الوندال في شمال إفريقيا: عصر الاضطرابات

يقال أن زمنهم  في القرن الخامس كان زمن الفوضى و الغزوات العنيفة. الوندال هم شعوب غادرت بحر البلطيق ليستقروا في بادئ الأمر على طول نهر الراين الأوسط، أجبروا الدفاعات الرومانية على التراجع و نهبوا “غاليا” (فرنسا حاليا) و دخلوا شبه الجزيرة الأيبيرية (اسبانيا). تقول السجلات التاريخية أن قبائل الوندال الجرمانية انقسمت إلى مجموعتين تعرفان باسم ” سيالنغ” و ” هاستنغز” و تم القضاء على الأولى من قبل القوط الغربيين بينما تراجعت المجموعة الثانية إلى جنوب اسبانيا و هزمت الروم في كل من اشبيليا و قرطاجنة اللتان استولت عليهما، و أصبحوا بعد ذلك سادة غرب البحر الأبيض المتوسط و جزر الباليار و كل اسبانيا تقريبا.

زمن الغزوات

توفي ” جوندريك” ملك “الهاستغنز” قبل أن يحقق أعز أمنياته و المتمثلة في غزو إفريقيا التي كان يعلم أنها تعيش عدم استقرار و في فوضى كبيرة. ابنه ” جنسريك” (أو جنسريق) هو الذي سينفذ المهمة التي حددها والده و يحقق ذلك بفضل الجيش الذي أصبح قائده و شعبه الذي سار وراءه. يتحدث التاريخ عن فضائع حدثت على طول الطريق البري الذي اجتازه الوندال في غزوهم لشمال إفريقيا من مذابح للكهول و الأطفال و الأساقفة و حرق للكنائس و تدمير للمحاصيل. حينها لم تكن الإمبراطورية الرومانية المتهالكة قادرة على صد تلك الهجمات بسبب نقص الوسائل على الأراضي الإفريقية. هكذا وصل الوندال إلى نوميديا بعدما عبروا ” موريطنية الطنجية” (المغرب حاليا) و “موريطنية القيصرية” (الغرب الجزائري حاليا) و “موريطنية سيتيفينيس أو السطايفية”، ثم حاصروا ” هيبون” (عنابة القديمة لمدة أربعة عشر شهرا دون توقف)، و يقال أن القديس “أوغسطينوس” الذي كان مريضا حينها قد توفي في هيبون خلال ذلك الحصار.

احتلال تحت السيادة الرومانية

فشل الجيش الروماني المدعوم بجيش أرسلته القسطنطينية البيزنطية في هزيمة جيش الوندال. كان هؤلاء غير قادرين على الاستعلاء على مدن مثل قرطاج و هيبون و سيرتا التي كانت في أيدي الرومان مع ذلك فإنهم بقوا سادة على معظم الأراضي النوميدية. في 11 فيفري 435 منحت “هيبون” الوندال مكانة “شعب متحد مع الإمبراطورية” مقابل جزية صغيرة و بذلك دخلوا في خدمة الإمبراطورية الرومانية و سمح لهم باحتلال الموريطنيات الثلاث و جزء من نوميديا بما في ذلك ” كالاما” (قالمة).

اعترف ” جنسريك” بسيادة روما التي أرسل إليها رهائن كضمان و بالضبط إلى ” رافينا” مدينة في ايطاليا بالقرب من بحر الأدرياتيكي و التي أصبحت حينها مركز الإمبراطورية الرومانية تحت حكم الإمبراطور ” هونوريوس”. كان ابن ملك الوندال ضمن أول قافلة من الرهائن و بفضل “جنسريك”، الذي كان دبلوماسيا بارعا بقدر ما كان جنرالا ماهرا، عاد نجله بعد بضع سنوات مما سمح له بخرق الاتفاق الذي يربطه مع روما و مهاجمة قرطاج و سيرتا. و بمجرد أن أصبح سيدا على هذه المدن أنشأ “جنسريك” ما يسمى ب ” مملكة الوندال الافريقية” التي امتدت على المقاطعة “البروقنصلية” و إقليم طرابلس و نوميديا. استمرت روما في السيطرة على الموريطنيات الثلاث باستثناء المضيق بين اسبانيا و إفريقيا. في ذلك الوقت أنشأت سلسلة من المماليك البربرية مستقلة بشكل أو بآخر و استمرت حتى القرن السابع. لم يكن لدى “جنسريك” جيش قوي فحسب بل كان لديه كذلك أسطول أقوى بحيث لم يعد بوسع البحرية الغربية الوقوف أمامه.   نسبت الأراضي الغنية و الكبيرة إلى ابني جنسريك : ” هونريك” و ” جينسون” و تم تجريد السكان الأصليين من أراضيهم التي تقاسمها شعب الوندال.  أعفي الملاك الجدد من الجزية و احتفظ بعض الأفارقة بقلة من الأراضي التي كانت أقل خصوبة و إنتاجية لكنها كانت خاضعة للضريبة. و استمر البربر الرومانيين، في الواقع معظم سكان مدن شمال افريقيا، في العيش نفس نمط الحياة كما كان الأمر أيام الرومان.

انتصر الجنرال الروماني ” فلافيوس أيتيوس” عام 451 على ” أتيلا” ملك الهون في ساحات القتال الكتالونية، و على الرغم من ذلك الانتصار قام الإمبراطور ” فالنتينيان الثالث” باغتياله خوفا على عرشه المهدد و ردا على ذلك قام أتباع ” أيتيوس” بقتل الإمبراطور.. استفاد ” جنسريك” من الاضطرابات التي تجلت في معظم الإمبراطورية بعد هذا الاغتيال و انتصر تدريجيا على الرومان.

جنسريك سيد افريقيا و العالم الغربي

يقوم “جنسريك” بغزو روما بعد أن قام أسطول الوندال بإنزال جيشه في ايطاليا. نقلت السفن الغنائم و العديد من الأسرى في أيدي الوندال و البربر الذين شاركوا في الغزوة. و هو سيد البحر الأبيض المتوسط استولى ملك الوندال على موريطنتين و تحتم على قادتهما إعلان الخضوع و قام على الفور بضمهما في بعثاته ووزع عليهما جزءا كبيرا من الغنائم. باستثناء دفاعات قرطاج، هدمت جميع تحصينات المدن من قبل “جنسريك” لمنعها من أن تتحول إلى بؤر مقاومة للرومان و البربر المتمردين. على عكس الرومان لم يحكم الوندال المقاطعات القديمة داخل الموريطنيات الثلاث بل كانوا يكتفون بمراقبتها بشكل متقطع فقط.

أراد الإمبراطور الغرب ” ماجوريان” كسر قوة الوندال فقام بتسليح أسطول يضم أكثر من 300 سفينة لكنه فشل في مسعاه أمام “جنسريك” باعتباره دبلوماسيا محنك. فمن خلال الهدنة استولى على معظم السفن الغربية و تحالف مع قائد جيشي “غاليا” و ملك القوط الغربيين بالتالي واصل نهبه لايطاليا و شل التجارة المتوسطية.

الاستيعاب اللاتيني للوندال

في غياب ممارسة طويلة في التدوين و التشريع بشكل خاص استخدم الوندال اللاتينية في كتاباتهم كما كان هناك بداية للاستيعاب الثقافي حيث تم استخدام لغة الوندال فقط لممارسة العبادة و الطقوس الآريوسية. تعلم الجرمان العيش على النمط الروماني و استقروا في المساكن الفاخرة و الثرية و لبسوا نفس أنواع الأزياء الرومانية و انغمسوا في المدن في التمتع بالمسرح و السيرك. من جهة أخرى اعتمدت الكنيسة الآريوسية على الملك الذي عين الأساقفة و جميع رجال الدين و أعطيت لهذه الكنيسة كل الممتلكات المصادرة من الكنيسة الكاثوليكية.

كان “جنسريك” في أوج قوته و كانت إمبراطوريات الشرق و الغرب تنهاران، اعترف الإمبراطور البزنطي ” زينون” بموجب معاهدة لملك الوندال بجميع حقوقه على إفريقيا و كورسيكا و صقلية و سردينيا و جزر البليار و جزيرة ” أيشيا” عند مدخل خليج نابولي. وصل “جنسريك” إلى نهاية حياته التي ودعها في 24 جانفي 477 دون خليفة من مقامه, كان ابنه ” هونريك” طاغية متعصب للآريانية إلى أقصى الحدود، فحبس أو أحرق أولائك الذين عارضوه و عذب كل من المسيحيين و البربر الذين اضطروا لاعتناق المسيحية. بلغ الاضطهاد ذروته عندما اجتاحه الطاعون في ديسمبر 484 ليخلفه اثنان من أبناء أخيه ثم ابنه، على التوالي.

كان الأول ” غونتاموند” قد تحصل منذ توليهه الملك على أن الكاثوليك لن ينجروا في التآمر ضده إلى جانب الإمبراطورية الرومانية، فكان متسامحا إلى حد ما و سمح بإعادة فتح الكنائس. من جهته طور ابن الأخ الثاني الذي خلفه ” ترازاموند” الأذواق الفكرية لرعاياه فزينت قرطاج، لكن سلطته على البربر ضعفت..فهاجمته قبائل جبال الأوراس و دمرت مدنه بعدما أفرغت من سكانها و هكذا أصبحت تبسة و تيمقاد و القصر و باغاي و لامبيز مدنا ميتة.

نهاية هيمنة الوندال

بعد مرور قرن منذ أن شن الوندال حربهم على شمال إفريقيا في كل الموريطنيات تطورت دول صغيرة مستقلة و كان البربر و الرومان قد ألفوا العيش جنبا إلى جنب تحت سلطة الملك، تقوم قبائل قادمة من طرابلس بقيادة ” كابون” بتدمير جيش الوندال و أضعفته بشكل تدريجي.

توفي ” ترازاموند” في عام 523 و حل محله نجل “هونريك” المسمى ” هيلدريك” الذي كان رجلا عجوزا و يقال أنه عاش 40 عاما في قسطنطينية في بلاط الإمبراطور و كانت تربطه علاقة حميمية ب “جستنيان” الإمبراطور المستقبلي. و بعدما هزم الوندال في معركة ضارية من قبل السكان الأصليين، أسياد المريطنيات الثلاث و اشتبه شعبه أنه بصدد تسليم إفريقيا للإمبراطور البيزنطي، يقوم جيش الوندال بعزل ” هيلدريك”.. و في عام 530 استولى “جيلمار” حفيد “جنسريك”  على السلطة و فضل خرق السلام على الوصاية البيزنطية التي اقترحها ” جستنيان”.

تعامل “جستنيان” دبلوماسيا مع الفرس الذين كان جيشه يقاتل ضدهم و قرر استعادة إفريقيا من الوندال بشكل نهائي. يقوم بتعيين الجنرال البيزنطي ” بيليساريوس” الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة بين جنوده لقيادة الحملة العسكرية على الوندال. فيقوم ” بيليساريوس” بواسطة الأسطول البيزنطي بنقل جيش من 16 ألف رجل من بينهم ألف مقاتل من الهون و الهيرول و يتم الإنزال في ” رأس كابودية” متفاديا الدخول و المواجهة المباشرة في قرطاج التي كانت محمية بشكل جيد من طرف الوندال.

هزم جيش الوندال بشكل لافت من قبل جيش ” بيليساريوس” المتحالف مع الهون و دخل الجنرال البيزنطي قرطاج بعدما اغتيل ” هيلدريك” بأمر من ” جيلمار”. تمكن هذا الأخير من الفرار و اللجوء لدى بعض أصدقاءه البربر، ثم استسلم في نهاية لتنتهي الحرب و يقوم بعدها البيزنطيون بإعادة تنظيم المنطقة و إخضاع القبائل البربر و تبدأ مرحلة جديدة في إفريقيا الشمالية تحت الحكم البيزنطي..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق