المثقفون: الأصول التاريخية لنخبة ضاغطة

من هم المثقفون و منذ متى أصبحوا طبقة ذات وزن اجتماعي و سياسي ؟ يعود أصل كلمة “المثقفون” المستخدمة لوصف مجموعة معينة من الناس إلى أوائل القرن التاسع عشر و لكن باعتبارها وصفا لكيفية تأثير الكتاب و الفلاسفة و العلماء في مجال السياسة فهي تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر و بالتحديد في فرنسا.

يقول في هذا السياق الفيلسوف الألماني ” يورغن هابرماس” : ” كان المثقفون مجالا عاما ناشئا حيث اجتمع الفلاسفة الفرنسيون في الصالونات و الفلاسفة الألمان في مجمعات القراءة و الكتاب الانجليز في المقاهي من أجل المشاركة كمفكرين نقديين مستقلين في المناقشات المفتوحة و الحرة للمسائل ذات الاهتمام الثقافي و السياسي”. كانت هذه المجموعات الناشئة نتاجا لاقتصاد سوق رأسمالي جديد حرر تدريجيا منتجي الأفكار من السلطة المزدوجة للدولة و الكنيسة و مع نمو تجارة الكتب و توسع الصحافة الشعبية التي تطورت بتزايد جمهور القراءة تمكن الكتاب و أمثالهم من إنشاء مستوى من الاستقلالية لم يعرف من قبل.

إنتاج المعرفة

انطلاقا من القرن السابع عشر صيغت مجموعة متنوعة من المصطلحات المختلفة مثل “العلماء” و “المفكرون” و ” رجال الأدب”…لوصف هذه المجموعة الجديدة من الأشخاص التي أبرزتها ثورة تكنولوجية ممزوجة بظهور قوة الدولة الحديثة. مع تنوع أماكن تبادل المعرفة أصبح نشاط إنتاج المعرفة أكثر تخصصا مما أنتج بدوره مهنة ” المؤلف” المحددة حديثا.

ربما لا يوجد شخص يمثل هذا الشكل الجديد أفضل من المفكر الفرنسي ” فولتير” (1694 – 1778). انخرط ” فولتير” في معركة الأفكار ضد أولئك الذين يبالغون في إساءة استخدام السلطة، سواء أكانوا علمانيين أم دينيين. حدد القضية التي يجب أن ينخرط فيها المثقف و هي “محاربة الظلم” و كذلك الأساليب التي يجب استخدماها و المتمثلة في الجدل بالبرهان و الحجة و النقد و التشهير، و فعل ذلك مقتنعا أن على الفيلسوف التزاما ملحا بالتعبير عن الحقيقة مهما كانت العواقب الشخصية. بالإضافة إلى ذلك كان يعتقد أن رجال مثل “فولتير” لديهم القدرة على تغيير مجرى التاريخ و تركيع الحكومات، و لهذا السبب استنتج الكثيرون لاحقا أن الفلاسفة هم من تسببوا في الثورة الفرنسية.

على الرغم من هذه المبالغة، فمن الممكن رسم خط نزول يمتد من “فولتير” في القرن الثامن عشر إلى ” فيكتور هوغو” و ” إميل زولا” في القرن التاسع عشر إلى ” ألبير كامو” و “جان بول سارتر” في القرن العشرين، حيث يتبنى كل منهم طرح ما سيتم تصوره لاحقا على أنه طرح المثقف العالمي الملتزم.

تباين الأدوار

إن الدور الذي يلعبه المثقفون و مدى استقلاليتهم يختلف من بلد إلى آخر و يرجع ذلك إلى الحريات الرسمية التي منحتها الدولة لأشكال التعبير الثقافي. كان ذلك يعكس مدى سيطرة المثقفين على دور النشر و المجلات الخاصة بهم و لعب الدين أيضا دورا هاما حيث أظهرت المجتمعات التي تهيمن عليها الديانات البروتستنتية و الكاثوليكية و الإسلامية مستويات مختلفة بشكل ملحوظ من التسامح لتعبير الحر عن الأفكار، كما أن للأهمية النسبية للمراكز الثقافية داخلة المجتمع تأثير بالإضافة إلى حجم الجامعات و مستوى توحيد اللغة في المجتمع.

إذا احتل المثقفون في اسبانيا و ايطاليا، على سبيل المثال، موقعا مشابها لموقف نظرائهم الفرنسيين فقد كانت هناك دول أخرى (لاسيما سويسرا و الدول الاسكندينافية) على خلاف ذلك حيث كانوا غير مرئيين نسبيا. بينما على النقيض من ذلك، في انجلترا تم استيعاب المثقفين في الغالب في النخبة الحاكمة و أيدوا إلى حد كبير القيم السائدة في المجتمع.أما في أمريكا فكافح المثقفون لإسماع صوتهم على خلفية مناهضة الفكر و الثقافة الشعبية مع وجود البعض ممن تمكنوا من تحقيق نوع من الوجود “البوهيمي” خاصة في نيويورك.

السياسة الثورية

يمكن فحص مثالين محددين بمزيد من التفصيل. في القرن التاسع عشر في روسيا أصبح مصطلح ” الأنتليجنسيا ” شائعا. كان عالمها في البداية مأخوذ بشكل شبه حصري من طبقة النبلاء و كان مقيدا للغاية حيث كان يضم قليلا من الجامعيين و الصالونات الأرستقراطية و المجلات و الدوريات الهامشية و تحدث حينها الكاتب الفيلسوف ” ألكسندر هيرزن” عن المثقفين الذين يتمتعون ” بالعبودية الخارجية و الحرية الداخلية “. بحلول منتصف القرن تغيرت طبيعة الأنتليجنسيا نتيجة لتدهور أنماط الحياة الأرستقراطية و نمو المهن الحديثة و كان هذا الجيل الجديد يجسده ” الأبناء” في الرواية الشهيرة التي كتبها ” إيفان تورغنياف ” – ” الآباء و الأبناء” عام 1862 ، الشيء الذي خلق في الستينيات و لأول مرة منظمات سرية متفرقة انتشرت و عبئت جماهير كبيرة من الفلاحين شارحة لهم طبيعة استغلالهم. أكد هذا الجيل من خلال تمجيد الشعب و إيمانهم بميلهم الطبيعي للاشتراكية على واجب المثقفين في القضاء على المجتمع القائم.

مع تغير روسيا في مطلع القرن العشرين دخل الجيل التالي عالم السياسة الثورية و مع ذلك لم يثق دائما حزب ” فلاديمير لينين” البلشفي في طبقة المثقفين. و مع ظهور النظام السوفيتي شرع في تحويل الأنتليجنسيا إلى طبقة تتقاضى راتبها من النظام و متكاملة و مندمجة مع الدولة، و نجح ذلك إلى حد كبير في تطويقها.. موازاة مع ذلك ففي فرنسا الجمهورية الثالثة حيث أنتجت العوامل المختلفة ظهور مثقفين، كمجموعة متميزة، ظهر أول تعبير كامل عما أصبح يفهم على أنه التدخل السياسي للمثقفين بصفتهم “فاعلين مستقلين”. هناك سعت الجمهورية صراحة إلى إنتاج نخبة علمانية يمكنها موازنة التأثير الرجعي للكنيسة الكاثوليكية و نتيجة لذلك عندما سعت قوى ظلما إلى سجن الضابط اليهودي ” ألفريد دريفوس” بتهمة الخيانة، تدخل كتاب مثل ” إميل زولا” و ” أناتول فرانس” و ” مارسيل بروست” باسم الحقيقة و العدالة من أجل الإفراج عنه. لقد فعلوا ذلك علنا كمثقفين يتحدثون باسم ” سلطة” مستمدة فقط من أنشطتهم الأدبية و الثقافية و العلمية و كانوا مسموعين باسم تلك السلطة المعنوية.

في قلب السياسة

استخدم المعارضون السياسيون منذ البداية كلمة ” المثقف” كمصطلح للإساءة و الإشارة إلى مجموعة من الأفراد اعتبروهم دون جذور و لا طبقات اجتماعية لهم و ” يتحدثون عن أشياء لا يفقهونها و ذات عواقب وخيمة”. قال الفيلسوف البريطاني ” برتراند راسل” في هذا السياق : ” لم أسمي نفسي مطلقا مثقف و لم يصفني أحد بذلك في حضوري و أعتقد أنه يمكن تعريف المثقف على أنه شخص يدعي أن لديه عقلا أكثر مما لديه حقا و آمل أن لا ينطبق علي ذلك..”.

غالبا ما كانت هذه الانتقادات في أوربا مشبوهة بما يعرف بمعاداة السامية العلنية و مع ذلك فإن التدخل، في مطلع القرن العشرين، للدفاع عن الضابط ” دريفوس” في فرنسا قد أسس نوعا مثاليا لما يجب أن يكون عليه المثقف. رغم ذلك فإن دور المثقفين لم يكن أبدا موضوع اتفاق، خاصة في سنوات بروزهم. استحضر عالم الاجتماع ” كارل مانهايم” صورة المثقف ” العائم” للشخص الذي كان ” دون إرساء ” و ” دون روابط” و بالتالي يمكن القول انه ” يتصرف بغض النظر من مزاعم الأيديولوجية الكاذبة و المصلحة الذاتية”.. بعد من ذلك، أعطى الكاتب الناقد ” جوليان بيندا” الرؤية أوضح و أشهر تعبير لها في نصه ” خيانة المثقفين” الصادر عام 1927.. في مواجهة صعود الفاشية و الشيوعية، أنتج ” بيندا” صورة عاطفية للمثقف، المحبوس في برج التأمل العاجي، الذي ظل فوق العالم اليومي للواقع السياسي المليء بالمرونة و الوفاق و بالتالي كانت الوظيفة الأولى للمثقف هي وضع قيم المعرفة قبل قيم العمل أو الفعل..

في استقلالية المثقف

طرحت عدة أسئلة حول هذه الصورة للمثقف المستقل.. هل هذا الوصف دقيق و وفي لدور المثقف؟ هل كانت الاستقلالية هي الهدف المنشود و الأسمى؟

لم يعتقد الماركسي الايطالي ” أنطونيو غرامشي” ذلك مفضلا بدلا من ذلك مدح ” المثقف العضوي” المستعد لإخضاع جهوده للقضية المزدوجة للطبقة العمالية و الحزب الشيوعي. من جهته عبر ” بول نيزان” عن نفس الموضوع في جوابه لدعوة ” بيندا” للاستقلالية حيث يقول أن الامتناع عن السياسة هو في حد ذاته اختيار أو موقف و بالتالي يعني ذلك الوقوف إلى جانب قوى الرأسمالية و الامبريالية.

تلقى هذا الموقف، بعد الحرب العالمية الثانية، أوضح بيان و مكانة في العقيدة ” الملتزمة” التي عبر عنها كل من ” سارتر” و ” سيمون دي بوفوار”.. بينما كان ” ماكس فيبر” قد قدم إجابة أكثر إقناعا على هذه الحجج في مقالين حيث طرح أن المهنة ( أو المهمة) السياسية للمثقف تتطلب شكلا معينا من المسؤولية الأمر الغير مناسب في عالم العلماء. و على هذا النحو، يجب على المثقف أن يطمح إلى الحفاظ على أعلى مستوى ممكن من الحياد و قبول ” حرية القيم” كهدف منشود و قابل للتحقيق.

شجب لاحقا ” رايموند آرون” ما أسماه ” أفيون المثقفين” و أعاد صياغة تمييز ” ماكس فيبر” بين ” أخلاقيات القناعة من حيث المبدأ ” و ” أخلاقيات المسؤولية” من أجل كشف عمى المثقفين أمام الأنظمة السياسية و القول أن على المثقفين تبني وضيفة أكثر تواضعا..

(مقتبس من.. موسوعة تاريخ العالم “بركشيار” – ماساتشوستس- الولايات المتحدة – الصادرة عام 2005)

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق