الحروب الأفغانية: لعبة الإمبراطوريات الاستعمارية

 

اندلعت الحروب الأفغانية، الأولى و الثانية، بسبب التنافس المتزايد للسيطرة على آسيا الوسطى خلال القرن التاسع عشر بين الإمبراطوريتين الروسية و البريطانية. لان أفغانستان كانت أكبر دولة مستقرة و منظمة في المنطقة في تلك الفترة، فقد أصبحت التركيز الأساسي لكلا الإمبراطوريتين فيما أطلق عليه حينها و خاصة من الجانب البريطاني ب ” اللعبة الكبرى”..

بينما كان الدوق البريطاني ” ويلنغتون” يقاتل الفرنسيين في اسبانيا عام 1810 يغادر النقيب ” تشارلز كريستي ” و الملازم ” هنري بوتنغر” من فرقة المشاة المحلية الخامسة في “بومباي” قرية ” نوشكي” في “بلوشستان ” للعب دورهما في تلك اللعبة. وصل كريستي يوم 18 أفريل إلى “هرات” بينما تابع بوتنغر مهمته في بلاد فارس. التقى العميلان يوم 30 جوان في “أصفهان” (فارس) و تم انجاز المهمتين.

على مدى السنوات الخمس و العشرين التالية كان عملاء بريطانيون آخرون يتبعون كريستي و بوتنغر في رحلات كبيرة في آسيا الوسطى. في المنطق البريطاني كان تنظر إلى أفغانستان على أنها الدولة العازلة الأساسية ضد تقدم الروس في المنطقة و حتى و إن لم يرغب البريطانيون ضم أفغانستان إلى إمبراطوريتهم إلا أنهم كانوا يأملون أن يقدم حاكم أفغانستان، الأمير، دعمه و ولاءه لهم عوض انحيازه لروسيا.

الحرب الأولى

نشأت المخاوف البريطانية في ديسمبر 1837 عندما وصل زعيم قوقازي برسالة من القيصر ” نيكولاس الأول” من آل “رومانوف” الى الأمير الأفغاني ” دوست محمد خان ” و في نفس الوقت يصل إلى كابول ضابط بريطاني يدعى ” ألكسندر بيرنز” من جيش بومباي. في ذلك الوقت كانت بلاد فارس الجارة متحالفة مع روسيا. “جورج ايدن ” و اللورد “أوكلاند ” و كبير سكرتيره ” هنري ماك ناغتن” اشتبهوا في أن دوست محمد يقف إلى جانب الروس. في النهاية بدا لا شيء يناسب أوكلاند و ماك ناغتن سوى تغيير النظام في كابول. في شهر فيفري 1839 بدأ “جيش السند” البريطاني، بقيادة السير ” جون كين” من بومباي مسيرته نحو العاصمة الأفغانية. في البداية بدت توقعات أوكلاند صحيحة أن حكومة دوست محمد لا تستطيع البقاء حيث في جويليا 1839 سقطت قلعة ” غزنة” جراء هجوم بريطاني هائج فتلاشت قوات دوست محمد حيث في غضون ذلك كان على الأفغان أن يتعاملوا مع حملة مشتركة للسيخ و البريطانيين أتوا من بيشاور. في أوت 1839 يتم تتويج ” شجاع شاه ” كأمير على كابول و يرفع دوست محمد دعوى من أجل السلم.

يحدث بعدها أن ماك ناغتن افتقر للحنكة في التعامل مع أفراد القبائل الأفغانية و في عام 1841 يقوم بقطع المنح التي أكسبت ولاءهم ل” شجاع خان ” ضف إلى ذلك قيام الضباط الشباب بممارسات و اهانة خطيرة اتجاه النساء الأفغانيات لتتدهور العلاقات أكثر، كما كان القائد البريطاني ” وليام إلفينستون” منعدم القدرة و الشجاعة للتعامل مع الأزمة المتفاقمة. و مع حلول شهر نوفمبر لم يبقى لإلفينستون و ماك ناغتن سوى التفكير في التقاعد.. يوم 11 ديسمبر يلتقي ماك ناغتن بنجل دوست محمد ” أكبر خان ” لترتيب و برمجة الانسحاب البريطاني. في اجتماع ثاني يوم 23 ديسمبر يقتل ماك ناغتن و رغم ذلك واصل إلفينستون ترتيبات و تخطيط الانسحاب من كابول و الذي بدأ فعليا يوم 6 جانفي 1842. تتعرض القوات البريطانية و الهندية لمضايقات و هجمات أحيانا من قبل الأفغان في كل خطوة خلال تراجعهم و في 13 جانفي يصل آخر أوربي ناجيا إلى المركز البريطاني في ” جلال أباد”، حتى ” شجاع شاه” تم قتله.

الانتقام

في شهر فيفري من نفس السنة يتم استبدال “أوكلاند” التعيس باللورد ” ايدوارد لو ” كحاكم عام للمنطقة و يشرع في التخطيط للانتقام من الأفغان. عادت قوة عقابية بعدها بقيادة اللواء ” جورج بولوك ” من جيش البنغال إلى أفغانستان و على الرغم من المقاومة الشرسة من قوات ” أكبر خان” إلا أن بولوك استطاع الدخول إلى كابول في سبتمبر 1842 و بعد أن فرض وجهة نظره تقوم القوات البريطانية بإخلاء كابول مرة أخرى في ديسمبر 1842 و يصل جيش بولوك إلى المناطق البريطانية في أمان و يسمح حينها لدوست محمد باستعادة العرش. لكن في المنطق البريطاني الهدف العام للحرب قد تحقق حيث بقيت أفغانستان في المعسكر البريطاني و تم إحباط الخطط الروسية.
على مدى السنوات الأربعين التالية واصلت الإمبراطوريتين البريطانية و الروسية تقدمهما الحتمي اتجاه بعضهما البعض عبر آسيا الوسطى. خلال حروب ” السيخ ” هزم البريطانيون مملكة السيخ المستقلة في بنجاب و ضموها بالقوة إلى إمبراطوريتهم الهندية المتنامية. و على الرغم من توتر الحكم البريطاني خلال الانتفاضة الهندية عامي 1857 – 1858 كان الاهتمام لا يزال مركزا على الطموحات الروسية في شمال و غرب المنطقة. مع تولي الحكومة البريطانية السلطة في أعقاب التمرد الهندي تحول مركز القرار الحقيقي و بشكل حاسم من الحكام العامين البريطانيين في الهند إلى لندن.

عودة اللعبة

“اللعبة ” لم تتوقف.. في عام 1877 خاض الروس حربا ضد تركيا و على الرغم من أن مؤتمر برلين أقر ووعد بالسلم بين القوى الاستعمارية إلا أن المسرح كان مهيأ لمواجهة جديدة على الأراضي الأفغانية. أولئك الذين أيدوا السياسة الهجومية المعادية لروسيا، بما في ذلك ” روبرت بولوير ليوتن “، نائب الملك، طالبوا باتخاذ إجراءات ضد أفغانستان. في يوم 3 نوفمبر 1878 يصل الدبلوماسي البريطاني ” نيفيل تشامبرلين” إلى الممر الجبلي ” خيبر” ليطلب مرور وفده لدخول كابول فتقوم قوات الحدود الأفغانية برده، و في يوم 21 نوفمبر يعبر البريطانيون الحدود الأفغانية، بعد 39 عاما من الغزو الأول.
كما حدث من قبل، لم يتمكن الأفغان من مقاومة التقدم البريطاني و في كابول يقوم ” شير علي خان ” بالتنازل عن عرشه لابنه ” يعقوب خان”. بعد فصل شتاء دامت فيه حرب عصابات يدرك يعقوب خان أن الوصول إلى سلام مع البريطانيين يبقى السياسة الأنجع في تلك الظروف. في شهر ماي 1879 يقبل هذا الأخير بمقيم بريطاني دائم في كابول (و الذي سيكون في الواقع السلطة و القوة الحقيقية في البلاد)، السير ” لويس كافاغنار” الذي دخل العاصمة الأفغانية في شهر جويليا من نفس السنة.
في سبتمبر تقوم قوات أفغانية متمردة بقتل كافاغنار الذي طلب مساعدة يعقوب خان لكن أمير كابول تجاهل الطلب تاركا انطباع بأن الهجوم على البريطانيين تم على الأقل بموافقة ضمنية منه. عندما وصلت الأنباء إلى الهند تم تكليف اللواء ” فريديريك روبرتس” بقيادة قوة ميدانية ليكون رد البريطانيين سريعا و محاولة التحكم في الأوضاع قبل أن يغري ذلك الروس و يحاولون الاستفادة من الهزيمة البريطانية.
اتخذت قوات يعقوب خان موقعها في ممر ” شوتار – غاردن ” لكن أمام الضغط البريطاني سرعان ما أجبرت على التراجع ليقرر يعقوب مستاء طلب السلم. رغم ذلك بقى الخطر يداهم القوات البريطانية حيث تحتم على روبرتس يوم 5 أكتوبر مواجهة الأفغان مرة أخرى عندما ناد أحد المشايخ للجهاد ضد الدخلاء في قندهار و مجرد وصول تلك الأخبار بدأ روبرتس في تجميع قوات لإنقاذ حاميته المحاصرة هناك. في غضون أسبوعين يتنقل القائد البريطاني بقوة قوامها 10 آلاف رجل و في 31 أوت 1880 و بعد مسيرة دامت 21 يوما يتمكن من كسر حصار “أيوب خان ” في قندهار لتنتهي الحرب الأفغانية الثانية.. يعزل أيوب خان و يعقوب خان ليوضع ” عبد الرحمان” ابن عمهما كأمير في كابول..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق