المنعرج الحاسم في تاريخ الولايات المتحدة: كيف سارت أمريكا وراء روزفلت 

انتخب المرشح الديمقراطي ” فرانكلين ديلانو روزفلت” رئيسا للولايات المتحدة ضد المرشح الجمهوري المحافظ “هربرت هوفر” في ذروة أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل والناجمة عن الانهيار المالي لعام 1929.. ظهر حينها هذا انتصار وكأنه انتفاضة للرأي العام الأمريكي لمعاقبة الفريق المنتهية عهدته والذي لم يكن قادرا على مواجهة الأزمة بنجاعة.

بعد أربعة سنوات، في عام 1936، استفاد روزفلت من إعادة انتخاب هائلة، أكثر من 60 بالمئة من الأمريكيين التفوا حول سياسته لإعادة البناء الاقتصادي والاجتماعي وانعاشهما والتي عرفت باسم ” الصفقة الجديدة” (نيو ديل).. انطلق مباشرة روزفلت بعد هذا الانتصار الكبير في تحويل أو لنقل تغيير المجتمع الأمريكي وسياسته. حدوث هذا الانقلاب جعل من أمريكا الصورة التي تجسد في عيون العالم البديل الديمقراطي الحقيقي عوض الأنظمة الديكتاتورية لأوروبا القديمة وآسيا آنذاك. هذا المقام سيقودها حتما الى حرب مع هذه الأنظمة (ألمانيا و اليابان) والتي ستفوز عليهما بشكل واضح عام 1945.

لفهم هذه الثورة الديمقراطية العالمية يجب الرجوع الى ذلك الانتصار الاستراتيجي لسياسة روزفلت الذي حدث سنة 1936، الانتصار الذي سيتحكم في كل شيء ومرجعه في شخصية ديلانو روزفلت نفسه.

المرشح ديلاون روزفلت

في المنطلق كان اسمه مشهورا بفضل ابن عمه ” تيودور روزفلت” رئيس الولايات المتحدة من عام 1901 الى 1909، وكانت حياته المهنية تشبه تلك لقريبه حيث كان وزيرا للبحرية مثله، ومرة أخرى سينتخب حاكما لولاية نيويورك ويقوم ببناء صداقات مع النقابات العمالية وأخيرا كان عليه أن يقاوم صحته المتدهورة، الشلل، الذي أصابه في سن متقدم، عام 1921. كان على ديلانو أن يصنع اسما لنفسه والطريقة المثلى لذلك هي اختياره للحزب الديمقراطي عندما سيطر “تيودور” على الحزب الجمهوري في عصره الذهبي.

لكن من الصحيح أيضا القول بأن وضع أمريكا في عام 1932 لم يكن مشابها بالذي عرفه ” تيودور” في زمانه، كان ببساطة كارثيا.. انهار النظام المالي منذ ثلاث سنوات، البنوك تعاني من الإفلاس، انكماش اقتصادي، انخفاض اسعار الأرباح والنشاط الاقتصادي، كل هذا كان يتفاقم ساعة بساعة.. في الخلاصة لم يعد هذا الإفلاس فشل رجل، ” هوفر” أو سياسة من خلال الحزب الجمهوري وشعاره “دعه يعمل ” بل افلاس نظام بأكمله.

النقد الحاد الذي وجهه فرنكلين روزفلت سمح للغاضبين بالتعبير عن رأيهم دون أن ينجروا في ثورة شمولية بنفس النمط الذي شهدته ألمانيا في نفس الوقت. استفاد الرئيس الأمريكي الجديد عند وصوله الى السلطة بتفويض واسع لتغيير المجتمع الأمريكي بصفة جذرية.. ماذا فعل؟

فك الأزمة في صميم البرنامج

أخذ منذ البداية روزفلت خيار لإعادة الثقة للمستثمرين والمستهلكين على حد سواء، لن يكون لنشاطه الهائل في كثير من الأحيان نتائج عملاقة لكنه في العديد من القطاعات استطاع توقيف الكارثة وإعادة الهيكل العام لنشاطها : قوانين حول المساعدات للفلاحة لدعم أسعارها، تنفيذ مشاريع رئيسية في الأشغال العمومية وتدخل مباشر للدولة في الاقتصاد وأخيرا خفض قيمة الدولار لتحرير الاقتصاد من الاختناق الذي تفرضه أسعار الفائدة المرتفعة جدا.. هذه الإجراءات كلها صبت في اتجاه نشاط أكبر للدولة الأمريكية والتي لم يسبق لها مثيل في تاريخها.

في المنتصف الثاني من عام 1933 يبدأ الانتعاش على الرغم أنه لم يكون نتيجة المضاربة المعتادة والذي ولد شعور لدى الرأي العام أن السلطات نفذت كل ما يمكنها تعبأته وبالأخص أنها قامت بتقسيم عبء الأزمة بشكل عادل بين الرأسماليين والأجراء والفلاحين، لخصت هذه السياسة في عبارة ” الصفقة الجديدة “، عقد جديد بين الشعب الأمريكي وجمهوريته تم انجازه على أرض الواقع.

في الوقت نفسه واجهت سياسة ” الصفقة الجديدة” معارضة شديدة من القوى المحافظة. هذه الأخيرة ألقت باللوم على روزفلت متهمة إياه بممارسة اشتراكية زاحفة الهدف منها في النهاية قتل حرية المؤسسة الاقتصادية الخاصة. كان لهذا الجناح دعم من طرف قضاة المحكمة العليا الرجعيين الذين قاموا بإلغاء، في أواخر عام 1935 وأوائل 1936 قانونين من أهم قوانين ” الصفقة الجديدة” وهما ” قانون التعديل الفلاحي” و ” قانون الأشغال الكبرى”. لكل هذا كانت انتخابات سنه 1936 بمثابة مواجهة غير مسبوقة بين التيار المحافظ والحركة الجديدة لأول مرة منذ ” أبراهام لنكون ” عام 1860.

إعادة انتخاب روزفلت

لم تكن المعارضة ضد سياسة روزفلت في انتخابات عام 1936 تشمل الجمهوريين المحافظين فحسب بل كذلك العديد من الديمقراطيين من الولايات الجنوبية المشجعين للاقتصاد الحر والعزلة التقليدية الذين كانوا يشعرون بالقلق من معارضة الرئيس الواضحة للفاشية في أوروبا.

في مواجهة هذا الجناح نجد الشيوعيين وأغلبية الاشتراكيين الأمريكيين الذين كانوا في أوج تأثيرهم النضالي حينها بالإضافة الى النقابات العمالية وجمعيات الفلاحين دون أن ننسى الجمهوريين التقدميين مثل عمدة نيويورك ” لاغوارديا “. لم يكن للماركسية جذور عميقة في الولايات المتحدة لكن كان لديها أتباع في نيويورك وكاليفورنيا وفي الجامعات والمصانع. يقول المؤرخون انها ان عزلت بمفردها في تلك الفترة فهذه الحركات اليسارية كانت عاجزة نسبيا لكنها عندما أدمجت في ديناميكية روزفلت أعطت نفسا قويا وضخت قوة كبيرة في حملة إعادة انتخاب الرئيس.

بينما كان هتلر و موسوليني ينتصران في الجانب الآخر من المحيط وكانت تنهار الديمقراطيات المحافظة القديمة في أوروبا، كان الأمريكيون يفتخرون برئيسهم الذي استطاع أن يعيد ابتكار نموذج أصلي للديمقراطية.. هذا الخليط “الكيميائي” بين دولة فدرالية اصلاحية و نواة من المتشددين الكلاسيكيين سيؤدي الى ردة فعل مذهلة من الطبقة العاملة التي استعادت الثقة بتراجع البطالة تدريجيا. تقاعس النقابة التقليدية أمام الأزمة جعلها تفقد نفوذها وأدى ذلك الى ميلاد في جناحها اليساري منظمة نقابية جديدة التي سميت ” لجنة التنظيم الصناعي” . متحفزة بحملة روزفلت وتنادي أنها منه، ستنطلق هذه النقابة ابتداء من ربيع 1936 في هجوم غير عادي في قطاع الصناعات الثقيلة والذي وصل قمته مع الاضراب الكبير مع احتلال مصانع السيارات في منطقة ” ديترويت “، كانت لحظة حراك نقابي لم تشهده أمريكا من قبل.. حتى هوليوود ركبت بدورها هذه الموجة من خلال دخول ممثليها لفدرالية السنيما.

للتوضيح، فخلال الاضطرابات الكبرى لعام 1936 لم يكن هدف العمال تغيير النظام الأمريكي بل كانوا ينادون بإصلاحات فقط وهم مدعومون بالأغلبية الكبرى في الراي العام ودعم الرئيس الضمني. ففي نوفمبر من نفس السنة تم إعادة انتخاب روزفلت بالأغلبية ( 28 مليون صوت تقريبا) وهو ما يمثل 60،80 بالمئة.

في أعقاب هذا الانتصار انتقل محور السياسة الأمريكية مباشرة الى اليسار وكأن العمال أرادوا أن تدفع الطبقة التي حكمت من قبل ثمن الأزمة المالية. أرجع العديد من الملاحظين الفضل الى روزفلت في كونه استطاع بمشروعه دمج في حزب تقدمي كل مكونات أغلبيته الجديدة وبالتالي القيام بهجوم جديد على قلعة المحافظين وكذا المحكمة العليا التي احتمى بها اليمين، الخاسر الأكبر. رغم ذلك فلن يكون هناك شيء كبير سيحدث بعد عام 1936 فعلى العكس هدأت إصلاحات الرئيس.

تعثر وتيرة الإصلاحات

حاول دون شك روزفلت على مدى عام 1937 عدم الاعتراف ببعض صلاحيات المحكمة العليا التي ألغت قوانينه الأساسية لكنه منع من الاستمرار في اصلاحاته بسبب سياق جديد لظاهرتين : صعود التوترات الدولية طيلة عام 1937 و انهيار الاقتصاد الأمريكي في عام 1938.

الاعتداء الياباني على الصين في جويليا 1937 زعزع استقرار النظام الدولي برمته في المحيط الهادي.. ذهب حينها روزفلت الى أبعد حد ممكنه له للضغط على الإمبراطورية اليابانية الصاعدة عندما سمح للجنرال ” جو ستيوال ” ووحدة عسكرية جوية ” النمور الطائرة ” بالمشاركة في الحرب مع الجانب الصيني، لكن مواجهته لهتلر وموسوليني ستكون أكثر تعقيد فيما بعد.

لتحقيق أهداف سياسته الخارجية الجديدة كان عليه تغيير تحالفاته داخليا.. الحقيقة أن جزءا كبيرا من اليسار الأمريكي كان في الواقع مسالما ويفضل أمريكا بعزلتها. في المقابل جزء من اليمين كان قلقا ومتلهفا لبسط قوة البلد في مناهضته للفاشية وبالتالي كان عليه لربح هذا الجناح أن يستغني عن إصلاح المحكمة العليا.

في سياق آخر، فان الأزمة الاقتصادية التي عاشها البلد مباشرة في عام 1938 أكملت في إيقاف سياسته الداخلية وأجبرته على التوقف والتريث في زمن حدوث أكبر التوترات الأوروبية. ومن عجيب المفارقات هنا أنه سيكون من الضروري انعاش الاقتصاد بتصاعد وتعزيز من طرف زيادات الطلبات العسكرية ابتداء من السداسي الثاني لعام 1939 الشيء الذي فتح المجال من جديد ونطاق أوسع لتحركات الرئيس على الجبهة الداخلية.

دون الغوص في التفاصيل يمكن تلخيص الوضع بالقول أنه رغم الطابع العشوائي الذي اتسمت به سياسة حل الأزمة الداخلية والدبلوماسية المناهضة للفاشية فروزفلت كان قد انتصر بحلول عام 1936 على أمريكا المحافظة حيث خلال هذا العام بذاته تم بناء المؤسسات ووضع الرجال الذين سيشيدون أمريكا المعاصرة.

نستخلص من كل ما سبق ان هذه الديمقراطية الاجتماعية على النمط الأمريكي ستجعل من الولايات المتحدة أكبر قوة في العالم ويمكننا المجازفة بالقول كذلك أنه في عام 1936 كان هتلر قد خسر المنازلة لأنه لو لم يتم إعادة انتخاب روزفلت لن تكون أمريكا قادرة على محاربة النازية وحلفاءها.

انها أمريكا هذه التي استعادت توازنها بعد الأزمة المالية العالمية لسنة 1929 والتي فازت بالحرب العالمية الثانية وهي التي ستفوز كذلك بالحرب الباردة عقود بعد ذلك.. نيويورك، عاصمتها الحقيقية بنقاباتها وجامعاتها الكبيرة وحكومتها الفدرالية، استطاعت أن تفرض من جهتها التوازن بين السلطة والمال.. سيتطلب الأمر ما لا يقل عن حرب مع فيتنام وتضخم اقتصادي كبير الذي شهدته سنوات الستينيات لتوقيف، شيئا فشيئا، هذا المنطق الديمقراطي لإصلاحات روزفلت, لكن مجمل القول هو أن ثلاثين سنة من الاستقرار في قلب القرن العشرين كانت في حد ذاتها كثيرة وكافية لضمان مستقبل الحرية في بلد لازال يريد اقناع العالم أنه موطن الحرية.. تلك رواية واشكالية أخرى.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق