الاستكشافات البحرية: تشنغ خه و الأسطول الصيني

 

 

كانت هناك استكشافات مهمة للغاية في الرحلات البحرية و التي كانت نقطة انطلاق العولمة في بداية العصر الحديث من تاريخ العالم. تلقى المستكشفون الغربيون الكثير من الاهتمام على عكس بحارة الصين الذين كانوا نشيطين أيضا في هذا المجال. لنكتشف المسار..

كدولة برية الصين محاطة أيضا بأربعة بحار: بحر ” بوهاي” و البحر ” الأصفر” و بحر ” الصين الشرقي” و بحر ” الصين الجنوبي”  التي تربط البلد بالمحيطين الهادئ و الهندي.  تتمتع الأراضي الصينية الرئيسية بظروف مواتية للملاحة من حيث الأنظمة المناخية و التيارات البحرية و المحيطية و أنظمة المد و الجزر و النقل النهري الداخلي نحو الساحل. لقد شهدت الأنشطة البحرية الصينية تطورا طويلا على مر العصور. على الرغم من أن الباحثين ناقشوا متى و كيف بدأ الاستكشاف البحري الصيني و ما أنجزه البحارة هناك في قرون ما قبل العصر الحديث يمكن رؤية مدى الانجازات البحرية الصينية انطلاقا من الطرق البحرية التي يستخدمها بحارة هذا البلد الآسيوي.

هناك ثلاث أنواع من الطرق، طرق المسافات القصيرة على طول ساحل الصين و الطرق المتوسطة إلى شرق آسيا و جنوب شرقها و طرق المسافات الطويلة إلى غرب آسيا و شرق إفريقيا. بحلول فترة حكم سلالة ” هان الغربيون” (206 قبل الميلاد – 8 م ) سجل وصول السفن الصينية إلى ” سيمهالا” ( سريلانكا حاليا)، و خلال فترة ” هان الشرق” (25 – 220 م) تجاوزت السفن الصينية سريلانكا لتصل إلى وجهات في غرب آسيا. في عام 97 بعد الميلاد ذهب ” جان يينغ” المبعوث الصيني المعين إلى الإمبراطورية الروماني إلى حافة الخليج العربي و منذ عهد أسرة ” تانغ” (618 – 907 م) كان الصينيون و الهنود و العرب يستخدمون بعض هذه الطرق التي شكلوا من خلالها ما يعرف بطرق الحرير البحرية (مقارنة بطرق الحرير البرية).

نمو النشاط البحري الصيني

اتبعت في القرن العاشر معظم الطرق البحرية التي يستخدمها الصينيون الساحل و أحرزوا تقدما كبيرا خلال حكم سلالة ” سونغ” (960 – 1279) عندما شهدت الصين ثورتها الاقتصادية في العصور الوسطى. لأول مرة تمكنت سفنهم من عبور حوالي 2300 كيلومتر من المياه المفتوحة في المحيط الهندي من “ملقا” إلى سريلانكا و تجنب الالتفاف الساحلي إلى خليج البنغال، ثم أنهم أبحروا من سريلانكا إلى مدخل بحر العرب في شبه الجزيرة العربية عبر 4000 كيلومتر إضافية من المحيط، لقد كانت قفزة هائلة في التقدم البحري الصيني.

بفضل التحسينات التقنية التدريجية أبحر الصينيون بشكل أسرع و بدقة أكبر و نتيجة لذلك أصبحت الرحلات أقصر من حيث الوقت بشكل تدريجي. في زمن حكم سلالة ” هان الغربيين” كانت تستغرق الرحلة في نواحي سنغافورة حوالي 150 يوما لكن نفس الرحلة استغرقت 40 يوما فقط في عهد أسرة “سونغ” و خلال حكم سلالة ” سوي” (581 – 618) و ” تانغ ” كان يستغرق السفر من سريلانكا إلى الخليج العربي أكثر من شهر بينما في ظل سلالة ” مينغ” (1368 – 1644)  استغرق السفر حوالي 20 يوما لقطع مسافة مماثلة.

البوصلة و تقنيات بناء السفن

كان تحسين الملاحة و بناء السفن في قلب التقدم الصيني في الإبحار حيث أصبحت الملاحة الفلكية راسخة في نهاية القرن التاسع و تحسنت باستخدام البوصلة خلال القرن العاشر. في وقت لاحق أصبحت خرائط البوصلة المتطورة للطرق البحرية متاحة بين الملاحين الصينيين و احتوت هذه الخرائط على المعالم الرئيسية و ارتفاعات النجوم و مسافات السفر و قراءات البوصلة للطرق البحرية المختلفة و خير مثال على ذلك خريطة الملاحة لرحلات ” تشنغ خه” في القرن الخامس عشر.

في مجال بناء السفن و صلت التقنيات الصينية إلى مرحلة النضج في القرن الثاني عشر مع سفن تعرف باسم “فوتشو” ( أو فوتشوان) و التي تستخدم حصرا للرحلات البحرية و كانت سماتها الرئيسة هي عارضة ثقيلة و عربة منخفضة بنسبة طول الجسر مع الشعاع لتحقيق الاستقرار، لها قاع على شكل زاوية حادة و عدة أشرعة (ثلاثة إلى أثنى عشر) للسرعة و العديد من دفات المؤخرة للتوجيه و هيكل من الألواح المرتبة مع حشوات متعددة للحصول على هيكل أكثر صلابة. خلال نفس الفترة اخترع أيضا قارب ذو عمق طفيف متعدد الأغراض (شاشوان) و الذي يشار اليه عموما ب ” الجونك الصيني” و كانت سماته المميزة عبارة عن هيكل بدون عارضة و قاع على شكل نصف دائري.

بحلول منتصف القرن الخامس عشر كان الصينيون من بين البحارة الأكثر مهارة و تجهيزا في العالم حيث وصلوا عام 1440 في الإجمال إلى 153 موقعا جديدا في مناطق متفرقة جغرافيا مثل جنوب شرق آسيا و جنوب آسيا و بحر عمان و البحر الأحمر و ساحل شرق إفريقيا.

رحلات “تشنغ خه” و مجد سلالة “مينغ”

إن أفضل انجاز مسجل للاستكشافات الصينية يبقى دون شك تلك التي قام بها الأدميرال المسلم ” تشنغ خه” ( و اسمه الحقيقي “حجي محمود شمس الدين”) حيث بدون تشنغ خه و رحلاته السبع المعلنة إلى المحيط الهندي ربما كان من المحتمل أن تحجب الكثير من القدرات البحرية و الانجازات الصينية في التاريخ.

جند تشنغ خه و هو شاب لدخول الدائرة الضيقة لبلاط سلالة “مينغ” و عين في الثلاثينيات من عمره لقيادة رحلة بحرية طويلة في المحيط عام 1405 على الرغم من عدم اكتسابه لخبرة واضحة في الملاحة. يقول بعض المؤرخون أن الإبحار المستمر لتشنغ خه المستمر على مدى الثلاثة عقود التالية (حتى 1433) يبدو أنه خدم بلاط آل مينغ بهدف إبقائه خارج سياسة الدولة و هي طريقة جديرة لنفيه بعد تورطه في انقلاب. يقال كذلك أن رحلات تشنغ خه كلها أدت إلى خسائر اقتصادية لسلالة مينغ و أنها لم تؤدي إلى ازدهار أكبر في التجارة الخارجية الأمر الذي كان بإمكانه تعويض تكلفة الرحلات.

في الواقع كان الغرض الوحيد من تلك الرحلات الغير معلن هو حملة علاقات عامة لكسب أصدقاء للصين في الخارج. و بالفعل تصرف تشنغ خه و رجاله مثل “المحسنين” الكرماء حيث كانوا يوزعون الهدايا أينما ذهبوا و مع ذلك تبقى النجاعة الفعلية للحملة موضع شك كبير. لم يزد عدد البلدان التي تكرم المينغ لهم إلا بشكل طفيف للغاية أثناء و بعد رحلات تشنغ خه. يبقى الدليل الرئيسي على تعزيز ما سمي ب ” السلام الدولي” من خلال زيارات تشنغ من حقيقة وضع أربع محطات توقف منتظمة في ” شامبا” (جنوب فيتنام حاليا) و سومطرة و سريلانكا و ” غولي” (كالكوتا في الهند الحالية) دون تحويل هذه الأماكن إلى مستعمرات صينية.

ارث تشنغ خه

على الرغم من كونها مذهلة فان رحلات تشنغ خه متعددة المراحل لم تكن بأي حال من الأحوال غير مسبوقة في الدبلوماسية الصينية، قبل اثني عشر قرنا خلال فترة الممالك الثلاث (221 – 265) كان ” سون تشيوان” ملك ” وو” قد أرسل ” تشوينغ ” و ” كانغ تاي” إلى الخارج في مهمة دبلوماسية مدتها عشرين عاما حيث زاروا خلالها جنوب شرق آسيا و شبه القارة الآسيوية و منطقة بحر عمان. كما لم يكن تشنغ خه وحيدا في مغامراته حتى في عصر سلالة مينغ بل كان هناك ملاح آخر يدعى ” شي جنكينغ” الذي قام بزيارة آسيا كمفوض إمبراطوري و سافر على الأقل إلى سومطرة و جاوا و اليابان.

نظرا للأسباب غير الواضحة و التكلفة الباهظة و النتائج المشكوك فيها لرحلات تشنغ خه بذل المؤرخون الكونفوشيوسيون خلال حكم سلالة مينغ قصارى جهدهم لتجاهلها. نجا أرشيف تشنغ خه فقط بفضل أقرب مساعديه ” ماهيوان” و ” فايشن” في شكل حكايات سفر دونت تحت عنوان ” جولات إلى مواقع رائعة في الخارج” و ” رحلات على الطوافات السماوية” التي كتبت على التوالي في 1451 و 1460. و من ذلك الحين ظلت معظم النتائج التي توصل إليها تشنغ خه غير معروفة للغالبية الشعب الصيني.

يظهر حجم رحلات تشنغ مع ذلك المهارات و الانجازات التنظيمية للصين في مجال الملاحة البحرية حيث شاركت فيها ما لا يقل عن 208 سفينة و 28640 ملاح في رحلة واحدة مستخدمين طرق بحرية متعددة في وقت واحد مع بعثات أو مفارز لتوسيع التغطية الجغرافية. لقد قيل أن مفارز تشنغ ربما سافرت إلى أستراليا و جزء من أمريكا عبر المحيط الأطلسي. في النهاية تبين أن رحلات تشنغ خه لا يمكن تحملها و انتهت دراسة الحسابات بين التكلفة و العائد بين صناع السياسة الكونفوشيوسية ليتم ايقاف مثل هذه الرحلات الغير ضرورية.

في تطور المسار التاريخي جعل هذا من تشنغ خه أسطورة و رحلاته ذروة التاريخ البحري الصيني، فلقد حقق تشنغ رقما قياسيا عالميا لم يتجاوزه إلا الأوروبيون بمؤسسات و برامج سياسية و اقتصادية مختلفة و ضخمة كما اتضح ذلك من خلال رحلات كريستوف كولومبس و فاسكو دا غاما.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق