الشيوعية و الاشتراكية: الظاهرة الإيديولوجية في القرن العشرين

 

في أعماق الشيوعية و الاشتراكية العصريتان توجد فكرة قديمة تحلم بمجتمع مثالي يعيش في وفرة و مساواة و حرية و التعاون و الانسجام. ملامح هذه الفكرة طفت على السطح عدة مرات عبر رسائل الأنبياء و في الحركات الفكرية القديمة في آسيا و إفريقيا و مناطق أخرى، حتى لدى بعض الجماعات “الطوباوية” في أوربا و أمريكا في بدايات القرن التاسع عشر. الشيوعية تعني بصفة عامة نظام سياسي يلغي الملكية الخاصة و الاشتراكية هي نظام الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج و توزيعه.

تشكلت الاشتراكية في المجتمعات التي كانت في طريق التصنيع في أوربا الغربية خلال القرن التاسع عشر. هذه الاشتراكية كمجموعة أفكار ارتبط إلى الأبد بكتابات كارل ماركس (1818-1883). بما أنه عايش الرأسمالية خلال مرحلتها المبكرة و الصعبة، بدأ ماركس في تحليل هذه الظاهرة و رسم تطورها المستقبلي. من خلال روعة التكنولوجيا العصرية، يشرح ماركس، يحتمل أن المجتمعات الرأسمالية استطاعت حل المشاكل القديمة المتمثلة في النقص و الفقر و أنتجت الوفرة و أصبحت الآن في مقدورها أن تنتج بما فيه الكفاية للاستجابة للاحتياجات المادية لمواطنيها. الرأسمالية الصناعية، من هذا المنطلق، كانت الى أبعد الحدود تطورا في حياة الإنسانية وثمن ماركس انجازاتها. لكن هذه الإمكانات أعيقت و جمدت بسبب الشروخ هالكة للرأسمالية.. الملكية الخاصة و الانعدام المتزايد للمساواة و مرارة الصراعات الطبقية و سلسلة تدهور النمو و الركود الاقتصادي و كذا تفاقم القيم التنافسية و الفردانية.

مثل هذه المجتمعات، يقول ماركس، ستنهار بسبب اضطرابات و انتفاضات ثورية واسعة تقودها طبقة العمال (بروليتاريا) و التي تم فقرت و استغلت من طرف النظام الرأسمالي. ستوضع بعدها وسائل الإنتاج الواسعة تحت سيطرة المجتمع بأمله ليخطط لها بعقلانية و أكثر مساواة، الشيء الذي من شانه أن يضع حدا للصراع الطبقي و النزاعات القومية و الفقر و انعدام المساواة و كل الظاهر السلبية المزمنة.

كانت تلك هي الاشتراكية و بالنسبة لماركس ستكون بذلك قد غيرت التاريخ التعيس للصراع الطبقي اللامتناهي و تفتح السبل لمستقبل مشع و مبدع للإنسانية.

الحركات الاشتراكية

ألهمت أفكار ماركس الحركات العمالية و المفكرين خلال الثورة الصناعية الأوروبية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقام الاشتراكيون بإنشاء أحزاب سياسية في أغلب الدول الأوروبية و هيكلوها في منظمات عالمية. جندت هذه الأحزاب مناضلين و طعنت في بعض الانتخابات عندما تحصلت على حق التصويت و تحركت من أجل الإصلاحات و في بعض الأحيان تآمرت من أجل الثورة.

رغم إحساس النخب المتجذرة و الراسخة في المجتمعات الغربية بخطر الحركات الاشتراكية إلا أن هذه الأخيرة لم تحدث كما تصورها ماركس في الدول الرأسمالية الأكثر تطورا كبريطانيا و ألمانيا و فرنسا و الولايات المتحدة. استطاع العمال تدريجيا في هذه المجتمعات الأخيرة تطوير مستوى معيشتهم و بدايات إصلاحات “دولة الرفاهية” لينت إلى حد كبير ضفاف الرأسمالية. بالتالي لم يقدر ماركس هذه القدرات لدى المجتمعات الرأسمالية على الإصلاح كما أن الشعور الوطني دفع العمال نحو أوطانهم أكثر من الانسياق وراء الطبقة العمالية العالمية كما تصورها ماركس.

قامت ثورات اشتراكية في القرن العشرين لكن في أماكن لم يكن يتوقعها ماركس، في روسيا التي كانت في بدايات التصنيع عندما وصل الشيوعيون إلى الحكم عام 1917 و في الصين المتخلفة و الفقيرة عام 1949 و في كوبا التي تعتمد على إنتاج السكر عام 1959 و في فيتنام التي خرجت من الامبرياليات اليابانية و الفرنسية و الأمريكية مع نهاية حربها في أواسط سنوات 1970. في هذه الدول سمى الثويون أنفسهم ” شيوعيون” ليتميزون عن “الديمقراطيات الاشتراكية” أو “الديمقراطيات الاجتماعية” الغربية أين واصل الاشتراكيون كفاحهم السلمي عبر مسارات سياسية.

حاول بعدها هؤلاء الثوريين الشيوعيين بناء الاشتراكية، بما يعني خلق مجتمعات عصرية مخالفة للرأسمالية. الاتحاد السوفيتي بقيادة ستالين (من 1929 إلى 1953) و الصين تحت حكم ماو تسي تونغ (من 1949 إلى 1976) يمثلان إلى أبعد حد أبرز الأمثلة عن هذه التجارب.

تجارب تطبيق الماركسية

المرحلة الأولى استوجبت وضح حد لانعدام المساواة المزمن. فتمت مصادرة أراضي الملاك الأغنياء ووزعت على الفلاحين.أرسلت مجموعات من الشباب الثوري في الصين لعدة قرى في البلد أين جندوا المزارعين لمواجهة الملاك و تم تأميم الصناعات الخاصة دون تعويض أصحابها. اتخذت حكومات الدولتين قرارات سريعة لضمان المساواة في الحقوق بالنسبة للمرأة في الزواج و في الحياة العامة واضعين حدا للعوائق القانونية التي كانت سارية المفعول منذ القدم.

بما أن الاتحاد السوفيتي و الصين كانتا مجتمعات فلاحية كانت إقامة الاشتراكية في القرى أولية الأوليات بالنسبة للدولتين. لكن عملية توزيع الأراضي على الفالحين و رغم أنها “ثورية” إلا أنها لم تكن اشتراكية بالمعنى العميق حيث ترك عدد هائل من المزارع الصغيرة العائلية لأصحابها. بالنسبة للقادة الشيوعيين المتشددين هذه القرارات لم تكن لا عصرية و لا فعالة حيث فتحت الأبواب لإعادة بعث الرأسمالية و انعدام المساواة في المجتمعات الريفية لأنها ساعدت بعض الفلاحين في الازدهار بينما آخرون أصبحوا أكثر فقرا.

كان الحل في الاتحاد السوفيتي (أواخر سنوات 1920 و بدايات سنوات 1930) و في الصين (خلال سنوات 1950) في ما يعرف بالمزارع الجماعية (كولخوز)، أين أصبحت الأرض و الحيوانات و وسائل النتاج ملك جماعي. مسار تجنيد الفلاحين داخل هذه المزارع الجماعية تم في جو من العنف ووسط مقاومة كبيرة في الاتحاد السوفيتي و تبعتها مجاعة واسعة نتيجة الطلبات الدولة المتزايدة من للحبوب. الحزب الشيوعي الصيني من جهته كذلك بخلق مزارع جماعية لكن بطريقة سلمية نوعا ما، و رغم ذلك تشت مجاعة كبرى في أوخر سنوات 1950 عندما ضغط ماو تسي تونغ على المزارع. في كلا الدولتين لم يتطور القطاع الفلاحي إلا ببطء لأنه كان موجه مبدئيا لدعم برامج التصنيع المكثف.

تخطيط و بيروقراطية

رغم كل ما سبق فالشيوعيون كانوا تحديثيين في تصوراتهم عازمين على خلق مجتمعات صناعية، بالإضافة إلى كونهم مقتنعين بأنهم وجدوا الطرق المثلى نحو التصنيع الذي يتفادى الاستغلال و عدم الاستقرار و انعدام المساواة المنتشرة في الرأسمالية.

مفاتيح التصنيع الشيوعي كانت تتجسد في ملكية الدولة و التخطيط. كانت السلطات الشيوعية تقرر من خلال سلسلة من المخططات الخماسية أين يجب إنشاء المصانع و ما يجب أن تصنعه و بأي كمية و لمن تبيع منتجاتها و بأي سعر. في بداية الأمر عمل النظام بشكل جيد بحيث كانت معدلات النمو في الاتحاد السوفيتي (سنوات 1930) و في الصين (سنوات 1950) جد سريعة. بالخصوص الاتحاد السوفيتي الذي أصبح مجتمع مصنع في خلا عقد واحد من الزمن و قوي في إنتاجه لدرجة أنه استطاع هزم النازيين خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن التصنيع الشيوعي خلق كذلك نخبة جديدة من المسيرين و البيروقراطيين و الخبراء التقنيين الذين تحصلوا على مواقع ذات امتيازات في المجتمع فهدموا بذلك المساواة التي من المفترض تنادي بها المجتمعات الاشتراكية. و بينما تقبل ستالين إلى حد ما هذه المفارقات على أنها ضرورية مرحليا للتطور المعاصر، ماو تسي تونغ كان قلقا اتجاهها و نظم عدة مرات حملات للقضاء على ما سماه بالمادية و الأنانية و التعالي لدى النخبة الرسمية الصينية.

من بين الخصوصيات الفريدة في المجتمعات الشيوعية الشكل الذي توغلت به سلطات الحزب و الدولة في كيفية تسييرها للمجتمع. بمأن الفلاحة أصبحت تسير جماعيا و الصناعة مؤممة أصبح عمليا الجميع موظف لدى الدولة و حتى قادة الحزب الشيوعي وضعوا سياسات بيروقراطية توهم بأن الدولة هي التي تفرض تطبيقها. النظام التربوي من جهته كذلك يستعمل لغرس عقيدة الحزب و الأفكار الكاركسية في أوساط الشعب و المنظمات التي كانت من المفترض أنها تمثل مصالح الطلبة و النساء و العمال و مختلف المجموعات المهنية كانت كلها يسيطر عليها و الحزب و يسيرها.

البحث عن الأعداء

شهدت المجتمعات الشيوعية في الاتحاد السوفيتي و الصين عدة نزاعات خاصة في مراحل حكم ستالين في موسكو و ماو تسي تونغ في بكين حيث أخذت شكل هوس في البحث عن الأعداء مما شوه عموما تاريخ هذه النظم.

هذه المرحلة بلغت ذروتها خلال سنين “الرعب” مع نهاية سنوات 1930 في التحاد السوفيتي. ابتلعت هذه الموجة من الرعب الآلاف من الشيوعيين البارعين و حتى معظم رفقاء “لينين” و ملايين آخرين من المواطنين العاديين. تم القبض هؤلاء، عموما ليلا، على أساس انضمامهم إلى حركات سابقة مشبوهة أو تبليغ من طرف زملاء أو اشتباه في علاقاتهم مع دول أجنبية أو حتى لسوء حظ فقط لتتم إدانتهم و حكم عليهم بالإعدام أو في أحسن الظروف بسنوات أعمال شاقة في معسكرات عرفت باسم “غولاغ”. يقال أنه خلال هذه الحملة تم ما يقرب من المليون شخص بين 1936 و 1941 و ما بين أربعة أو خمس ملايين تم إرسالهم إلى معسكرات “غولاغ” أين فرض عليهم العمل في ظروف بشعة ليموت العدد الكبير منهم هناك. كان عدد ضحايا تلك الحقبة رهيبا لأنها استهلكت كذلك طاقات فيالق من الضباط و المحققين و مخبرين و حراس و جلادين..

بينما البحث عن الأعداء تم في الاتحاد السوفيتي في سرية أو على الأقل تحت المراقبة المباشرة للمصالح الرسمية اختلف مظهرها في الصين حيث أصبحت علنية بالخصوص خلال ما عرف ب “الثورة الثقافية” من 1966 إلى 1969. كان ماو تسي تونغ في تلك الفترة جد مقتنع بأن الحزب الشيوعي نفسه أصبح تحت تأثير الأفكار الرأسمالية و الأنانية و المادية و لم يعد تحركه الفكرة الثورية و مثلها العليا. ينادي عندها ماو بالتمرد على الحزب الشيوعي فيقوم الملايين من الشباب منظمين في مجموعات عرفت ب “الحرس الأحمر” في تنظيف البلد ممن اعتبروهم قد “أخذوا طريق الرأسمالية”. كانت النتيجة فوضى و عنف كادا يؤديان بالبلد إلى حرب أهلية. في الأخير تحتم على القائد ماو الاستنجاد بالجيش لإعادة النظام و السيطرة على الحزب.

يمكن القول بأن مرحلة “الرعب” في التحاد السوفيتي و “الثورة الثقافية” في الصين شوهتا إلى حد كبير مصداقية و فكرة الاشتراكية و ساهمتا في الانهيار الأخير للتجربة الشيوعية في نهاية القرن العشرين.

أفول التجربة الشيوعية

زوال الشيوعية العالمية كان في نفس الوقت سريعا و غير منتظر و بأشكال مختلفة من منطقة إلى أخرى.

في دول أوربا الشرقية أين فرضت الحكومات الشيوعية قسرا من طرف القوة العسكرية السوفيتية بعد الحرب العالمية الثانية قامت الحركات الشعبية لعام 1989 بإزاحة تلك الحكومات المنبوذة و بسرعة مذهلة. السقوط المأساوي لجدار برلين الذي كان يفصل منذ مدة طويلة برلين الشرقية عن برلين الغربية أصبح رمزا دائما لهذه الحركات الشعبية.

جهود ميخائيل غورباتشوف في الاتحاد السوفيتي لإصلاح النظام (بين 1985 و 1991) و ذلك بتقليص سيطرة الدولة على الاقتصاد و إرساء حرية التعبير انقلبت ضده. إصلاحاته دفعت بالاقتصاد إلى الهاوية و حفزت الحركات الوطنية القومية المناهضة للشيوعية لينتهي الأمر بالتفكك التام للبلد نفسه عام 1991 و طرد الحزب الشيوعي من الحكم.

في سيناريو مغاير، استطاع الحزب الشيوعي الحفاظ على السلطة في الصين لكنه استغنى على العديد من السياسات الاقتصادية الشيوعية خلال سنوات 1980 و 1990 واضعا حدا للتسيير الجماعي للمزارع و سمح بدخول الاستثمارات الأجنبية بشكل مكثف و شجع العديد من الشركات الخاصة و الشبه خاصة بالنشاط بكل حرية. هذه الإصلاحات ولدت إنعاشا للاقتصاد الصيني مغايرا تماما للكوارث الاقتصادية التي صاحبت تفكك الاتحاد السوفيتي.

لازال الخبراء يناقشون و يبحثون في الأسباب التي دفعت إلى الانهيار المباغت للحقبة الشيوعية في تاريخ العالم. يمكن القول و إلى حد بعيد بأن السبب الأساسي و الجوهري في فشل الشيوعية كان اقتصاديا.. أصبح بديهي خلال سنوات الثمانينات من القرن العشرين بأن اقتصادات أهم الدول الشيوعية تعيش ركودا و هي عاجزة جليا على المنافسة الفعالة لمثيلتها النشيطة في الدول الغربية الرأسمالية. هذا الإدراك دفع إلى مسار الإصلاحات في كل من الاتحاد السوفيتي و الصين.

و كعامل آخر يمكن الحديث كذلك عن التفكك العقائدي في المثالية السابقة التي كانت تطغى على الفكرة نفسها في إمكانية بناء الاشتراكية، هذه الفكرة التي تلاشت وسط بشاعة الستالينية و سياسة ماو تسي تونغ.

انهيار الشيوعية مثل بدياتها، كانت له تداعيات عالمية حيث رسم نهاية الحرب الباردة التي طغت على الحياة الدولية في النصف الثاني من القرن العشرين و هددت بحرب نووية. و بينما زال الهيكل الثنائي الأقطاب للحرب الباردة ظهرت الولايات المتحدة كقوة عظمى و منفردة في العالم ولدت معها مهام جديدة للإمبراطورية العالمية الأمريكية في طور التكوين. بالإضافة إلى ذلك فان نهاية الشيوعية أغلقت نقاشا عالميا دام قرنا كاملا بين الاشتراكية و الرأسمالية كنظامين منفصلين ومتنافسين، و التسليم بأن اقتصاد السوق و الإيديولوجية الرأسمالية انتصرا.. و لو مؤقتا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق