التطور البشري: في حكاية الإنسان المنتصب

مع زيادة الابتكارات الثقافية لدى الإنسان البدائي زاد التغير البيولوجي و تسارعت وتيرة التطور البشري بدءا بالإنسان المنتصب ( هومو إريكتوس)، و هو نوع تطور حسب النظرية العلمية على ما يبدو في إفريقيا منذ مليوني سنة. كان الإنسان المنتصب أكثر تشابها مع البشر في السمات الجسدية و السلوكية من أسلافهم.

 

لكن ما جعل الإنسان المنتصب علامة بارزة في التطور البيولوجي للأنواع الأخرى حسب المختصين هو حجم جمجمته الهامة. لم يكن الدماغ أكبر فحسب بل كان كذلك أقل تناسق بشكل ملحوظ حيث تمدد كل جزء منه بمعدل مختلف و صمم لأداء وظائف محددة.

يقول الخبراء أن التحكم الأفضل في اليدين و الإبداع الغير مسبوق في علاقة الدماغ بالجسم سمح للانسان المنتصب أن يصبح صانع أدوات أكثر تعقيدا و يخلق ما يسميه علماء الحفريات القديمة “التقاليد الأشولية”. منذ حوالي مليون و نصف مليون سنة تعلم تدريجيا تصميم قطعة حجرية مصقولة تعرف باسم “فأس اليد” حيث اكتشف الإنسان المنتصب كيفية إزالة الزوائد من جانبين أو وجهين من قلب حجري مشكل مما أنتج حافتين مستقيمتين متقابلتين تتقاربان في نقطة واحدة في رأس الحجر.

قام الإنسان المنتصب بابتكار تكنولوجي مهم آخر عندما أدخل الساطور و تحول إلى استعمال الصخور البركانية و الصوان (الحجر). قبل مليون سنة على الأكثر كان لديه مجموعة أدوات موحدة تحتوي على الأقل على ثمانية عشر نوعا من الأدوات عالية الفعالية و كل منها يتناسب مع مهمته.

و جاءت النار

اتخذ الإنسان المنتصب منذ ما يقرب مليون و نصف مليون سنة خطوة حاسمة نحو التمسك في استخدام النار، و هو تقدم ثقافي كبير بعد تصنيع الأدوات الحجرية. أعطى تدجين النار و الذي يمتلك علماء الآثار أدلة عنه تعود إلى ما لا يقل عن 400 ألف سنة قوة هائلة للبشر جعلت منهم قوة حقيقية من قوى الطبيعة. كان الإنسان المنتصب لا يزال غير قادر على إشعال النار بنفسه و مع ذلك تعلم جمع الحطام المشتعل من الانفجاريات البركانية و البرق و الحفاظ عليها محترقة في مأواه الصغير. قدمت النار (الحرائق) الحرارة و دفء و كذلك الحماية من الحيوانات المفترسة. ربما استعمل الإنسان المنتصب النار بشكل متقطع للطهي قبل 700 ألف سنة و كلما تعددت الفرص يفترض أنه أصبح يوجه الطرائد في الاتجاه المطلوب فاتح بذلك مناطق للصيد بواسطة النار. و قام بتصليب الخشب و أحيانا العظام في حرارة مأواه و أمدته النار الضوء مما سمح له بإطالة زمن يومه.

من ناحية أخرى تعلم الإنسان المنتصب تحويل جلود الحيوانات إلى ملبس و قبل 400 ألف سنة على الأقل بدأ في بناء أكواخ بيضاوية الشكل. يقول الخبراء بأن هذه الانجازات مجتمعة تسلط الضوء عل مدى اعتماد الإنسان المنتصب على التكيف الثقافي بدلا من التكيف البيولوجي مقارنة مع أسلافه.

حتى حوالي مليون سنة مضت، تطور جميع الكائنات الحية حدث إلى حد كبير استجابة للتحديات الناشئة عن البيئة الطبيعية، بعد ذلك استطاع الإنسان المنتصب بمفرده بداية الفهم الجماعي المشترك و معايير السلوك التي تعلمها بعناية لينقلها إلى الجيل التالي لتحل محل السلوك التي تمليها الوراثة الجينية فقط مما أصبح يحدد بشكل متزايد سياق وجوده اليومي.

بداية الانتشار

نظرا لحجم و تعقيد المخ ربما أصبح المنتصبون أكثر مهارة في مشاركة أفكارهم من خلال الكلام. لقد مكنتهم إمكانياتهم اللغوية الخاصة بالبشرية من أن يصبحوا صيادين ناشطين و ربما حتى محترفين. إن التواجد معا في مجموعات لتحسين فرص نجاحهم في حملات الصيد و البحث عن الطرائد قد عزز و ضاعف نماذج الاعتماد على بعضهم البعض مما جعل هياكلهم الاجتماعية أكثر تعقيدا و تماسكا و يمكن التعرف عليها من أي شبكة من العلاقات التي يمكن أن تسود بين البشر. ربما استغرق الأمر مليون سنة لتكوين الخصائص الدائمة للتكيف مع البحث عن الطعام و الصيد و هو أسلوب حياة مرن و مستقر للغاية.

كان الإنسان المنتصب أول بشر ينتشر بعيدا عن القارة الإفريقية. ربما بدأت الموجات المتتالية من الهجرة الكبرى خارج القارة قبل مليون و نصف مليون سنة لكن أول توسع موثق جيدا في المناطق الخالية من الصقيع في أوراسيا (مجمل قارتي أوروبا و آسيا) حدث حوالي 500 ألف سنة من قبل.

عبر المنتصبون الشرق الأدنى و امتدوا جنوب آسيا حيث وجدوا مناطق غابية و سافانا مماثلة لتلك التي غادروها، كما انتقلوا في نفس الوقت غربا إلى أجزاء من أوربا دون أن يثبتوا كثيراهناك. و نظرا لضغوط التكاثر العددي المتزايد تشتت مجموعات صغيرة لتنفصل عن التجمعات الأصلية و في عمليات انتشار مستمر استطاعوا الوصول إلى جنوب الصين عبر الهند و جنوب شرق آسيا.

تسارعت وتيرة التغيير التطوري مرة أخرى منذ 400 ألف سنة، و في ما كان من المفترض أن تكون ردود فعل داعمة بشكل متبادل أظهر الإنسان المنتصب في إفريقيا و أوروبا فجأة علامات على تطور ملحوظ في الجمجمة في الوقت الذي أتقن فيه الإشعال الإرادي للحرائق و طور استراتيجيات حقيقية في الصيد. بعد 200 ألف سنة اختفى الإنسان المنتصب تقريبا بعد أن استسلم للمنافسة من أحدث أنواع البشر – الإنسان العاقل أو ” الحكيم”- .. استطاع بعض المنتصبين المعزولين في جزيرة جاوة (اندونيسيا) النجاة لوقت معين حتى دخل الإنسان العاقل المنطقة بين خمسين و ستين ألف سنة مضت..لتبدأ حكاية أخرى..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق