المجمعات السكانية الأولى: منبع الطقوس .. و الأمراض المؤدية إلى الموت المبكر

الثورة التي أحدثتها الزراعة تبعها انفجار ديمغرافي و تحتم على الإنسانية البحث عن الوسائل لإواء كل هذا العالم الصغير.

عثر علماء الآثار في منطقة ( قونية) في بلاد الأناضول الوسطى ، تركيا حاليا ، على هضاب بدت غريبة إلا أنها لم تكن سوى بقايا لأقدم تجمعات سكانية في التاريخ. منذ حوالي سبعة ألاف سنة ، عاش ما بين خمسة إلى ثمانية ألاف نسمة في ذلك الموقع المدعو (تشاتايهيوك). الاكتشافات الحفرية سمحت بمعرفة النمط المعيشي لأوائل الأناضوليين.

كانت المساكن في تشاتايهيوك متاخمة لبعضها البعض حيث لا توجد هناك ممرات و لا أزقة ، كان السكان ينتقلون من على السطوح و للدخول إلى المنازل يستعملون مداخل و سلالم في أعالي المساكن.

ثلاثة ألاف سنة بعد بداية الزراعة ، تحسنت ظروف المعيشة للإنسان شيئا فشيئا. كانت الغرف في تلك المساكن جد منظمة حيث اكتشف علماء الآثار مثلا أن الجدران قد طليت لأكثر من أربعة مئة مرة و كان بوسع كل عائلة استعمال الفرن الجماعي لطهي غذائها على كريات من الطين.

عرفت هذه المجمعات السكانية الأولى تطورا آخر تعدى مجرد ضمان المأكل و المأوى. اكتشف أنه لأول مرة في تاريخ البشرية يقوم أفراد تلك الحقبة بالإبداع في بعض الطقوس المعقدة لتبجيل و تشريف أرواح موتاهم.

في سنة 2004 ، قام علماء الآثار باستخراج هيكل امرأة شابة في حوالي العشرين سنة من العمر حين وفاتها و بقيت أسباب هذه الوفاة مجهولة و لكن أقاربها اعتنوا بوضع جمجمة أخرى مطرزة و مزخرفة و حسب المختصين فتلك الجمجمة كانت دون شك لأحد أفراد العائلة مما دفعهم الى الاستخلاص بأن هذه الجماعات كانت تمارس ما يعرف بطقوس الأسلاف.

كانت الامرأة المتوفاة تحمل عقدا مطرز بمخالب النمر لذا سميت لدى علماء الآثار (الامرأة النمر) و بقى التساؤل حول سبب وفاتها و هي في ريعان شبابها. كان معدل العمر لا يتعدى في تشاتايهيوك أربعة و ثلاثون سنة بالنسبة للرجال و تسعة و عشرون سنة بالنسبة للنساء ، رغم أن هذه المجموعة البشرية كانت لديها كل الموارد للعيش أطول من ذلك.

تساءل الباحثون لماذا كانوا يموتون في سن مبكر؟ الحقيقة أن العيش في مجتمع مغلق أظهر مخاطر جديدة تتمثل في عواقب احتكاك دائم و التقارب المفرط، الوضع الذي سهل بطريقة أو بأخرى انتقال الأمراض. لقد كان السكان يذهبون ضحايا الفيروسات كالزكام التي كانت تنتقل إليهم من الحيوانات التي تعيش بجوارهم. نفس الظاهرة حدثت بطريقة عكسية حيث انتقل مرض كالربو من الإنسان إلى الحيوان لينتشر بعد ذلك في ربوع الأرض.

اذا كان الباحثون لا يعلمون السبب الحقيقي لوفاة الامرأة النمر فعلماء الآثار مقتنعون بأن بعض أسلافنا كانوا ضحايا تطور البشرية، و رغم ذلك ، و حتى بوجود الأمراض ، فالتكاثر و النمو الديمغرافي واصل تطوره في صيرورة الملحمة الإنسانية.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق