الحركة الوطنية الجزائرية و الاستعمار : من السياسة إلى لغة السلاح

سياسة الاندماج التي طبقتها القوة الاستعمارية الفرنسية لم تعطي أبدا حقوق المواطنة للجزائريين الذين عاشوا خلال ما يقرب القرن و نصف القرن تحت طائلة سياسة إخضاع نص عليها “قانون الأهالي” (أنديجينا) لعام 1881.

حرم الجزائريين من حق الانتخاب و الأهلية في الحقوق و حتى المساواة في الجباية حتى 1919 لكن بالموازاة مع ذلك كانت تفرض عليهم الخدمة العسكرية ابتداء من عام 1912. بعد مشاركة الشباب الجزائري كمجندين في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الحلفاء كوفئ من طرف الحكومة الفرنسية عام 1919 ببعض التنازلات كإلغاء “الجباية العربية” و منح حق الانتخاب لشريحة من الجزائريين من قدماء المحاربين و ملاك الأراضي و الموظفين و التجار.. لكن هذه القرارات لم تمس سوى بعض الآلاف من السكان الأصليين بسبب المعارضة التي كان يبديها المعمرون و التي كانت تعطل أي إصلاح.

خلال سنوات 1930، بدأ يتشكل تطورا الذي سينتهي بعد عقدين بالصدمة العنيفة بين المجتمعين (المعمرين و الجزائريين): بينما عدد السكان الأوروبيين كان يزداد ببطء (833 ألف في 1926 انتقل إلى 984 ألف في 1954) بينما عدد السكان الجزائريين عرف ارتفاعا ملحوظا حيث انتقل من حوالي مليون و 500 ألف في 1830 إلى حوالي 8 ملايين و 500 ألف عام 1954.

كان هناك انعدام توازن صريح بين احتياجات الجزائريين و مواردهم حيث كان القطاع الاقتصادي العصري كله بين أيدي الشركات الأوروبية بينما كتلة البطالين و الباحثين عن العمل بين صفوف الشعب الجزائري في تزايد مستمر، الإحصائيات تتحدث عن مليون بطال في عام 1954 في الأرياف فقط.

التفاوت في مستوى المعيشة و تمركز المعمرين في المدن زاد من التفرقة الفعلية بين الأوروبيين و الجزائريين بالإضافة إلى كون المستعمر قد دمر الأطر الاجتماعية الإسلامية القديمة للمجتمع الجزائري، و رغم محاولات الجمهورية الثالثة فنسبة التمدرس بقت ضعيفة حيث كان سوى 6 بالمائة من الأطفال الجزائريين يزاولون دراستهم في عام 1929.

يقول المؤرخون أن هذا الوضع كان من بين الأسباب التي أخرت ميلاد الحركة الوطنية في الجزائر مقارنة بجيرانها تونس و المغرب أين كانت هناك طبقة نخبوية مسلمة صلبة. في هذه الظروف و من بين العمال المهاجرين المؤقتين في الأراضي الفرنسية ينشأ مصالي الحاج عام 1927 أول حركة مناهضة للاستعمار: ” حركة نجم شمال إفريقيا”.

من 1930 إلى ثورة التحرير

ظهرت ثلاثة اتجاهات في الحركة الوطنية خلال سنوات 1930، يتمثل الاتجاه الأول في التيار التقليدي بزعامة الشيخ عبد الحميد بن باديس و جمعية العلماء المسلمين التي تأسست عام 1931 و التي تنادي بدولة جزائرية مسلمة، أما التيار الثاني فمثله ” حزب الشعب الجزائري” الذي يقوده مصالي الحاج و الذي ينادي بالاستقلال و الثورة الاجتماعية و التيار الثالث كان يشمل بعض شخصيات النخبة المحلية من أبرزهم بن جلول و فرحات عباس و الذي ينشط من أجل اندماج حقيقي و الحق في المواطنة الفرنسية.

الرفض الاستعماري و انهزام فرنسا عام 1940 أمام الجيوش الهتلرية قضت على كل نشاط في اتجاه الاندماج كما أن الإنزال الأمريكي في الجزائر عام 1942 و التنافس بين الزعماء الفرنسيين في السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية شجع قادة الحركة الوطنية على المرور إلى مرحلة جديدة. منح شارل ديغول المواطنة الفرنسية لعدد معتبر من الجزائريين ( خطاب قسنطينة 12 ديسمبر 1943) جاء متأخرا و في شهر فيفري 1943 كان فرحات عباس قد نشر “بيان الشعب الجزائري” و الذي من خلاله تخلى على فكرة الاندماج و اعتبرها ” مناورة خطيرة لصالح الاستعمار).

تأتي بعده مظاهرات ماي 1945 في سطيف و قالمة و خراطة و بعد مقتل عشرات الأوروبيين تقوم حكومة ديغول المؤقتة بحملة من القمع الرهيب كانت نتيجتها استشهاد ما بين 20 الى 30 ألف مواطن جزائري.

سنة 1946 شهدت ميلاد “الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري” بقيادة فرحات عباس و “حركة انتصار الحريات الديمقراطية” بزعامة مصالي الحاج. تعاون بعض أعضاء هذه الحركة الأخيرة مع الإدارة الفرنسية خلق شرخا في صفوفها لتتكون في ربيع 1954 “اللجنة الثورية للوحدة و العمل” و التي قررت في اجتماع سري لها في العاصمة يوم 10 أكتوبر 1954 اندلاع ثورة التحرير..

ثورة التحرير

اندلعت ثورة التحرير الجزائرية في ليلة 30 أكتوبر إلى الفاتح من نوفمبر 1954 و أهم شراراتها كانت في منطقة الأوراس. ليعلن عقبها عنها رسميا ميلاد ” جبهة التحرير الوطني” و التي رفض مصالي الحاج الانضمام إليها. جبهة التحرير أعلنت في بيانها الأول عن كفاحها “من أجل استقلال الوطن و إرساء الدولة الجزائرية”.

كانت في البداية العمليات المسلحة عبارة عن حرب غير تقليدية بما يشبه حرب العصابات في القرى و المدن و التي كانت تهدف إلى دفع المستعمر إلى آخر معاقله.. لتبدأ بعدها عمليات القمع من طرف الجيش الفرنسي الذي أوكلت له مهمة إخماد الثورة فبدأ بمحاصرة البلاد مطالبا من الحكومة الفرنسية المزيد من الفرق. ابتداء من عام 1955 تحتم على الإدارة الاستعمارية الاستنجاد بجنود الاحتياط ليصل المجندين الفرنسيين على الأراضي الجزائرية إلى 400 ألف عسكري.

عرفت سنة 1956 قرصنة السلطات الاستعمارية للطائرة المغربية التي كانت تقل القادة الثوريين الجزائريين : محمد خيضر، حسين أيت أحمد، أحمد بن بلة، محمد بوضياف بالإضافة إلى المناضل مصطفى الأشرف (حدث ذلك يوم 22أكتوبر) كما عرفت التحاق قادة “الحزب الشيوعي الجزائري” الذي كان ينشط في السرية بالجبهة التحرير. مؤتمر الصومام، يوم 20 أوت 1956 أعطى لجيش التحرير الوطني قيادة أركان موحدة تحت إشراف كريم بلقاسم.

رغم إدانتها من طرف الأمم المتحدة منذ 1955 واصلت القوات الاستعمارية قمعها الممنهج للحركة الثورية و الشعب الجزائري برمته حتى ما يعرف بأزمة 13 ماي 1958 و التي انتهت بانهيار الجمهورية الرابعة في فرنسا. في شهر سبتمبر من نفس السنة و من القاهرة تعلن جبهة التحرير الوطني عن ميلاد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية و التي أرغمت في آخر الأمر الجنرال ديغول، أول رئيس للجمهورية الخامسة الفرنسية على التفاوض رغم المعارضة الشديدة من طرف المعمرين المدعومين من اليمين المتطرف في فرنسا..لكن قطار الاستقلال كان قد انطلق..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق