بداية النهضة الأوروبية: المدن الإيطالية تفجر ثورة فكرية وفنية

بعد عصر الظلام الذي عاشته أوروبا نهضت إيطاليا لتضيء العالم، انه ميلاد في قلب الدمار الذي خلفه الطاعون في القرون الوسطى.. هي ابتكارات واستعراض وفرجة وتمجيد لقدرات الانسان وكأنها حديقة صغيرة وسط اوحال نبتت بها الأفكار جديدة وأنجبت أعظم العقول على مدى العصور.


أنشأت ايطاليا أبهى أعمال الهندسة المعمارية والفنون والتقنيات التي عرفها العالم. تكنولوجيا عصر النهضة أعادت الصلة بالمعارف القديمة حيث لا يمكن لأي فترة أخرى في تاريخ الغرب أن تتباهى بوجود ذلك العدد الكبير من العباقرة.

لكن الوصول الى هذا التميز كان صراع طويل في حد ذاته لأن بناة النهضة حاربوا الكوارث الطبيعية والآفات الغير مسبوقة، صارعوا عقائد الكنيسة وتناحروا حتى فيما بينهم، فأصبحت شبه الجزيرة الإيطالية عبارة عن ساحة عراك. كان ذلك العصر الذهبي للمهندسين المعماريين وزمن ثورة الفكر أين كل شيء لم يكن يعرف المستحيل.

انهارت امبراطورية روما القوية وأصبحت هيمنتها من أخبار الماضي.. اختفى الأباطرة الذين شكلوا المنطقة كما شاءوا وأصبحت أوروبا مجزئة وممزقة لمئات السنين. هيمن عليها ملوك من سلالة جرمانية أطلقوا على ممتلكاتهم اسم “الإمبراطورية الرومانية المقدسة”.

لكن في القرن الثاني عشر ولدت مجموعة من الجمهوريات في إيطاليا كانت تهدف الى استعادة المجد القديم لروما المندثر. بنشاطهم استطاعوا أن ينعشون أوروبا ويضعون أسس العالم الغربي الحديث.

كان عصر النهضة الأوروبية كموجة صادمة فكرية وفنية، انه الزمن الأكثر تأثير في الألفية الأخيرة من تاريخ الإنسانية، فهو عصر الابتكار مع ” ليوناردو دا فينشي ” و ” كوبرنيكوس ” و “غوتنبرغ “، لكنه كذلك زمن تمجيد الشخصية فأصبح الحرفي المجهول فنانا والبناء الماهر مهندسا معماريا.

بدأت إيطاليا في القرنين الثاني والثالث عشر في الانتعاش بعدما تم استعادت الاستقرار في شبه الجزيرة وذلك بفضل الإمبراطورية الرومانية المقدسة والنظام الاقطاعي اللذان أعطوا محيط سياسي سمح للمدينة أن تولد من جديد.
في تلك المدن الإيطالية التي تحررت ظهر نوع جديد من القادة، السلطة أصبحت بين أيدي التجار والأثرياء. لم يكن هؤلاء التجار ينتمون الى الأرستقراطية التقليدية ولا هم من طبقة النبلاء لكنهم استطاعوا بعث تلك الحياة الحضرية المفعمة بالحيوية في القرن الثالث عشر.

عائلات مثل ” آل ميديشي ” التي انتقلت من إدارة البنوك والتجارة الى حكم وتسيير المدن. الثروة تمنح السلطة والسلطة تشتري الفنون والاعمار.. انطلقت المدن الصغيرة في ورشات وأعمال كبيرة لتتنافس مع جيرانها.
كانت المدينة هي الأساس المتين الذي انبعثت منه النهضة الأوروبية وكل شيء انجز في تلك الفترة من فنون وهندسة معمارية وأدب اعتمد وانطلق من المدينة.

واحدة من تلك المدن الطموحة والمتعطشة للسلطة هي جمهورية مزدهرة تقع على طريق تجاري بين فرنسا وروما، مدينة ” سيينا “. توجد في وسط هذه المدينة نافورة منحوتة رائعة من القرن الخامس عشر.. ” فونتيغايلا ” التي أنجزها النحات ” جاكوبو دي لاكويرسيا “. قد يبدو الأمر عاديا اليوم أن يحصل المرء على الماء في بيته ، لكن في ذلك الزمان كانت هذه النافورة في سيينا لا غنى عنها لأن ازدهار المدينة ولد انفجار سكاني زادت مطالبه لوفرة المياه.

تزويد المدينة بالمياه كان تحدي هائل في تلك الفترة حيث لا توجد أنهار بالقرب من سيينا فكان عليهم إيجادها في مكان آخر. لقد تخيلوا طريقة جديدة تمثلت في حفر أنفاق تحت الأرض وأثناء حفر هذه الشبكة من الأنفاق ( تعرف في الإيطالية – بوتيني – ” يقع العمال على الينابيع وطبقات المياه الجوفية المحيطة بالمدينة وقطرة بقطرة يبدأ نزيف الماء من الأرض وسيرانه في الممرات الضيقة والخزانات. تنتشر المياه في هذه الأنفاق لتزود الأحياء وتجري في الشوارع المزدحمة لتنبعث من نوافير المدينة. 

في عام 1345 كانت هناك أكثر من 16 كلم من الأنفاق تحت الخدمة في مدينة نشيطة ونتيجة لذلك واصلت سيينا ازدهارها، الماء يجلب الناس فتنمو التجارة وفي وقت قصير أصبحت سيينا تسيطر على معظم جنوب قطاع توسكانا. هذا التطور أو بالأحرى التوسع الإقليمي أزعج بجدية احدى المدن المجاورة.

 

فلورنسا وعائلاتها الثرية

 

كانت فلورنسا وسيينا هما المدينتان المهيمنتان في إقليم توسكانا، المنافسة بينهما كانت على جميع المستويات الاقتصادية والسياسية والفنية. سيينا في القرن الثالث عشر هي الأرجح في تفوقها على فلورنسا في كل المجالات. اندلعت في الأخير مواجهة عسكرية بين الجمهوريتين انتهت بنصر حاسم لسيينا في معركة ” مونتا بيرتي ” عام 1260. أهينت فلورنسا بتلك الهزيمة لكن ليس لفطرة طويلة.

نظام تسيير الموارد المائية الذي جعل من سيينا ملكة الجمهوريات الإيطالية دمرته أكبر الكوارث التي شهدها العالم الى ذلك الحين و المتمثل في وباء الطاعون الذي وصل الى المدينة عام 1347.. ووفقا للكاتب الإنساني الكبير ” بوكاتشيو ” الذي عايش المأساة يقول : ” كان المرض يقتل بسرعة بحيث يمكنك تناول الغداء مع أصدقائك وتتناول العشاء ليلا مع أجدادك في الجنة.. “. تقول بعض التقديرات المتحفظة أن سيينا خسرت أكثر من 60 من المئة من سكانها في غضون بضعة أشهر. لم تستطع بعدها استرجاع موقعها المهيمن على الساحة الإيطالية لفترة ما قبل التاريخ الحديث.

يمثل هذا الحدث نهاية دور سيينا الإقليمي وبداية صعود فلورنسا عدوتها التي أصبحت لها كل الحرية في التخطيط والوصول الى السلطة والمجد.

احتلت فلورنسا مكانة خاصة بين كل المدن، النخبة الحاكمة مزدهرة والمال يتدفق وأصبح الانسان وإمكاناته اللامحدودة يحتل الواجهة. سمي هذا الاتجاه الفكري الجديد والثوري بمصلح ” الإنسانية”.

مفهوم الإنسانية عندهم كان ان صح التعبير ببساطة هو العودة الى العهد القديم. في إيطاليا تلك الفترة كان يكفي رصد الآثار الرومانية لفهم عظمة رجال العصور القديمة، ففكر الايطاليون في أنه لو تمكنوا من تطبيق مبادئ البناء للعصر القديم لتحصلوا على أشياء رائعة وخارقة للعادة. لكن عندما دمر وباء الطاعون أوروبا لم تنجو فلورنسا من الكارثة حيث يقال أنها فقدت نصف سكانها واحتاجت لنصف قرن كي تنتعش من جديد.. وأي انتعاش، لم يسبق للعالم أن رأى مثل ذلك.
كانت في جميع أنحاء توسكانا عائلات غنية، طبقة ترعى الإنجازات باستعمالها ثرائها لتمويل المشاريع الضخمة التي وفرت العمل لسكان المدينة. أصبح الذين نجوا من الطاعون متعطشين للاستمتاع بالحياة. هنا قام آل ” ميديشي “، واحدة من أغنى العائلات في إيطاليا بتمويل ورعاية إعادة بناء مجد الأزمان الغابرة واحياءه في فلورنسا محولين المدينة الى ” آثينا الجديدة”.

تغير هنا مفهوم ” الرعاية “، فالعائلات الثرية تستعمل الفنانين والبنائين الماهرين لتمجيد وتخليد أنفسهم وسلالاتهم قبل كل شيء. الكاتدرائية التي توجد في قلب المدينة هي تتويج لتلك الجهود، كنيسة فلورنسا الكبيرة ” سانتا ماريا دل فيوري ” التي بدأ بناءها أحد يدعى ” أرنولفو دي كامبيو ” لكنه مات قبل الانتهاء من انشائها. كان دي كامبيو قد خطط انجاز قبة للكنيسة لكن مع وفاته بقت الكاتدرائية عارية دون غطاء لعدة عقود. انتظر سكان فلورنسا حتى عام 1420 كي يأتي رجل عبقري أسندت له مهام إتمام المشروع، انه ” فيليبوبرونيليتشي ” الذي أحدث ثورة في الفن المعماري وجعل من كنيسة فلورنسا تحفة تبهر العالم وتبقى شاهدة لقرون على عظمة إنجازات عصر النهضة الأوروبية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق