركات تجارية دور الوسيط. بعض المستعمرات كذلك نظمت في صورة “محميات” بينما بعض الدول الأخرى كانت اسميا مستقلة لكن تديرها حكومات كدمى تطبق سياسات قوة استعمارية غربية (مثل الاستعمار الغير رسمي). و في بعض الحالات تطورت طريقة حكم المستعمرة مع مرور الزمن: الهند البريطانية مثلا كانت تسيره في البداية “شركة الهند الشرقية” لكنها عادت لسلطة الحكومة البريطانية عام 1858.

في أسباب الاستعمار

بعض المؤرخين يؤكدون على أن الأسباب العميقة للاستعمار الأوربي تعود لعوامل اقتصادية و آخرون يحددونها في عوامل سياسية و البعض الآخر يتحدث عن مزيج بين هذه العوامل. فعلى الصعيد الاقتصادي، اتساع النظام العالمي و الثورة الصناعية خلقا طلب متزايد على المواد الأولية و الأسواق للسلع. المستعمرات كانت تستجيب لكلى الطلبين لأنه تزود المواد الأولية بتكلفة منخفضة و هي كذلك أسواق احتكارية بالنسبة للسلع الأوروبية.

سياسيا التوسع الاستعماري خلال القرن التاسع عشر غذته المنافسة الوطنية بين الدول في أوربا و توازن القوى و الكبرياء القومية. مؤتمر برلين من 1884 الى 1885 أعطى تبريرا سياسيا للاستعمار حيث نص على أن السيطرة على أرض يستند على احتلالها من طرف قوة استعمارية.. التطور التكنولوجي الذي ولدته الثورة الصناعية خاصة السفن البخارية و السكة الحديدية و التلغراف و الأسلحة الفتاكة جعلوا من الاستعمار أكثر سرعة و أقل تكلفة و سهلوا مجراه.

أخيرا يجب ملاحظة أن أفكار مفكرين مثل شارل داروين و كارل ماركس و لويس هنري مورغان و كذا هربرت سبنسر قد تم استعمالها بطريقة سيئة من طرف المعمرين بوصف الشعوب المستعمرة على أنها من الدرجة السفلى و هي تحتاج للحضارة الغربية و للتربية و الديمقراطية و المسيحية. هكذا أعطيت صيغة للاستعمار على انه مفيد للذين يعيشون تحت وطأته..

الاستعمار الاستغلالي

هو نظام اقتصادي تبحث من خلاله الدولة الاستعمارية استغلال الموارد الاقتصادية الموجودة في مستعمرتها مع فرضه على السكان الأصليين بأقل تكلفة ممكنة. المزارع و الأعمال المنجمية و المصانع تعتبر أهم أشكال الاستعمار الاستغلالي و الحكومة و مؤسسات أخرى وجدت سوى لدعم هذا المجهود الاقتصادي.

معظم المستعمرات الآسيوية و الإفريقية في القرن 19 كانت تسير على هذا النمط الاستغلالي. القوة الاستعمارية وضعت هيكل سياسي و اقتصادي و اجتماعي جديد في المستعمرة في خدمة الاستغلال الاقتصادي. السياسة تبنى لصالح الدولة الاستعمارية على حساب مصالح المستعمرة. هذه الأخير كانت تسير من طرف نخبة من الموظفين و رجال أعمال و مزارعين و تبشيريين غربيين و الذين كانوا يعيشون في معزل عن السكان الأصليين في مقاطعات حضرية بنيت على النمط الغربي. في نيجيريا البريطانية مثلا خلال سنوات 1920 كان هناك موظف بريطاني لكل 100 ألف ساكن.

القوى الاستعمارية حكمت غالبا بطريقة غير مباشرة معتمدة على حكام محليين يتمتعون ببعض المزايا و كانوا مكلفين بحفظ النظام و تجنيد اليد العاملة و قبض الضرائب..بالإضافة إلى ذلك كانت القوى الاستعمارية تستعمل عموما سياسة التفرقة بين أفراد المستعمرة حيث كانت تدفع لتناحر المجموعات العرقية فيما بينها ليحول ذلك دون وقوع أو ميلاد مقاومة منظمة و موحدة ضد المستعمر.

القوى الاستعمارية بحثت عن الأرض و الثروة المعدنية و اليد العاملة بأبخس الأثمان، كما حاولت استعمال المستعمرات كأسواق لبضائعها. هذا النشاط حفز التوسع الاقتصادي في المستعمرات لكن كل الثروة كانت تتجه نحو الدولة الأصل. الفرص الاقتصادية كانت منعدمة بالنسبة للسكان الأصليين المضطهدين. البعض كان بإمكانه الحصول على عمل كموظف من الدرجة السفلى أو خدم في بيوت المعمرين الأوروبيين لكن أغلبهم بقوا فلاحين أو أرغموا على العمل في المناجم و المصانع التحويلية.. الدور الهام للوسيط كانت عموما تلعبه “الأقليات الوسيطة” المزعومة و هم أفراد من مجموعات عرقية بعيدة عن الأرض، تشجع على الاستقرار في المستعمرة للعب هذا الدور، هنود آسيا مثلا لعبوا هذا الدور في المستعمرات البريطانية في إفريقيا و جزر الكاريبي.

المعمرون و المستعمرات

في العديد من المستعمرات بعض الأفراد من الوطن الأصل (الاستعماري) اختاروا العيش في المستعمرة و جعلها موطنهم. العديد من الجيل الأول للمعمرين رأوا في الأرض الجديدة موطنا لهم و زاد هذا الإحساس و تقوى لدى الأجيال المتتالية عندما سمح لهؤلاء بالتوسع في “أرضهم” الجديدة. في بعض المناطق، مثل الولايات المتحدة و نيوزيلاندا أصبح المعمرون يمثلون أهم المجموعات المهيمنة  فأرغموا السكان الأصليين على الترحال و النزوح للاستعلاء على أراضيهم. في مواقع أخرى كالمستعمرات البريطانية في إفريقيا كون المعمرون مقاطعات صغير و أنشئوا استثمارات فلاحية شاسعة و استطاعوا العيش في سلام نسبي مع السكان الأصليين.

يساند في البداية غالبا المعمرون الحركات التحررية لأنهم يعتبرون أنفسهم كذلك ضحايا الاستغلال الاقتصادي المفروض عليهم من طرف البلد الأصل. غير أنه بمجرد أن يتم الاستقلال يجدون أنفسهم في مواجهة الشعوب الأصلية و تتعارض مصالحهم خاصة في القضايا المتعلقة بالإصلاح الزراعي.

في مقاومة الاستعمار

قلما تقبلت الشعوب الأصلية الاستعمار دون مكافحته. الثورات و المجازر و تدمير المنشآت..الخ كانت رائجة في المراحل الأولى للاستعمار. اصطدمت الثورات  التي فشلت في معظمها بالقوى المسلحة و الشرطة التي كانت تتحمل المسؤولية الأولى في الحفاظ على الهيمنة الاستعمارية. بعد ذلك جاءت مقاومات أكثر جدية و أخذت أشكال مختلفة مثل “العصيان المدني” الذي قاده مهانداس غاندي و الذي ساهم في استقلال الهند و حركة “غوست دانس” (رقصة الأشباح) في أمريكا الشمالية و “ثورة الملاكمين” (بكسر) في الصين و “حروب الزولو” في افريقيا الجنوبية و انتفاضة “ماو ماو ” في كينيا و “حروب البنيين” (براون) في جمايكا. من جهة الكنائس المسيحية المحلية استعملت عادة كوسيلة في مقاومة الاضطهاد و انعدام المساواة و الطبقات المثقفة لدى الشعوب المحلية ساهمت عادة هي كذلك في الكفاح سواء عن طريق الشعر و الآداب و الصحافة.

كلفة الاستعمار

انه من البديهي أن الدول الغربية استفادت من الاستعمار بينما المستعمرات القديمة قاست و لا زالت تقاسي من ويلاته حتى بعد استقلالها. لكن بعض الباحثين يقدمون أطروحات مفادها أن حتى المستعمرات استفادت من تلك المرحلة..يقولون أنه بينما كانت القوى الاستعمارية تعتمد على العبودية في بعض المناطق مثل أمريكا فقوى أخرى وضعت حدا لها ف مناطق عديدة من العالم الاستعماري. تضيف نفس الأطروحات على أن من بين “المزايا” ان صح التعبير أن الاستعمار سيطر على بعض الحروب الجهوية و وضع هياكل و منشآت سياسية و اقتصادية سمحت ” بعصرنة و دمقرطت المستعمرات بعد استقلاله”..

بقت هذه الأقوال مثيرة للجدل حيث يؤكد البعض الآخر أن الهياكل الاقتصادية و السياسية و المنشآت الاستعمارية كانت موجهة لفائدة المعمرين و لم يكن لها أي تأثير ايجابي على السكان الأصليين بعد الاستقلال. و في المقابل قائمة كلفة الاستعمار طويلة.. في تشمل الموت بكثافة جراء الأمراض و النزوح و العبودية بالإضافة إلى كبح النمو الاقتصادي المحلي و ظهور التناحر و النزاعات العرقية و الآثار السيكولوجية التي أثقلت كاهل الشعوب المستعمرة مما نتج عنها تزايد في معدلات الانتحار و العنف زيادة عن تذبذب في القرابة و النسب و في العلاقات العائلية لدى السكان الأصليين و تدمير خصوصيات الصناعات الحرفية المحلية التي نابت عنها المنتوجات المستوردة..

إنهاء الاستعمار

مع نهاية القرن العشرين، تقريبا كل المستعمرات الأوروبية أصبحت دولا مستقلة. كانت الولايات المتحدة من بين الأوائل بإعلان استقلالها و ذلك ما حصل بعد انتصارها عام 1783 في حربها الثورية ضد التاج البريطاني. العديد من المستعمرات الاسبانية في القارة الأمريكية حذوا حذوها خلال القرن 19. بالنسبة للمستعمرات البريطانية و الفرنسية و الألمانية في إفريقيا و آسيا و المحيط الهادي إنهاء الاستعمار  حدث في أواسط و أواخر القرن العشرين، عموما جراء اضطرابات و انتفاضات و إعادة تنظيم السياسات بعد الحرب العالمية الأولى و الثانية.

انهاء الاستعمار يأخذ عادة شكلين: الشكل الأول يأخذ صورة ما حدث في الولايات المتحدة و كندا، يرغب المعمرون في الاستقلال السياسي و الاقتصادي و يبحثون عن وضع حد للهيمنة الاستعمارية. و بما أن الوطن الأصل لم يعد في السلطة يصبح المعمرون أحرار في تسيير وطنهم الجديد. هذا النوع من الاستقلال لم تكن له أي فائدة على سكان الأرض الأصليين الأوائل الذين بقوا مهمشين و مطرودين من أراضيهم التي استولىت عليها الشعوب ذات الأصل الأوروبي المتزايدة العدد. كان هذا هم الاتجاه العام في الأمريكيتين و أستراليا و نيوزيلاندا.. ثورة العبيد في هايتي التي انتهت بالاستقلال عام 1804 كانت الاستثناء البارز في هذا النمط من إنهاء الاستعمار.

الشكل الثاني لإنهاء الاستعمار كان الأكثر اتساعا و يستدعي فرض السكان الأصليين أنفسهم للاستيلاء على مقاليد الحكم في أرضهم. في معظم المناطق استدعى الأمر مسار طولا و صعبا تضمنه عنفا كبيرا و ثورات. مطالب الحكم الذاتي في البداية كانت ترفض من طرف المستعمر، و بعد بعض الإصلاحات التي تسمح بنوع من الاستقلالية و في الأخير ترحل الحكومة الاستعمارية و تقوم الشعوب الأصلية بوضع حكومات لها و تقوم بتسيير اقتصادها بنفسها.

لكن المرحلة التي تبعت إنهاء الاستعمار كانت في مجملها صعبة بالنسبة للعديد من الدول. النعرات العرقية القديمة تطفوا إلى السطح و حدثت نزاعات بين المعمرين و الشعوب الأصلية ، إضافة إلى عدم وجود طبقة متعلمة و ذات خبرة اللازمة بالكم الكافي لإدارة الحكومة و الاقتصاد، كما أن الدول المستقلة حديثا تكون في حاجة ماسة لرؤوس الأموال من شأنها أن تدعم الهياكل الضرورية و تطور الحماية الاجتماعية..بالنسبة للعديد من المستعمرات القديمة التي نالت استقلاله خلال سنوات 1960 عرفت اضطرابات سياسية و تعاقب الحكومات و أنظمة ديكتاتورية و فقر و نزح سكان و الأهالي و حتى حروب أهلية في بعض الأحيان.

نهاية المشهد

إنهاء الاستعمار كان له كذلك الأثر الكبير على العديد من القوى الاستعمارية القديمة، فقدان الموارد الأولية بأسعار منخفضة و أسواق جاهزة لبضاعتها نتجت عنها عدة مشاكل اقتصادية رغم أن العلاقات بين القوى الاستعمارية و مستعمراتها القديمة قلما تفككت بصفة نهائية.  بريطانيا و الأراضي المنخفضة و البرتغال أنشأت كل منها اتحادات للمستعمرات القديمة ساعدت في الحفاظ على علاقات سليمة. من جهة أخرى تحتم على الدول الاستعمارية امتصاص الملايين من المهاجرين الوافدين من مستعمراتها، البعض منهم كانوا ينتمون إلى مجموعات عرقية كانت تحظى ببعض الامتيازات فقدتها مع ميلاد السلطة المستقلة الجديدة، البعض الآخر يهاجر هروبا من الحروب الأهلية و الثورات و الفقر و العديد منهم يتنقل للدولة الاستعمارية القديمة بحثا فقط عن حياة أفضل.

بسبب تدفق المهاجرين من مستعمراتها القديمة أصبحت بريطانيا و فرنسا و الأراضي المنخفضة اليوم دولا متعددة الثقافات تعيش فيها أقليات هامة و تواجه جراء ذلك عدة مشاكل و قضايا متعلقة بالعنصرية و حقوق الأقليات و تنوع الأنماط الثقافية و حريات المعتقد و حريات التعبير…

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق