الجزائر المستقلة…بين الأحلام و الواقع

رغم فشل مفاوضات “مولان” في جوان 1960 مع ممثلي الحكومة الجزائرية المؤقتة استطاع بعده الرئيس الفرنسي آنذاك شارل ديغول الحصول على الموافقة للتوصل لحل سلمي من خلال الاستفتاء المنظم في فرنسا يوم 8 جانفي 1962. و لتوقيف مسار الأحداث التي ستؤدي إلى الاستقلال تقوم مجموعة من قدماء العسكريين الفرنسيين و هم “شال” و “صالان” و “جوهو” و “زيلر” بمحاولة انقلابية في الجزائر بين 21 الى 26 أفريل 1961، و بعد فشلهم انتقلوا إلى العمل السري المسلح تحت لواء “منظمة الجيش السري” التي جمعت العديد من النشطاء الأوروبيين.  

 

انتهت عندها الثورة على أرض الجزائر بتصادم بين إرهاب أوروبي و شعب أعزل، بين مستوطنين و جنود فرنسيين ضائعين و الشرطة التي أرسلتها باريس على عجل. في هذا السياق العنيف قامت الحكومة الفرنسية بالامضاء على معاهدة “إفيان” مع الحكومة الجزائرية المؤقتة يوم 18 مارس 1962 و التي قررت وقف إطلاق النار يوم 19 مارس من نفس السنة معترفة بسيادة الدولة الجزائرية على كل التراب الوطني و الصحراء. لتتم المصادقة على هذه المعاهدة من خلال استفتاء نظم يوم 8 أفريل 1962 في فرنسا.

بعد فترة انتقالية قصيرة كانت فيها السلطة بين أيدي مجلس انتقالي مكون من جزائريين و فرنسيين يقول الشعب الجزائري كلمته بالأغلبية الساحقة من أجل الاستقلال في استفتاء نظم يوم 1 جويليا 1962 و تعترف فرنسا باستقلال الجزائر.

بمجرد الإمضاء على معاهدة إفيان التي أعطت ضمانات حول الأشخاص و ممتلكات الفرنسيين في الجزائر شهدت البلاد نزوح هائل للأقدام السوداء (المعمرين) نحو الأراضي الفرنسية. الأعيان الجزائريين و جنود “الحركة” الذين عملوا لصالح المستعمر تتم معاقبتهم في بعض المناطق و بشتى الطرق وصلت في بعض الأحيان حتى للتصفيات الجسدية.

يستقر في العاصمة رئيس الحكومة الجزائرية بن يوسف بن خدة يوم 3 جويليا لكن نائب الرئيس أحمد بن بلة الذي أطلق سراحه في شهر مارس 1962 يرفض إتباعه معتمدا على جيش التحرير و قائده العقيد هواري بومدين. بن بلة يخلف ضمنيا بن خدة و الحكومة المؤقتة منذ 3 أوت 1962 و يقوم مكتبه السياسي بوضع القوائم الانتخابية للمجلس التأسيسي. يقوم هذا الأخير يوم 26 سبتمبر بتعيين بن بلة كوزير أول و العقيد بومدين كوزير للدفاع ثم نائب رئيس المجلس في ماي 1963 و بدى أن بن بلة سيعطى للجزائر الجديدة مسارا اشتراكيا.

في شهر مارس 1963 تتم مصادرة و تأميم الأراضي الفلاحية التي تركها المعمرون لتقسم عل قدماء المجاهدين في إطار برنامج التسيير الذاتي لكن ظهرت نتائجه مخيبة للآمال. الدستور الذي تم الاستفتاء حوله يوم 8 سبتمبر 1963 جسد إلى حد كبير الطابع السلطوي لنظام الحكم و نصب جبهة التحرير الوطني الحزب الواحد للبلاد ليتم بعدها تعيين بن بلة رئيسا للجمهورية.

تطور الأحداث هذا ولد حتى في داخل جبهة التحرير معارضة تجسدت في شخصيات مثل فرحات عباس و محمد خيثر و حسين أيت أحمد. بعد سلسلة من الأزمات يطيح هواري بومدين ببن بلة عقب انقلاب 19 جوان 1965 و يسجن دون محاكمة و لن يسترجع حريته الا بعد وفاة بومدين.

السلطة بين أيدي هواري بومدين

كرئيس لمجلس الثورة و رئيس الحكومة ووزير الدفاع واصل بومدين مهامه بأكثر مرونة من سابقه، سياسة هدفها الأساسي هو ضمان للجزائر استقلالا تام من الناحية السياسية و الاقتصادية. القاعدة البحرية “مرسى الكبير” التي كان من المفترض أن لا تغادرها القوات الفرنسية حسب معاهدة إفيان حتى عام 1977 يتم إخلاءها في بداية عام 1968. في المجال الاقتصادي تأميم الشركات الأجنبية في ماي 1966 ليتوسع بعدها للعديد من الشركات الصناعية الخاصة أغلبها فرنسية عام 1968. و الصناعات البترولية التي هي الآن أساس الاقتصاد الوطني دخلت تدريجيا تحت سلطة و أملاك الدولة. أنشئت في بداية 1964 شركة سوناتراك و أصبحت تسيطر بعد تأميمات 1968 على كل قطاع التوزيع و تجارة المنتجات البترولية و الأسمدة و المواد الكيماوية.

تقرر حكومة هواري بومدين في شهر فيفري 1971 تأميم أنابيب النفط و الغاز الطبيعي و 51 بالمائة من أصول الشركات البترولية الفرنسية. كردة فعل لهذا القرار تقوم الحكومة الفرنسية بإلغاء نظام العلاقات ذات الامتيازات مع الجزائر و التي كان منصوص عليها في معاهدة إفيان لكن ذلك لم يمنع مؤسسات مثل “الشركة الفرنسية للبترول” و شركة “آلف- إيراب” من إبرام عقود مباشرة مع الشركة الوطنية سوناتراك. مساعدات فرنسا للاستثمارات في الجزائر و التي كانت تصل إلى 833 مليون فرنك في 1963 تناقصت بعدها بشكل ملحوظ ابتداء من سنوات 1965-1966. في نفس السياق تقرر الحكومة الفرنسي عام 1968 إلغاء مشترياتها الهائلة من الخمور الجزائرية ليجسد القرار فعليا عام 1970.

ارتفاع أسعار البترول ابتداء من 1873 (بسبب الأزمة البترولية العالمية) كان له الأثر الايجابي على خزينة الدولة الجزائرية و حتى الأفق التي فتحها استغلال الغاز الطبيعي شجع هذا المسار. في مجال التجارة الخارجية تابعت الجزائر سياسة التنويع في التبادلات كي لا تبقى حكرا على القوة الاستعمارية القديمة. في عام 1972 كانت 30 بالمائة من واردات البلد و 23 بالمائة من صادراتها لازالت في اتجاه فرنسا، تليها مباشرة ألمانيا الفدرالية ثم الولايات المتحدة و ايطاليا. طرح المسئولون الجزائريون المخطط الرباعي الأول (1970 – 1973) و هو برنامج تصنيع طموح. من مركب الحديد و الصلب بعنابة شرق البلاد الذي دشن منذ 1969 إلى مصنع الأمونياك و الأسمدة الآزوتية في أرزيو (1970) غرب البلاد ليضاف إليهم مجمع مصفاة و تكرير و تمييع الغاز في سكيكدة شرقا.

جزائر بومدين قامت كذلك بجهود كبيرة  في مجال التعليم. في البداية تعاون الأساتذة الفرنسيين لعب دورا محوريا لكن الحكومة قررت بعده تعميم اللغة العربية التي كانت تعتبر من الأهداف البارزة للبرنامج التربوي خاصة في الأطوار الابتدائية.

الميدان الفلاحي لم يتبع وتيرة التطور الصناعي، و كانت هناك ما عرف ب “الثورة الزراعية” التي أعلن انطلاقتها بومدين عام 1971. رغم ذلك بقت الجزائر رهينة استيراد الكميات الهائلة من المواد الغذائية.

معززا بسلطة شبه مطلقة و مستندا على الحزب الواحد جبهة التحرير يقوم بومدين بتمرير عبر استفتاء 27 جوان 1976 ميثاق وطني يحدد و يرسم الجزائر كدولة ذات نظام ” ديمقراطي اجتماعي” و يعزز دور الحزب و يضمن للإسلام مركزه كدين الدولة. الدستور الموافق عليه في استفتاء 19 نوفمبر 1976 رسم من جهته النظام الرئاسي في الحكم.

سنوات الشاذلي بن جديد

بعد وفاة الرئيس هواري بومدين في ديسمبر 1978 يقوم مجلس الثورة المكون من العسكريين بتعيين العقيد شاذلي بن جديد كمرشح الوحيد لحزب جبهة التحرير لرئاسة الجمهورية. هذه العهدة بدأت بانتخابات فيفري 1979 و جددت لخمسة سنوات أخرى في 1884 و بدأت برفع الإقامة الجبرية على بن بلة و تتبع بانفتاح محتشم للنظام الذي كان يبحث عن تصنيع و نجاعة أكثر للاقتصاد الوطني الذي كان يعاني من ركود في تسويق الثروة الأساسية للبلاد، الغاز الطبيعي، و اخطبوط البيروقراطية. لكن جمود الاشتراكية الجزائرية كان كبيرا و حتى المنتوج الفلاحي كان عاجزا على تلبية حاجيات تعداد سكاني في تزايد مستمر (أكثر من 23 مليون نسمة في 1989 مقابل 13مليون في 1970) و فئة الشباب غادرت القرى و نزحت نحو المدن.

في هذه المرحلة عرفت السياسة الخارجية بالخصوص إعادة العلاقة مع الجارة المغرب عام 1988 و التي كانت قد قطعت منذ 1976 بسبب قضية الصحراء الغربية. اضطرابات أكتوبر 1988 و التي قمعت بعنف أجبرت الشاذلي بن جديد على تقديم دستور جديد لاستفتاء شعبي في فيفري 1989 بعدما  أعيد انتخابه (مرشح وحيد) لرئاسة الجمهوري. استطاع حينها الشاذلي من تطويق الدور المؤسساتي لحزب جبهة التحرير و تهميش و عزل أبرز قادة المرحلة السابقة و نزع بعض المهام السياسية من المؤسسة العسكرية.

الدستور الجديد المصادق عليه في فيفري 1989 وجه نظريا البلاد نحو نظام أكثر ديمقراطية لكن تعدد الأحزاب لم يأتي بالتغيير المنتظر. عودة المعارض أيت أحمد من منفاه في نهاية 1989 أعطى بعض المؤشرات حينها على تطور و توجه الساحة نحو ما تطالب به الطبقة السياسية من تفتح نحو ديمقراطية حقيقية، لكن القوة السياسية الصاعدة آنذاك و المتمثلة في التيار الإسلامي أخلطت الأوراق…ذلك فصل آخر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق