الرأسمالية في التاريخ: نموذج السيطرة العالمية

على الرغم من أن تجارة السلع و الخدمات كانت دائما في قلب تاريخ العالم فان الرأسمالية ظاهرة عالمية حديثة نسبيا. ساعدت التجارة و فائض الإنتاج و الاستهلاك العالمي على ظهور الرأسمالية العالمية التي تهيمن الآن على التجارة و السياسة الدوليين.

الرأسمالية بدورها غيرت توزيع القوى في تاريخ العالم و أصبحت معظم الأسواق الإقليمية اليوم مرتبطة بالأسواق العالمية. ففائض الإنتاج هو هدف معظم إقتصادات الدول و توفر وسائل التبادل كالعملات مثل اليورو و الدولار الأمريكي و الين الياباني أعطى خيارات اقتصادية على المستوى الفردي أكثر من أي وقت مضى و أصبحت تجارب و حياة الملايير من البشر تتغير بشكل كبير بسبب النموذج الاقتصادي الرأسمالي.

 تصور مفهوم الرأسمالية

يشير المؤرخون الاقتصاديون إلى أن الصراع و التقاليد و السلطة و السوق يفرضون الوصول و السيطرة على الموارد النادرة و من هنا فالرأسمالية هي نموذج تاريخي للوصول و السيطرة. تختلف الرأسمالية في الدرجة و ليس في الطبيعة عن الأنظمة الاقتصادية الأخرى في تاريخ العالم مثل المذهب الإتجاري أو “المركنتيلية”. طور الفيلسوف الاسكتلندي “آدم سميث” في كتابه ” ثروة الأمم” عام 1776 مفهوم الرأسمالية و اختلافاتها عن الأنظمة الاقتصادية الأخرى حيث لاحظ ظهورها في بداية العصر الحديث و تأثر في تحليله بالحركات الثورية الأمريكية و الفرنسية التي عارضت النموذج الاقتصادي المهيمن في ذلك الوقت و هو المركنتيلية. أكد المذهب المركنتيلي على وجوب وصول الدولة و سيطرتها على الموارد الاستعمارية لصالح الوطن لكن مع القليل من الخيارات و الفرص الاقتصادية للأفراد. هنا ظهرت الرأسمالية كمزيج من تركيز الحركة الثورية على الحرية الفردية و فشل الاقتصاد تجيزه الدولة في شكل مذهب اتجاري لتلبية احتياجات و رغبات الأشخاص و المجموعات الخاصة في سوق استهلاكية عالمية متنامية. هذا السياق التاريخي للرأسمالية ضروري لفهم انتشارها المستمر و تأثيره في تاريخ العالم.

لمحة تاريخية عن الاقتصاد و الرأسمالية

ركزت التجارة البدائية قبل ظهور القرى على الاحتياجات العيش و البقاء حيث هاجر البدو نحو الموارد الموسمية و تركوا الطبيعة تنتج الفائض. فقام القرويين الأوائل بتدجين النباتات و الحيوانات لإنتاج الفائض  و أصبحوا أيضا منتجين متخصصين في صناعة الخزف أو مزارعين و اضطروا إلى التجارة في السلع الضرورية للعيش التي لم ينتجوها. كما قام القرويون بتخزين الفوائض تحسبا للكوارث و تنامي عدد السكان. ظهرت حينها الأسواق مع ممارسات اقتصادية التي تعتبر أنماط سلفية للتجارة الحديثة. كان لدى هذه الأسواق المبكرة العرض و الطلب و فائض الإنتاج و أنظمة كتابة و وسائل التبادل و حتى الاختيار الفردي و التحكم الجماعي في القرارات الاقتصادية. و في وقت لاحق ستبنى الحضارات الواسعة النطاق على مبادئ السوق الأساسية هذه.

معظم النظم الاقتصادية في العصور القديمة و الوسطى كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بسياقها التاريخي حيث تضمنت سمات مشتركة المتمثلة في جمع و إعادة توزيع فائض السلع، غذائية عموما، لتحقيق المساواة في الوصول إلى موارد العيش الضرورية. كانت مراقبة و تسيير العمل موضوعا شائعا كذلك عادة في شكل فلاحين مجندين و عبيد و عمال موسميين كما أصبحت وسائل التبادل مثل العملات المعدنية متداولة بشكل واسع. كان التحكم في العمل مع ذلك هو مفتاح الوصول إلى فائض الإنتاج. أصبحت القرى و البلدات ثم المدن مراكز للتجارة و الثروة و غالبا ما كان نجاحها و شهرتها تعتمد على التجارة. أسماء مثل أريحا و أور و أثينا و تيوتيهواكان و القسطنطينية و دلهي هي أمثلة رئيسية في هذا السياق من تاريخ العالم.

فرضت الدولة رسوم على الأسواق و السيطرة في تسيير اليد العاملة و الضرائب لتمويل الأعمال الضخمة و الحروب، فنتج عن ذلك بناء أهرام و زقورات و قنوات مائية هائلة و أسوار عظيمة و رحلات استكشافية كبيرة. فأعطت النظم الاقتصادية التي تسيطر عليها الدولة نتائج، و مع ذلك، كان هناك كذلك اقتصاد ريفي محلي و تجارة أقاليمية مستقلة. كان بإمكان الأفراد بالفعل جمع الثروة على طول طرق التجارة كتجار طريق الحرير و قادة قوافل الجمال التي تحمل الذهب و التوابل في غرب إفريقيا و جنوب غرب آسيا و رعاة الرحلات التجارية للفايكنغ و تجار أمريكا الوسطى الذين يعرفون باسم “بوشتيكا”.

لقد اتبع الفكر الاقتصادي هذه التطورات التاريخية و من بين المفكرين الكلاسيكيين اللاحقين في الاقتصاد نجد “غوان زونغ” في الصين (700 قبل الميلاد) و أرسطو في أوروبا (320 قبل الميلاد) كما كان من بين المفكرين في علم الاقتصاد في أواخر العصور الوسطى أسماء مثل “أبو حامد الغزالي” (1110 م) و توما الأكويني (1273 م) و ابن خلدون (حوالي 1377 م) حيث يرى المؤرخون في أعمالهم الفكرية مكونات مختلفة للرأسمالية دون أن تكون في لبها بمفهومها المعاصر.

بروز الرأسمالية الحديثة

لم يكن السياق التاريخي لظهور الرأسمالية موجودا إلا في الفترة الحديثة المبكرة (1400 – 1700) حيث جلبت خلال هذه الفترة تكنولوجيا البحرية البعيدة المدى مع سفن “الينك” الصينية الضخمة و المراكب العربية في المحيط الهندي أو “الكرافيل” البرتغالية و السفن الاسبانية في المحيط الأطلسي منتجات جديدة إلى أسواق جديدة. و في الأخير ربطت الأسواق العالمية الإقتصادات الإقليمية عن طريق البحر كما لم يحدث من قبل فجلب التجار العرب و تجار البندقية و الإيبيريون و الصينيون منتجات جديدة إلى الموانئ العالمية الناشئة. زارت البعثات البحرية الصينية الضخمة في القرن 15 شرق إفريقيا و ساعدت في إعادة تشكيل إقتصادات المحيط الهندي من خلال منتجات الخزف الزجاجي (بورسلان) و التوابل و الحرير التي تم تداولها مقابل الذهب الإفريقي. و من جهتها أنتجت سلطنة مغول الهند الإسلامية و الأمريكيتين كميات كبيرة من المعادن الثمينة و الأحجار الكريمة التي أثرت على أنظمة القيمة العالمية و التجارة. و مع ذلك كانت شركات الشحن البرتغالية و الاسبانية في جميع أنحاء العالم هي التي ولدت أسواق الشحن الأولى في العالم.

أدى غزو الأمريكيتين و كذلك إنشاء مراكز تجارية في إفريقيا و آسيا و المحيط الهادئ إلى تبادل غير مسبوق للمواد الغذائية و السلع و العمالة البشرية و المرض و الحيوانات و السبائك التي سميت حينها ب “البورصة الكولمبية” . كل ما سبق يعتبر كالمحفز الرئيسي في تاريخ الرأسمالية حول العالم و من هنا ولدت نزعة الاستهلاك العالمي.

السيطرة الأوروبية

أصبحت الإمبراطورية الاسبانية – البرتغالية (الموحدة عام 1580 ) أول إمبراطورية برية و بحرية عالمية في تاريخ العالم. بدأت الأسواق و السفن الأوروبية تسيطر على التجارة العالمية على أساس الثروة و المنتجات التي تجلب من الأمريكيتين حيث تم استيراد الفلفل الحار إلى الهند و الذرة إلى إفريقيا و أصبحت النقود الاسباني عملة أوروبا و الصين. تم في نفس الوقت حصاد المحاصيل الربيعية مثل قصب السكر و الأناناس في جميع أنحاء العالم و في كثير من الأحيان كان يتم ذلك بممارسة الأعمال الشاقة. كانت السفن الأوروبية تسيطر على التدفقات التجارية و تحتكرها و مع ذلك عملت الإمبراطورية الاسبانية على نموذج اقتصادي إتجاري حيث كانت الدولة تسيطر على الثروة و تمول المؤسسات العامة.

خاض “آل هابسبورغ” الإسبان  حروبا دينية في أوروبا و حاربوا الإمبراطورية العثمانية و تحدوا حتى أقوى اقتصاد على الإطلاق، الصين. و تم استخراج “العملة الثمانية” الاسبانية أو العملات الفضية التي استخرجت بأيادي السكان الأصليين في الأمريكيتين و أصبحت العملة العالمية المفضلة في مناطق مثل أوروبا و الصين. لكن إقتصادات الدولة تلك أثبتت عدم قدرتها على التعامل مع التجارة العالمية الجديدة، فأفلست اسبانيا أربع مرات في أوائل الفترة الحديثة و فقدت الكثير من إمبراطوريتها لصالح الدول البحرية الناشئة و المنافسة و هي انجلترا و هولندا و فرنسا.

من الواضح يقول المؤرخون أن مشاكل الديون العامة و الاقتصاد الخاص المرتبطة بالاقتصاد في زمن السلم و الحرب كانت متغيرات مهمة في التغلب عليها قبل ظهور الرأسمالية الحديثة. استطاعت الإمبراطورية البحرية الانجليزية و التجارة العالمية التأقلم مع السوق العالمية من خلال اللجوء إلى كل من الشركات العامة و الخاصة. و ارتبط المفهوم الهولندي و الايطالي للمؤسسات المصرفية ذات إصدارات ائتمان خاص بأسواق الأوراق المالية و الشركات الخاصة. و يبدو أن المشاريع الخاصة كانت عنصرا رئيسيا في صعود القوة العالمية الانجليزية و مع ذلك فان الديون المتراكمة في المنافسة على الهيمنة على التجارة العالمية بين انجلترا و فرنسا قد كشفت عن بقايا المذهب الإتجاري في إقتصادات البلدين.

لقد فشلت إقتصادات الدولة ببساطة في معالجة النزعة الاستهلاكية المتزايدة للشركات الخاصة في جميع أنحاء العالم و فشلت في تموين المنافسة العالمية بين الدول بشكل كاف. منحت حرب السنوات السبع، أو الحرب الفرنسية و الهندية، التي دارت حول العالم بين 1756 و 1763، هيمنة لانجلترا على السوق العالمية لكنها من جهة أخرى تركت الدولتين الفرنسية و الانجليزية بديون هائلة ساعدت في نشوب الثورتين الأمريكية و الفرنسية، و هي الخلفية لأطروحة آدم سميث في “ثروة الأمم” مع آثارها على الرأسمالية الحديثة.

التحول الصناعي و الرأسمالية

التنافس من أجل السيطرة على التجارة العالمية الذي أصبح ممكنا بفضل التقدم في الملاحة عبر المحيطات خلق أسواق عالمية و أصبحت المنتجات من جميع أنحاء العالم متوفرة و يتم إنتاجها في أي منطقة من مناطق العالم. أثبتت هنا النماذج الاقتصادية للدولة عدم قدرتها على العمل بشكل مربح في هذه الأسواق الجديدة و مع ذلك كان الناس لا يزالون مرتبطين بالعمل للإنتاج حيث يعتبر هذا الأخير الوسيلة الوحيدة لفائض الإنتاج للتجارة في السوق و انطلاقا من هذه المعطيات ستحرر الصناعة في القرن 19 الناس من تلك السلسلة التي أعاقت الرأسمالية العالمية.

ظهر التحول الصناعي لأول مرة في انجلترا و فرنسا حيث تنافست الإمبراطوريتين من أجل السيطرة على التجارة العالمية. أدى استخدام الآلات و المصانع للإنتاج إلى تحرير أعداد كبيرة من البرية و خلق مستويات هائلة من فائض الإنتاج الصناعي عمرت الأسواق العالمية، و كانت أمريكا الشمالية مثال رئيسي بعدها حيث هيمنت على أسواق المنسوجات العالمية في مناطق مثل الكونغو و الهند و بيرو حيث لم تكن المنسوجات الأوروبية قادرة حتى على منافسة المنسوجات الحرفية المحلية العالية الجودة.

الرأسمالية اليوم

النقل البحري و التحول الصناعي لا يعكسان بالكامل الهيمنة الأوروبية في الأسواق العالمية, في عام 1900 انهار حتى الاقتصاد الصيني القوي و تم تقسيم إفريقيا استعماريا لأغراض اقتصادية كما لعبت المعتقدات الثقافية و الجغرافيا دورا أيضا. كانت الحضارة الغربية بخبرتها التاريخية و سياقها الجغرافي المركز الرئيسي لظهور الرأسمالية العالمية. و أصبحت أوروبا مركز التجارة ليس لأنها مركز العالم و لكن لأن الملاحة و تطورها في الرأسمالية جعلتها المحور التجاري المركزي. و رغم ذلك و حتى الآن لم تكن الرأسمالية قادرة على الانتشار في كامل ربوع العالم و بدلا من ذلك ظهرت أنظمة اقتصادية مختلفة.في القرن العشرين حيث جربت دول أمريكا اللاتينية مجموعة متنوعة من النماذج الاقتصادية المختلفة التي لم تدم.. المكسيك على سبيل المثال لا يزال لديها العديد من الأسواق الإقليمية و المحلية تعمل بالمقايضة أو بنقود بخلاف “البيزو” المكسيكي، لكن أكثر من نصف ثروتها الاقتصادية تخضع لسيطرة شركة “بيمكس” النفطية الحكومية.

من جهة أخرى فشلت تجربة النماذج الشيوعية القائمة على المثل الماركسية في روسيا و الاتحاد السوفيتي في تحقيق تفوقها في المنافسة خلال الحرب الباردة مع الدول الرأسمالية الغربية. كما يمكن التذكير بأن النماذج الاقتصادية الاشتراكية حققت حتى الآن نتائج متباينة في أوروبا، حيث كانت ألمانيا النازية في أحد طرفي المنحنى، و فرنسا في الوسط و النرويج الحديثة على الطرف الآخر.

في آسيا و إفريقيا و المحيط الهادئ لا يزال لدى سكان الريف أسواق قروية في حين أن المناطق الحضرية لها روابط عالمية و أسواق رأسمالية و هو الوضع الذي تجسده سنغافورة و هونغ كونغ و جاكارتا. قامت دول أسيوية مثل كوريا الجنوبية و اليابان بتخطيط إقتصادات مع شركات كبيرة مثل “هيونداي” و ” ميتسوبيشي” تعمل مع الحكومة لإنشاء أسواق تعاونية بدلا من أسواق إنتاج تنافسية. الصين من جهتها اليوم مرة أخرى في الأسواق العالمية بمزيج تجريبي من مناطق السوق الحضرية المصرح بها و لكن يتم التحكم فيها بشكل فردي و لا يزال عمق البلد معزولا عن هذه التجارب حتى يومنا هذا. في الهند و إفريقيا يتزايد عدد سكان الريف بينما تتناقص الموارد و بما أن اليد العاملة هي المورد الوحيد قد تكون الصناعة و إنتاج الفائض نقطة الدخول الوحيدة للبلدان في آسيا و إفريقيا ذات اليد العاملة الماهرة و المنخفضة التكلفة التي يمكنها جذب خدمات بمصادر خارجية و صناعات الإنتاج من إقتصادات العالم الأول.و حتى النفط، و هو مورد رئيسي في العصر الصناعي اليوم، لا يضمن وحده نجاح الرأسمالية كما تشهد ذلك نيجيريا و تشاد. لقد جلب النفط في الشرق الأوسط روابط اقتصادية عالمية لكن ليس بالضرورة السكان المحليين نحو السوق العالمية و السعودية و إيران مثالان عن ذلك..

مسارات مستقبلية

لقد أثبتت الرأسمالية أنها عامل رئيسي في تاريخ العالم و التجربة الفردية بتركيزها على تحرير الأسواق و فائض الإنتاج و المزيج من التحكم الاقتصادي العام و الخاص، و لكن تأثيرها هذا تم تقييده بسبب عوامل مثل ندرة الموارد و المعتقدات التجارية المحلية. سلطت هذه العوامل الضوء على الاختلافات الاقتصادية الإقليمية و حولت ميزان القوى الدولي في اتجاهات جديدة، و النجاحات النسبية للاتحاد الأوروبي و المدن الرأسمالية الصينية و اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية هي ثلاثة أمثلة على ذلك. و رغم كل هذا قد تشير النجاحات الاقتصادية لليابان و أيرلندا إلى مسارات مستقبلية أخرى محتملة لنمو الرأسمالية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق