المعجزة الاسبانية وحركة ” موفيدا ” (1975): أو الانتقال السلس من الديكتاتورية الى الديمقراطية

توفي فرانكو بعد معانة طويلة مع المرض يوم 20 نوفمبر 1975.. لا أحد كان يتخيل يومها أن الديمقراطية ستخلف بسهولة في اسبانيا نظاما أصبح مع مرور الأعوام الديكتاتورية الأطول عمرا والأحسن تنظيما. كل الملاحظين في مدريد كانوا يظنون يومها أن النظام الجديد سيعيش وقتا قصيرا على غرار الانفجار الثوري المشابه الذي أزاح سنة من قبل ” مارشيلوكايتانو ” خليفة ‘ سالازار ” في البرتغال.

غير أنه لا شيء من هذا القبيل حدث.. الحقيقة وفي وقت قياسي، أقل من سنتين، أصبحت اسبانيا ديمقراطية برلمانية متوازنة فتحت المجال لكل الأحزاب السياسية وأصبحت الحياة الاجتماعية يدب فيها السلم ونشاط ثقافي ليس له نظير منذ بداية القرن العشرين. هذه المرحلة المثمرة سميت بسرعة بالإسبانية ” موفيدا ” أي الحركية أو التغيير. اعتبرت هذه الحركة في مدريد وفي أوروبا بأكملها وكأنها حتمية تاريخية.

من هنا، فان هذه الرواية الأكثر تفاؤلية مما عرفه القرن العشرين وخاصة بعد المأساة الكبيرة التي عاشها الشعب الاسباني أربعون سنة من قبل، خلال الحرب الأهلية، تستوقفنا لتذكرنا بأنه حتما مثل الكوارث فسعادة الشعوب ليست مستقلة عن الحركة الواعية وجهود الرجال.

نفس الشيء حدث في اسبانيا عام 1945 عندما ولا أحد كان يفكر بأن ديكتاتورية الجنرال ” فرانسيسكو فرانكو”، والتي ولدت من رحم الحرب الأهلية وبمساعد إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية، قد تعيش أكثر من بعض الشهور.. ثلاثين سنة بعد ذلك بقي فرانكو حاكما متسلطا ودون منازع. هنا نستطرد في شرح الظروف التي ولدت هذه ” المعجزة ” التعيسة بالنسبة للشعب الاسباني.

لماذا دام حكم فرانكو طويلا ؟..أولا، على الصعيد الداخلي، ففرانكو سير أمور دولته بكل حزم وكان دون رحمة اتجاه أعداءه وذلك بقتل كل الشيوعيين والفوضويين داخل سجونه حتى عام 1945. بعد تلك الفترة، لم يتردد في تطبيق حكم الإعدام على الزعماء الذين كانوا ينشطون في سرية مثل الشيوعي ” خوليان غريماو ” في 1963 والمناضل الفوضوي الكتالوني ” بيخانتيك ” في بداية السبعينات، ضف الى ذلك بوليس سياسي متواجد في كل مكان للإطاحة بأي محاولة أو مناورة داخل التراب الاسباني.

من الناحية الخارجية، استطاع فرانكو منذ 1948 أن يغري الأمريكيين بدخوله، حتى و ان كان ذلك من الباب الضيق، في التحاف الأطلسي.. ففتح الأراضي الاسبانية للقواعد البحرية والجوية الأمريكية حيث رسم هذا ” الزواج ” المعلن ودون غبار مع الحماية الأمريكية دورا جديدا له على اعتباره السد المنيع ضد الشيوعية.

على أساس هذه المعادلة المستقرة عرف فرانكو، بثقل تدخل الدولة في كل المجالات، كيف يبعث انطلاقة اقتصادية حقيقية في بلد يمتلك قوة عاملة مؤهلة نسبيا وأجور منخفضة وانعدام النقابات وسوق محلية معتبرة. هذا التطور الصناعي المتين سمح للديكتاتورية أن تعيش نوع من الاستقرار طالما كان النمو الشيء الذي مكن من إعادة تكوين طبقة متوسطة في المجتمع الاسباني.

شروخ في نظام فرانكو

لم تكن أولى هذه الشروخ سوى الوجه الآخر للعملة كما يقال، لأنه اذا كان التطور الاقتصادي قد قضى شيئا فشيئا على أي تطلع لتغيير جذري في الموازاة مع ذلك فتت من الداخل منطق الديكتاتورية ذاتها.. كل الروح العامة للبلد تطورت، جيل جديد من أبناء الثوار لسنوات الثلاثينات أصبح يعيش تحت وطأة الخوف من العودة الى الحرب الأهلية.

يقول المحللون أنه على هذه الأسس ومن منطلقات مغايرة فرضت رغبة موحدة لكل الأطراف، فرانكيون وشيوعيون، وهي الخروج من تناحر الماضي.. ” خوان كارلوس ” سيعرف كيف يجسد في شخصيته هذا الحلم الموحد.

منذ نهاية الستينات، كان بالإمكان ملاحظة هذا التطور لدى الجمهوريين في المهجر. نفس الشيء لدى الشيوعيين الاسبان الذين استقبلوا بارتياح حملة ” محو الستالينية ” التي قام بها ” خروتشوف ” في الاتحاد السوفياتي بداية من عام 1956، الشيء الذي فتح الطريق أمام التيار الإصلاحي في الداخل ، الذي حاربوه في البداية وكان هذا الأخير يقوده المناضل ” فرناندو كلودينو ” و ” خورخي سامبران “، فتحتم على قادة الحزب الشيوعي الاسباني ” دولوريسايباروري ” و ” سانتياغو كاريو ” القيام بالقفزة السياسية في 1968 عندما نددوا بشجاعة إيقاف ” ربيع براغ ” في تشيكوسلوفاكيا ( سنتحدث عنه في مقام آخر) من طرف السوفييت.. هنا أصبح الحزب الشيوعي الاسباني في نفس التيار الإصلاحي للشيوعيين الإيطاليين الذين ينادون بالمصالحة الوطنية.

نفس التطور حدث في معسكر الوطنيين حيث نتج عن انفتاح اسبانيا على أوروبا اضعاف الأفكار الديكتاتورية.. السياحة الشعبية وانتصار الديمقراطيات المسيحية في ألمانيا الغربية وإيطاليا فعلوا الباقي.

يضيف المحللين الى كل هذا المعارضة الداخلية لأرباب العمل الشباب الذين ينتمون الى النظام أصبحوا أكثر راديكالية.. اقتنع كل من ” أدولفوسوارس” والقائد الصناعي ” بيو كابانياسي ” وابن بطل الكتائب ( خلال الحرب الأهلية) ” ليوبولدوكالفوساتيلو” بحتمية قطيعة ديمقراطية والانحياز الى أوروبا وذلك في قلب النظام نفسه.

تفكك الديكتاتورية المتقطع بنزوات اضطهادية، مثل محاكمة الباسك عام 1970، ولد خليط قابل للانفجار بالنسبة لنظام كان بعمر قائده : متجبر و حتى مدلل.. فلم يبقى سوى وجود الفتيل وهو وعد أعطاه فرانكو لغريمه، ولي العهد ” دون خوان ” سنة 1949 كي يضمن بصفة نهائية دعم الغرب.

الهزات التي تلت

انطلاقا من عام 1942، ولي العهد ” دون خوان “، الابن الأكبر ” لألفونس الثامن ” والذي حتى هذا التاريخ تحلى بنوع من الحياد اتجاه النظام فرانكو، بدأ وبتناسق مع واشنطن ولندن يلعب ورقة المملكة الدستورية الديمقراطية لما بعد الحرب العالمية الثانية.. لكن في 1945 ( مع نهاية الحرب) رأى الأنجلوسكسون أن هذه الاستراتيجية تحوي مخاطر العودة الى الحرب الأهلية وخاصة مع القوة التي كان يتحلى بها الحزب الشيوعي الاسباني.

باستغناء حلفاءه عنه كان ” دون خوان ” مجبر على الاعتراف بهزيمته واقتنع أنه لن يكون أبدا ملكا على اسبانيا. لكن انتصار فرانكو لم يكن في حد ذاته تاما. هذا الأخير هو كذلك كان مجبرا على قبول حل وسطي و المتمثل في الوعد بأن اسبانيا بعد نهاية حكمه ستعود الى ” بيت البوربون ” ( العائلة الملكية) . هنا استسلم ” دون خوان ” لفائدة ابنه ” خوان كارلوس ” والذي كان فرانكو قد انتزعه من والده ليتربى تحت مراقبته الشخصية في المدارس العسكرية الاسبانية تحضيرا للنظام الجديد.

غير أنه، حسب المؤرخون، لوحظ لدى ” خوان كارلوس ” أن الموروث أكثر قوة من المدروس، ان صح التعبير.. مباشرة بعد اعتلاءه العرش كملك لإسبانيا غداة مراسيم دفن كبيرة لفرانكو طبق ” خوان كارلوس ” حرفيا برنامج والده المبلور عام 1946 والمتمثل في ترسيم نظام ملكي برلماني..هنا بدأت حركة ” موفيدا”.

حركة ” موفيدا”

يقول المؤرخون أن النجاح السريع للبرنامج الديمقراطي يعود الى تحالف أو لنقل تجانس ثلاث شخصيات محورية في النظام الجديد : الملك بطبيعة الحال و القائد الشاب للإصلاحيين ” أدولفوسواريس ” الذي عينه منذ البداية الملك في منصب الوزير الأول و الأمين العام للحزب الشيوعي ” سانتياغو كاريو”.. هذا الأخير الذي تحمل العبء الأكبر وبشجاعة خارقة متحديا السوفييت والمعارضة الداخلية حيث ندد، دون تردد، استراتيجية الاستيلاء على الحكم العنيفة للشيوعيين البرتغاليين منذ 1975، متحديا كذلك بوليس فرانكو عندما قرر ببساطة الدخول من المنفى للقيام بمؤتمر صحفي في مدريد وحزبه لم يكن قانونيا بعد.

رغم ذلك فالقوى السياسية الأساسية التي اتخذت المنعرج الكبير في تاريخ اسبانيا لم تكن تلك التي كان منتظر منها أن تلعب دورا في المنطق الظاهري.. انه نحو الأحزاب الجديدة أين اتجه الشعب الاسباني لكي يقرر أن يحكم ” وسطيا ” وذلك منذ الانتخابات العامة لجوان 1977. اليسار عبر عن اتجاهه الجديد برفع المحامي الأندلسي الشاب ” فيليبيغونزالس ” على حساب الشيوعيين، بينما اتحاد الوسط الديمقراطي للوزير الأول ” أدولفوسواريس ” حافظ على نفس التعبأة المبدئية التي كانت لديه. اجمالا، الهيئة الناخبة لم تختر في الأخير أحزابا معينة بل اختارت مرورا سلسا الى الديمقراطية على النمط الأوروبي.

هذا التغيير السياسي اصطحبته، من جهة أخرى، نقلة ثقافية كبيرة اتسمت بنوع من الابتهاج واللامبالاة الشبابية جسدت مظاهرها خاصة في أفلام المخرج الكبير ” بيدروألمودوفار”.

رغم كل ما سبق فلقد كانت هناك بعض الهزات وكأنها ارادت أن تذكر الشعب الاسباني، من حين الى آخر، بأن التحول الديمقراطي لم يكن عفويا بل كان نتيجة لعدة مخاوف.

اذا كانت كاتالونيا القوية وذات الاتجاه الأوروبي منذ القدم قد دخلت بسهولة في المعادلة الجديدة بمأن الملك أعاد بسط النظام الجمهوري للحكم الداخلي لعام 1931 في هذه المنطقة، لم يكن نفس الحال بالنسبة لمنطقة الباسك التي شهدت مواجهات عنيفة بمجرد اشتعال الرغبات الاستقلالية مع ترسيم الحريات.

بداية العنف الباسكي خلق جوا ملئه الرغبة في الثأر من المؤسسة الأكثر وفاءا لفرانكو في الجيش وهي جهاز الدرك. لكن بعيدا أن تنتهي بأحداث دامية كان انشقاق الجنرال ” ميلانس دال بوسكي” و مساعده ” تيهيرو” في 1980 يشبه تمثيلية هزلية.. حجز الرهائن في ” كورتيز ” ( البرلمان الاسباني) انتهى دون سقوط أي ضحية فأكملت هذه الحادثة آخر عبث في اللوحة الفرانكية لكنها من جهة أخرى عززت بصفة نهائية النظام الملكي الوسطي لخوان كارلوس. هنا انتهت الحرب بصفة نهائية.

بهذه المعجزة السلمية التي تلت أبشع حرب أهلية في القرن العشين في أوروبا استطاعت اسبانيا أن تبهر العالم بأكمله.. عشرة سنوات بعد ذلك جاء دور أوروبا الشرقية كي تنساق في سيرورة التغيير السياسي السلمي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق