اليونان قبل ازدهار اسبرطة وأثينا: عصر أغاممنون وحضارة موكناي

في القرن الرابع عشر قبل الميلاد هيمن شعب ناطق باليونانية القديمة شبه الجزيرة الهيلينية على مر قرون. أدخلت الحروب والإنجازات شعب موكناي ( أو ميسينا) الأسطورة في وضع الأسس للحضارة اليونانية. كانت عاصمتهم ” موكناي ” محمية بقلعة ضخمة بنيت على مدى 150 عاما. تقول الأساطير أن الملك ” أغاممنون ” حكم هناك وهو الذي تغنى بمآثره ” هوميروس ” في القرن الثامن قبل الميلاد في واحدة من الملحمتين الأكثر شهرة في العالم.

كانت ” الالياذة ” وكأنها الانجيل بالنسبة لإغريق العصور القديمة، محتواها عبارة عن ميثاق للأخلاق، وصفت الآلهة وذكرت بالمعتقدات الدينية وملاحم الرجال. لقد دخلت الملحمات الشعرية ” الالياذة ” و ” الأوديسة ” التاريخ، اختطاف ” هيلين ” من طرف ” بارس ” وهروبهما الى طروادة، حصار طروادة والحصان الخشبي الذي استعمل لدخول المدينة وتدميرها، كلها مواقف لازلت تذكر الى يومنا هذا. اذا كان محتواها قد رفع أغاممنون الى رتبة بطل خلال حرب طروادة فمقتله على يد زوجته جعل منه مجرد بشر مثل الآخرين.

على مدى القرون تساءل المختصون عن اذا كان هوميروس حقيقة قد كتب الالياذة و الأوديسة وهل اكتفى فقط بجمع القصص الشعبية أو لعب دورا ما في مجريات الأحداث.. لكن اذا عاد اليونانيون القدماء اليوم فانهم سيسخرون من هذا الجدل لأنه بالنسبة لهم لم يكن هوميروس مجرد كاتب للروايات بل كان مؤرخا بأتم معنى الكلمة، وما كتبه لم يكن يروى لينام على أوتاره الأطفال بل هي حقائق تاريخية قام بتدوينها.

لم يبقى اليوم من موكناي (ميسينا) سوى آثار يأمل البعض أن يؤمن من خلالها بأن أغاممنون قد عاش وحكم حقا تلك المدينة. تبين هذه الآثار أن الاغريق كانوا على قدرة في تلك الحقبة البعيدة على انجاز تقنيات حقيقية في البناء والعمارة. عند الوصول الى موكناي فان أول شيء يجلب الانتباه هي تلك التحصينات المثيرة للإعجاب والتي تعطي على الفور شعورا بالقوة التي وجدت يوما في ذلك المكان.

أسوار موكناي بنيت بكتل حجرية متلاحمة يصل وزنها أحيانا عشرة أطنان لكل منها. لقد تم قطعها بدقة حيث تناسب كل كتلة جارتها بشكل مثالي. من حيث الروعة والأناقة لا شيء يساوي في المدينة مدخلها الرئيسي الذي يعرف باسم ” بوابة الأسود “، انها واحدة من أكثر البنى جمالا في العصر البرونزي، فهي تفرض نفسها من الناحيتين الرمزية والفنية وعلى الفور يعرف الزائر ما الذي تمثله موكناي، انها كانت تجسد السلطة.

تبدو هذه البوابة أنها بنيت حسب هيكل معتاد بأعمدتها الضخمة وأجزائها العمودية التي تدعم العتب والصخرة الأفقية التي تزن حوالب اثني عشر طنا. لكن فوق البوابة، على مستوى تماثيل الأسود، يمثل المثلث الذي ابتكره المهندسون والذي يحيط الأسود هو اختراع موكناي.

بالإضافة الى ذلك ذهب المهندسون الى أبعد من ذلك حيث أنهم استخدموا تقنية ” الانحناء ” لإنشاء مساحات داخلية خارقة للعادة بالنسبة لذلك الزمان، انه يعرف في الهندسة المعمارية تحت اسم ” القبو المتموج “، انها تقنية لم تكن تنجز سوى على نوع واحد من المباني و هي القبور.. مثل المصريون القدماء، أقام الموكنيون أضرحة ضخمة لملوكهم وهذا النوع من المباني يدعى لديهم ” تولوس “. كان قبلها الشكل الدائري غائبا تماما في الروح المعمارية بموكوناي حيث كانوا يعملون خاصة بالخط المستقيم والزاوية المستقيمة.

في حوالي 1100 قبل الميلاد اختفت هذه الحضارة القديمة فجأة وبشكل غامض. هناك العديد من التفسيرات حول الموضوع لكن الافتراض السائد هو أنه جراء غزوات قبائل جاءت من الشمال تدعى ” شعوب البحر ” التي هاجمت مصر وبلاد ما بين النهرين تعطلت التجارة في المنطقة وتسبب ذلك في ضعف ثم سقوط موكناي.

مع اختفاء موكناي دخلت اليونان بعدها في ركود طويل على مدى ما يقرب أربعة قرون فغرقت ثقافتها في سبات عميق، ثم في القرن الثامن قبل الميلاد بدأت مدن – دول ترى النور وتزدهر حيث ترسخت في كل منها هويتها الخاصة. كانت كلها تطمح الى التفوق التجاري والعسكري والتقني.

أسبرطة وأثينا وكورنثوثيفا (طيبة) ما هي سوى القليل من مئات المدن – دول التي نمت في اليونان بعد 400 سنة من اختفاء حضارة موكناي.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق