القبيلة الذهبية: كيف سيطر المغول على روسيا

هي حقبة غير معروفة كثيرا لدى البعض لأنها سبقت مراحل نشأة روسيا كقوة إقليمية جديدة مع نهاية القرون الوسطى. كان الحكم المغولي الذي استمر ما يقرب 250 سنة على هذا البلد الشاسع نتيجة غزوتين منفصلتين.

بعد نجاح زحفهم على القوقاز عام 1221 قاموا بغزو جزءا صغيرا من روسيا عام 1222 و على الرغم من تغلب وحدة صغيرة من الجيش المغولي على الأمراء الحاكمين إلا أنهم لم يسيطروا على روسيا كليا و اختفوا مجددا في السهوب. كان لابد انتظار عام 1237 حينما بدأ جيش مغولي كبير التحرك لغزو الأراضي الروسية و كانت تلك هي المناسبة التي سقطت فيها البلاد بأكملها تحت حكم “القبيلة الذهبية”.

بعد غزو الإمارة الإسلامية لشاه خوارزم ‘جلال الدين منكبرتي’  المعروف باسم السلطان محمد الثاني، أمر جنكيز خان جنرالاته جيبه و سوبوتاي بالتحرك عبر جبال القوقاز باتجاه روسيا. تحالفت القبائل القوقازية (آلان أوسيتيا و الشركس و البولوفستيه) عام 1221 و قاومت بشدة الغزاة في السهوب الروسية الجنوبية. لم تكن المعركة الأولى بين المغول و تحالف قبائل القوقاز حاسمة. لكن جيبه و سوبوتاي لم تكن لديهما أي نية في الانسحاب من الاشتباك. بدلا من ذلك استعمل الجنرالات المغول إستراتيجية “فرق تسد” حيث أقنع جيبه و سوبوتاي “إخوانهم” الرحل البولوفستيه بالبقاء محايدين و ذكروهم بتواصلهم التركي- المغولي و وعدوهم بتقاسم غنائم النصر على القبائل الأخرى. بعد نجاح هذه الدبلوماسية الخفية عاد جنرالات جنكيز خان لمحاربة القبائل القوقازية بشراسة أكبر و سحقوا المقاومة العنيدة على نطاق واسع.

التوغلات الأولى

ينقلب بعدها جنرالات المغول على شعب بولوفستيه الذين هزموا و هربوا اتجاه غاليسيا و كييف و ناشدوا أمراء الروس “مسيسلاف ستاريي” أمير كييف و “مستيسلاف أودالوي” أمير غاليسيا و “فلاديمير” أمير سوزدال للتدخل.  كان الأمير الأول المتدخل مستيسلاف أودالوي  حيث اضطر لمساعدتهم كون “كوتيان”، خان بولوفستيه، زوج والدته و حسب (سجلات نوفغورود الأولى) كان الروس يجهلون كل شيء عن المغول، من أين جاءوا و أي لغة يتحدثون و أي دين و شعائر يمارسون. و خوفا من أن يتقوى المغول أكثر فأكثر إن لم يتدخلوا قام الأمراء مستيسلاف و فلاديمير الأول (فلاديمير الكبير) بتشكيل تحالف مع بولوفستيه.

في أوائل عام 1222 يقوم المغول بإرسال بعثة دبلوماسية من عشرة أعضاء للتفاوض مع مستيسلاف و فلاديمير. قال حينها المغول بأنهم لا يرغبون في شن حرب على الأمراء و لا ينوون غزو أراضيهم و مدنهم و حاولوا إغرائهم بالغنائم إن هم عزلوا و تنكروا للبولوفستيه و اقترحوا إبرام معاهدة سلام مع الروس. و لأنهم اقتنعوا بمناورة المغول يقوم الأمراء بإعدام البعثة الدبلوماسية، العمل الذي لم يغفره لهم المغول.

تجمع الجيش الروسي – بولوفستيه القوي بتعداد 30 ألف مقاتل على ضفاف نهر دنيبر بينما لم يكن عدد المغول سوى عشرة آلاف رجل. ليأمر جيبه و سوبوتاي الجيش الغازي بالتراجع و يرسلان مبعوثا دبلوماسيا ثانيا للقاء الروس معاتبين على اغتيال رسلهم. عاد المبعوث الثاني سالما و حاملا رسالة للقادة المغول مفادها أن الروس يخشون أن يهاجمهم المغول بعد غزوهم بولوفستيه و لذلك فإنهم لن يرتاحوا إلا إذا عاد الجيش الغرباء إلى السهوب. ينسحب بعدها الجيش المغولي الرئيسي من الغابات تاركا وراءه قوة خلفية لمراقبة التعبئة الروسية. بتمرسهم في فنون الحرب و اعتيادهم على النقص العددي في القتال استطاع جيبه و سوبوتاي التملص من الروس لمدة تسعة أيام. هذه الحنكة لم تكن موجودة لدى الأمراء الروس الذين يفتقرون للتنسيق التكتيكي حيث كان مستيسلاف أمير غاليسيا و مستيسلاف أمير كييف متعارضين في كيفية مقاتلة الجيش المغولي. و في ملاحقتهم للعدو استدرجوا أكثر فأكثر نحو السهوب بعيدين عن خطوط إمداداتهم.

معارك على ضفاف الأنهار

استطاع الأمير مستسيلاف أمير غاليسيا برفقة “دانييل” أمير فولينيا من هزم القوة الخلفية للمغول في أول معركة شرق منعطف نهر دنيبر. للظفر بالمجد بمفرده قرر حينها مطاردة الجيش المغولي الرئيسي دون إبلاغ بقية الجيش الروسي أو انتظار وصول التعزيزات. أخذ الأمير جيشه و جنود فولونيا و فولوستيه و عبر نهر كالكا واثقا بعد نصره على القوة الخلفية المغولية و بمجرد عبوره ذلك وقع في فخ المغول. كان تراجع المغول تكتيكي لعزل قوات أمير غاليسيا عن جيش أمير كييف الذي كان يتمركز على مسافة من نهر كالكا. في منتصف جوان 1222 اغتنم جيبه و سوبوتاي الفرصة و أمروا بهجوم شامل على الجبهة الروسية و أجنحتها. راقب مستيسلاف أمير كييف من الضفة الغربية لنهر كالكا المغول يشنون هجوما شرسا على قوات أمير غاليسيا التي لم تكن قادرة على المناورة في المستنقعات لتتحطم آشلاء. تمكن أمير غاليسيا من الفرار برفقة  أمير فولينيا المصاب و ما تبقى من جنود بولوفتسه.

مدركا أن الانسحاب المتسرع أمام جيش سريع المناورة سيكون قاتلا يأمر مستيسلاف أمير كييف قواته بتحصين فرقهم على تل مهيمن، لكن قبل أن يتمكن من تثبيت دفاعاته هاجمه جيبه و سوبوتاي و بعد ثلاثة أيام من القتال المغولي الشرس استسلم الأمير و اشترط أن يسمح له و لجيشه بالعودة إلى كييف. وافق القادة المغول و لكن بمجرد أن وضع جيش كييف سلاحه تم إعدام الأمير و تنكيل بقواته.

خوفا من أن يعبر المغول نهر دنيبر يقوم أمير غاليسيا مستيسلاف بتدمير جميع السفن فلم تعبر قوات جيبه و سوبوتاي دنيبر أبدا و عادت بدلا من ذلك للانضمام إلى الجيش الرئيسي المتمركز في السهول شرق نهر سرداريا (أوزباكستان حاليا). هكذا في أواخر 1222 انتهى الغزو المغولي الأول لروسيا بالسرعة التي بدأ بها.

في شتاء عام 1237 و بعد عشرة سنوات من وفاة جنكيز خان يعود الجيش المغولي في سياق غزو أوسع و أكبر لأوربا حيث حشدت قوات بقيادة سوبوتاي المخضرم بلغ تعداده حوالي 150 إلى 200 ألف مقاتل. عبر الجيش العظيم نهر فولغا المجمد و هاجم إمارة ريازان الروسية التي كانت تعتبر الأضعف.

مع تقدم الجيش المغولي، هرع الأمير “رومان” إلى سوزدال لطلب المساعدة من الأمير “يوري” لكن طلبه هذا رفض و بدلا من ذلك اقترح الأمير الكبير “يوري” أن ينهي الأمراء الأربعة ( يوري،أوليغ، رومان و ياروسلاف) نزاعاتهم و ينظمون لقوة واحدة ضد المغول.

بعد هزيمة الجيش الروسي في “ريازان” تم إعدام الأمراء المحاصرين و عائلاتهم و اغتصاب الفتيات و الراهبات و تقتيل السكان. خلال شتاء 1237 – 1238 و تحت قيادة ” باتو خان” هاجم الجيش المغولي   سوزدال و عاصمتها فلاديمير. على الرغم من أن أراضيه و مدينته محاصرة لم يتدخل الأمير يوري. فيقوم باتو خان باستهداف نوفغورود  بينما يحاول سوبوتاي استدراج الأمير الكبير يوري إلى المعركة. قاتلت و قاومت نوفغورود و بالخصوص قلعتها “تورزوك” قوات باتو خان و استمر القتال أسبوعين، و كان ذلك وقت كافي لوصول فصل الربيع المبكر حيث غمرت مياه ذوبان الجليد معظم الأراضي الجنوبية و منعت باتو خان من التقدم ليضطر هذا الأخير إلى التخلي عن مواقعه في نوفغورود و التراجع نحو السهوب الجنوبية.

سقوط كييف

في مارس 1238 هلك الأمير الكبير يوري و جيش سوزدال في معركة حاسمة ضد سوبوتاي على نهر سيت. بعد ذلك يتم غزو أكبر جزء من روسيا في غضون بضعة أشهر و يقضي خلالها جيش المغول على دولة “تشرنيغوف”. ابتداء من صيف 1239 و لمدة عام سعى الجيش المغولي للراحة في السهول الخصبة غرب أوكرانيا استعدادا لحملة أخرى. و في صيف 1240 استأنف المغول هجومهم و اكتساحهم لروسيا حيث استولوا على مدينة “بيرياسلاف”  و في 6 ديسمبر 1940 وصل باتو خان و جيشه إلى كييف لتعزيز طلائع القوات التي كان يقوده “منغكي خان”. بعدما أعدم “ديمتري” حاكم كييف سفراء المغول يقتحم الجيش الغازي المدينة، و باستثناء كاتدرائية القديسة صوفيا، ليتم تدمير كييف في مجملها و إبادة سكانها.

في عام 1242 كانت روسيا قد سقطت تحت السيطرة المغولية. اختار باتو خان موقع “أولد سراي” في فولغا السفلى لتأسيس مقر حكم المغول على البلاد و أصبح يعرف ب “القبيلة الذهبية”.

استمرت القبيلة الذهبية كمركز للإدارة المغولية لروسيا لما يقرب 250 سنة. للحصول على منصب حينها كان على الأمراء الروس الذهاب إلى القبيلة الذهبية و الإشادة بها و إعلان الولاء لقادتها و رغم تلك السلطة التي تمتعوا بها لم يؤسس المغول سلالة حاكمة في روسيا. رغم محاولة “ديميتري” أمير موسكو محاربة السيطرة المغولية عام 1330 إلا أنهم تمكنوا من مواصلة حكمهم لأكثر من قرن آخر. في نهاية المطاف استطاع “ايفان الثالث” كسر الحكم المغولي عام 1480، و أمام عجزهم على التصدي لظهور الدولة الموسكوفية، نواة و بذرة روسيا الحديثة، اضطر المغول على تسليم الحكم و الانسحاب.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق