انسان نياندرتال: الحلقة المبهمة

 

تقول الانثروبولوجيا أن أولى علامات التطور الثقافي ظهرت لدى الإنسان البدائي عند ما يعرف بإنسان نياندرتال الذي تطور في أوربا و غرب آسيا منذ حوالي 250 ألف سنة. و سواء كان نوعا منفصلا أو يمثل فرعا من الإنسان العاقل (هومو سابينس) يظل مصدرا آخر للخلاف بين الخبراء.

يقال أن إنسان نياندرتال تعلم التكيف مع المناخ شديدة البرودة و وسع نطاق مستعمرات البشر إلى ما وراء المناطق البيئية الخالية من الصقيع متغلغلا في غابات سيبيريا العظيمة و تندرا القطبية القاسية. أثبت إنسان نياندرتال من جهة أخرى أنه صانع أدوات استثنائي حيث عزز الاتجاه نحو الأجسام الحجرية الأصغر و الأخف وزنا ولم يستعمل أبدا إمكانيات العظام أو الخشب أو العاج. فقد استعمل الخشب لتجميع ما كان يمكن أن يكون أول الأدوات المركبة. سعيا منه لزيادة عدد الأجهزة المتخصصة، فقد طور طريقة قلب القرص لإنتاج رقائق رفيعة يمكن قطعها بسهولة على حوافها الحادة و كذا المناشير الصغيرة و المثاقب الدقيقة.
انتشرت قبل 120 ألف سنة التقنيات المميزة لما يسميه علماء الأنثروبولوجيا صناع ” موستيريا” في إفريقيا و ربما في جنوب فرنسا. استغل إنسان نياندرتال الطبيعة بشكل لم يسبق له مثيل و دخل أماكن متنوعة مثل السهوب الروسية و سلاسل الجبال الهائلة في آسيا. ميله إلى ارتداء فراء الحيوانات كلباس و إقامة خيام مغطاة بالجلد و هياكل تشبه الأكواخ المصنوعة من أغصان الأشجار و صيانة المنازل سمح له بالتجمع في مستوطنات في أقصى الشمال حتى محيط القطب الشمالي.

شيء من “الثقافة” البدائية

و هو مسلح برماح ثقيلة و لغة منطوقة بدائية أكثر تعقيدا من أي شيء أنتجه الإنسان المنتصب أصبح إنسان نياندرتال صياد رائع للحيوانات و الفرائس الكبيرة. و رغم أنه كان يفتقر إلى مهارات المعرفية الأساسية للخطاب الحديث إلا أنه رغم ذلك بدأ في دفن موتاه في طقوس بسيطة و لكنها ذات وعي واضح منذ أكثر من 75 ألف سنة.
يعتقد الخبراء أن تعامل إنسان نياندرتال بتلك الطقوس مع الموت يعكس على الأقل وعيا بدائيا بالوفاة و الحاجة إلى التفكير في الموت و حتى الإيمان بالحياة الأخرى. ابتكر بعد ذلك بقليل أولى قطع احتفالية و تذكارية و عناصر زخرفة المعروفة من الحصى و أسنان و عظام الحيوانات. من المفترض أن الزينة الشخصية، سواء كانت مصنوعة من مجوهرات أو طلاء للجسم سمحت له بالتعبير عن لمسة فردية و قدمت طريقة لإعلان الوضع الاجتماعي الذي يتمتع به كل فرد. كان يمكن حينها لأفراد مجمعات نياندرتال أيضا التأكيد الواضح لعلاقات القرابة بينهم و بالتالي تنظيم تفاعلات داخل و بين المجموعات. مع ذلك لم يكن أي من هذه الانجازات يعني أن إنسان نياندرتال يمكن أن يتطابق مع المستويات الثقافية الشاملة التي حققها الإنسان الحديث عضويا و بالتالي إجراء تعديلات سلوكية كانت بإمكانها أن تأخر أو حتى تمنع انقراضه.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق