امبراطورية العظمة والاستبداد تنبت من موسكو: القيصر ايفان الثالث يضع أسس روسيا

 

انها امبراطورية قامت على رماد فتوحات همجية، تتسع على مسافات كبيرة وتتربع على سدس أراضي العالم. ولدت الإمبراطورية الروسية من رحم 400 سنة من الفوضى وشكلت من خلال سلسلة متعاقبة من قياصرة غير عاديين كانت تصاميمهم استبدادية في بناء دولتهم تتناسب مع الأبعاد الهائلة لبلدهم.

 

هؤلاء الحالمون حشروا روسيا على طريق العظمة. لقد طوروا التقنيات الأجنبية للاستيلاء على السلطة، بسطوا أياديهم على البلد وبنوا دولتهم.. رغم ذلك فهذه الطاقة التي روت وغذت عطش مجد روسيا الأبدي دفعت الإمبراطورية الى ابتلاع شعبها على مدى مئات السنين.

موسكو في عام 1480 ، أمير روسي واعد يشرع في سعي غير مسبوق نحو السلطة، اسمه ” ايفان الثالث “. لقرون كان الشعب الروسي يعيش تحت سيطرة الغزاة الأكثر وحشية في المنطقة الأورو-آسيوية، التتار، أحفاد المغول الذين عرفوا تحت اسم ” القبيلة الذهبية “. كان ايفان الثالث على استعداد للقيام بأي شيء للإطاحة بهم. قام بنقض الاتفاقية التي تربطه بالتتار وأعلن نفسه سيد روسيا. في تلك اللحظة كان مستقبل الشعب الروسي على محك حيث اذا خسر ايفان رهانه فسوف يفقد حياته وان فاز تصبح روسيا أرضا للقياصرة.

وفقا للبعض فان تاريخ روسيا يتلخص في تاريخ مدنها الكبيرة. تشكلت روسيا على هذا النحو في القرن التاسع عندما التفت مجموعات قبلية متنوعة حول قبيلة مسيطرة هي عشيرة ” روس كييف “. جاء روس كييف من أوكرانيا وهجروا الى هذه المنطقة الغابية التي تنتشر فيها الأنهار والبحيرات لتؤسس قرية صغيرة تجارية تسمى ” نوفغورود ” أي المدينة الجديدة. 

حسب الروايات الشفوية كانت الحياة في نوفغورود صاخبة لدرجة أن سكانها طلبوا من محارب فايكنغ ” ريوريك ” من مناطق البلطيق أن يأتي لإعادة النظام وإخراج المدينة من الفوضى..

ازدهر روس كييف في نوفغورود فأخذوا من جيرانهم البيزنطيين دينهم وتقنياتهم في البناء ليشيدوا مدن جديدة عندما تزايد عدد سكانهم. واحدة من هذه المواقع الاستيطانية في منطقة خصبة في غرب روسيا ما هي الا موسكو..رسميا يعود تاريخ تأسيس موسكو الى عام 1147، حيث كانت في البداية حصن خشبي غرست أسسه على ضفاف نهر موسكفا. وفي ذروة تطورهم أخذ روس كييف اسم ” الروس”.

لأنها تفتقد لحكومة ودفاعات موحدة كانت المدن الروسية الهدف المفضل لدى الغزاة التتار. ففي عام 1237 عبر 120 ألف فارس تتاري نهر فولغا ولم يكن للروس أي وزن أمام ذلك الحشد الرهيب من المقاتلين ذوي الخبرة في ميادين الحرب. في خلال 24 شهرا دمر التتار روسيا عن آخرها.. رغم ذلك فان هذا الغزو كان فرصة بالنسبة لقادة موسكو حيث بدأوا بكسب رضا الغزاة ليعيدوا بعدها بناء مدينتهم وتحسينها.

بدأ صعود موسكو بالفعل الى الواجهة في القرن الرابع عشر بفضل الذكاء السياسي الراسخ الذي أبداه أمراءها الكبار، أولئك الذين بحصولهم على رضى التتار أصبح لهم الحق في فرض الضرائب على الامارات الروسية الأخرى، فبالحماية التي وفرها لها التتار أنزفت موسكو المدن الشقيقة. تدريجيا استولت على الأراضي المجاورة حتى كونت دولة واحدة.. لكن المدينة لاتزال تحت نير التتار مدينة لهم.

يتغير الوضع رأسا على عقب في عام 1462 تحت حماس ايفان الثالث الذي وصل الى السلطة والذي كان عازما على انهاء هيمنة التتار، فأخذ لنفسه اسم ” الأمير الكبير لكل الروس ” وبدأ يخطط للإطاحة بالغزاة. كان ايفان طموحا وانتهازيا والأكثر من ذلك ذكيا.

 

كاتدرائية للقيصر

 

بدأ القيصر الجديد في العمل فورا.. تزوج أميرة من الإمبراطورية البيزنطية التي أعطت روسيا دينها وهندستها المعمارية، و بمجرد ما تكون هذا التحالف تبنى ايفان الرمز البيزنطي للنسر ذي الرأسين ويعلن موسكو ” روما الثالثة ” (بعد روما القديمة و قسطنطينية عاصمة بيزنطة).

في عام 1472 وضع أسس ما يمكن اعتباره ارثه المعماري وهو طلب بناء كاتدرائية جديدة ليشير للعالم بأنه من تلك الفترة وصاعدا يجب وضع روسيا في الحسابات ولا يستهان بها مستقبلا. بدأت ورشة هذا المشروع الضخم غير أن الطبيعة عارضته حيث ضرب زلزال صغير موسكو عام 1474 وحول سنتين من العمل الى كومة من الأنقاض. في الحقيقة الكارثة كانت حتمية بهيكل مكون من الحجارة وضعت على أسس هشة.

بالنسبة لإيفان تلك فرصته ليغير الأشياء حيث فكر في تلك اللحظة كزعيم داهية، فقرر العثور على أفضل البناة وفي القرن الخامس عشر كان جل مهرة الهندسة المعمارية متواجدون في إيطاليا. جلب عندها ايفان المهندس المعماري ” أريسطوتيلفيورافانتي ” صاحب السمعة الكبيرة في إيطاليا.

قبل إعادة الانطلاق في بناء الكاتدرائية كان يجب عليه أولا مسح الموقع مستعملا تقنية عسكرية ” تقنية الكبش ” في نزع ومسح أنقاض الكنيسة المنهارة. تفاجأ سكان موسكو وهم يرون ما قاموا ببنائه في شهور يختفي في أسابيع..

عمل فيورافانتي على تشييد المبنى الذي يعرف اليوم في موسكو باسم ” كاتدرائية صعود العذراء ” المستوحى من نماذج كنائس الحجر الجيري الروسية القديمة ولكنه استخدم تقنيات البناء الغربية، فالنتيجة كانت ثورة في فن الهندسة المعمارية الروسية. لقد غير تقنيات بناء الأسس حيث عوض وضع الحجارة والتراب في خنادق الأساس كما فعلوا في روسيا القرون الوسطى المبكرة، زرع سلسلة من الركائز الكبيرة التي توفر أكثر استقرار للهيكل وتتحمل ثقل المبنى الذي يمكنه تفادي الانهيار. 

واصل المهندس الإيطالي ابتكاراته حيث بدلا من استخدام كتل الحجر الجيري مكدسة ومرصعة فوق بعضها البعض ترتيبيا، رتبها هو بطريقة منحازة عن بعضها لجعل الهيكل أكثر صلابة واستقرار. وبمجرد الانتهاء من انجاز الجدران بدأ في البناء الحساس والخطير للسقوف بقببها الثقيلة. فعندما يبني سقفا تتعرض الجدران التي تدعمه الى وزن هائل يساعد على تثبيتها أكثر. أخيرا وعوض بناء قبب الكاتدرائية من الحجر فضل فيورافانتي استعمال الطوب الأخف وزنا. بفضله تعلم الروس كيفية صنع ووضع هذا العنصر الجديد بالنسبة اليهم.. استعمال الركائز وترتيب الكتل الحجرية بطريقة انحيازية والقضبان الحديدة للدعم والطوب هي مجموعة تقنيات جديدة كانت معروفة لدى الايطاليين كيفها فيورافانتي مع الرمزية الروسية. الى يومنا هذا تقف الكاتدرائية بفخر على ارتفاع أكثر عن 45 متر، انه مبنى رائع ومثير للإعجاب.
مع انجاز هذا الرمز لقوته كان بإمكان ايفان التفرغ لتحدي التتار أخيرا. لكن رد فعل هؤلاء لم يدم انتظاره طويلا. لقد قاموا بجمع جيوش كثيرة واتجهوا بها نحو موسكو، ومن جانبه جمع ايفان قواته.. تصادمت القوتان بالقرب من نهر ” أوغرا ” على بعد 500 كلم غربي موسكو. بعد أشهر من المواجهة انتصر الروس ونجح ايفان في اخراج شعبه مما يقرب الأربعة قرون من الاضطهاد. تراثه المعماري هو الآن ممثل عبر وجود ودوام معلم من الطوب والحجر يقاوم الزمن وجعل منه في سجلات التاريخ ” ايفان الكبير”.

عند وفاته عام 1505 كان ايفان الثالث قد أنشأ روسيا المستقلة لكنه لم يكن قد خلق بعد امبراطورية بأتم معنى الكلمة. انه ايفان آخر من سيفعل ذلك بعده، سلطته المطلقة وقسوته ستكسبه لقب ” ايفان الرهيب ” .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق