بريطانيا الرومانية: السلت و ثورة بوديكا

هي بطلة شعب السلت، من قبيلة “ايسيني”، في نورفولك شرق بريطانيا الرومانية. عند وفاة زوجها “براسوتاغوس” حوالي عام 60 بعد الميلاد ضم الرومان مملكتها و أذلوها و اغتصبوا بناتها مما دفعها لقيادة انتفاضة كبيرة لقبائل السلت ضد قوات الإمبراطورية الرومانية.

بينما كان الحاكم الروماني “غايوس سوتونيوس” يقود حملة في جزيرة “أنغلسي” شمال بلاد “ويلس”، قادت بوديكا تمرد شعب السلت إلى جانب قبائل “ترينوفانتس” و استطاعت قواتها تدمير العاصمة القديمة “ترينوفانيان” و المستعمرة البريطانية “كامولودونوم” (كولتشر – حاليا). ثم قام جيش بوديكا بحرق مستعمرة “لندنيوم” (لندن) التي كانت حديثة البناء و دمر ” فيرولاميوم” (سانت أليانز – حاليا) مما أسفر عن مقتل نحو سبعة آلاف شخص. كانت الانتفاضة شرسة و قوية لدرجة أن إمبراطور روما آنذاك “نيرو”  فكرة لفترة وجيزة في سحب القوات الرومانية من الجزيرة البريطانية بأكملها، لكن بوديكا هزمت في آخر المطاف في معركة ” واتلينغ ستريت ” على يد قوات بقيادة الحاكم ” غايوس سوتونيوس “.

تم اكتشاف هذه الأحداث من خلال سجلات المؤرخين ” تاسيتوس ” و ” ديو كاسيوس ” خلال عصر النهضة الأوروبية و أدى هذا إلى عودة شهرة بوديكا الأسطورية في العصر الفيكتوري البريطاني عندما تم تصوير الملكة فيكتوريا على أنها تحمل نفس اسم بوديكا و الذي في اللغة السلتية يعني “فيكتوريا” لتظل منذ ذلك الحين بوديكا رمزا ثقافيا و تاريخيا في بريطانيا.

الأحداث

كان زوج بوديكا ” براسوتاغوس ” ملك “ايسيني” يقطن هو و عائلته و قبيلته منطقة حول ما يعرف الآن باسم ” نورفولك “. لم يكن هذا المجتمع في البداية جزءا من الأراضي الخاضعة للسيطرة الرومانية مباشرة رغم أنهم تحالفوا مع روما بعد غزو ” كلوديوس ” لبريطانيا عام 43 بعد الميلاد و كانوا متمسكين  بنوع من الاستقلالية. ثاروا في عام 47 عندما هدد الحاكم ” بوبليوس أستوريوس سكابولا ” بتجريدهم من السلاح. عاش براسوتاغوس حياة مديدة في الثراء و على أمل الحفاظ على الملك لسلالته جعل من الإمبراطور الروماني وريثا مشاركا لمملكته مع ابنتيه. كان من الأعراف و الممارسة الرومانية العادية السماح لممالك الحلفاء بالاستقلال فقط خلال حياة الملوك التابعين الذين يوافقون على ترك مملكتهم إلى روما في وصاياهم، لكن القانون الروماني كان يسمح بذلك فقط في حالة الخلافة للذكر. لذلك عند وفاة براسوتاغوس تم تجاهل العقد و ضمت مملكته و صودرت الأراضي و الممتلكات و تحول النبلاء إلى عبيد. و بحسب المؤرخ ” تاسيتوس” تم جلد بوديكا و اغتصبت بناتها، كما كتب المؤرخ الآخر ” ديو كاسيوس” أن الرومان طالبوا حينها بقروضهم التي كان قد استفاد منها براسوتاغوس و أصبحت على عاتق رعاياه.

انتفاضة بوديكا

في عام 60 أو 61 بعد الميلاد كان الحاكم الروماني ” كايوس سوتونيوس ” يقود حملة ضد جزيرة ” أنغلسي ” في شمال الويلس و التي كانت ملجأ للمتمردين البريطانيين و معقل كهنة ” درويد”. في هذه الأثناء كان شعب ” ايسيني ” يتآمر بتحالف مع جيرانه ” ترينوفانت ” و آخرون للتمرد و تم اختيار بوديكا كقائدة لجيوشهم. كان تمردهم ذلك مستلهما من تجربة ” أرمينيوس ” أمير ” الشيروسكيين ” الذين طردوا الرومان من ألمانيا في العام التاسع ميلادي و كذا أسلافهم الذين أجبروا ” يوليوس قيصر ” على الانسحاب من بريطانيا. يقال أن بوديكا استعملت في البداية شكلا من الكهانة لحشد الرجال و كانت تستدعي في طقوسها تلك ” أندراست ” إلهة النصر لدى البريطانيين القدماء.

كان الهدف الأول للمتمردين ” كومولودونوم ” (كولشستر – حاليا )، عاصمة ” ترينوفانتيا” سابقا و التي أصبحت مستعمرة رومانية. أساء الجنود الرومان الذين استقروا هناك معاملة السكان المحليين و أقاموا معبدا للإمبراطور السابق ” كلوديوس ” هناك على نفقة أصحاب الأرض مما جعل المدينة مرتعا للاستياء. حاول الرومان المتواجدين هناك طلب تعزيزات لكن المدعي العام ” كاتوس ديسيانوس ” لم يتحصل سوى على مائتي جندي فقط. انقض جيش بوديكا على البلدة ضعيفة الدفاع و دمرها. حوصر أخر المدافعين عن المعبد لمدة يومين قبل السقوط و حاول الحاكم المستقبلي ” كوينتوس بيتيليوس سيربالوس ” الذي كان حينها قائدا لفيلق التاسع ” هيسبانا” التخفيف عن المدينة لكن قواته هزمت و تم القضاء على مشاته و لم ينجو سوى القائد و فريق من الفرسان و هرب ” كاتوس ديسيانوس ” إلى بلاد الغال.

عندما وصلته أخبار التمرد توجه ” كايوس سوتونيوس ” عبر ” واتلينغ ستريت ” باتجاه ” لندنيوم ” (لندن) في منطقة معادية و كانت لندنيوم مدينة جديدة النشأة نسبيا حيث تأسست بعد غزو عام 43 بعد الميلاد لكنها نمت لتصبح مركزا تجاريا مزدهرا يأوي عددا من المسافرين و التجار و حتى بعض المسئولين الرومان. فيقرر سوتونيوس أن يكون القتال هناك لكنه تراجع عن ذلك أمام النقص العددي و الخسائر جراء هزيمة ” بيتيليوس” ليقرر بعدها التضحية بالمدينة لإنقاذ المقاطعة فيتم التخلي عن لندنيوم للمتمردين الذين أحرقوها و قتلوا كل من لم يتم إجلاءهم مع سوتونيوس و نفس المصير عرفته بعدها بلدة ” فيرولاميوم ” (سانت ألبان – حاليا). خلال تدمير المدن الثلاثة قتل ما بين 70 و 80 ألف شخص و يقول المؤرخ ” تاسيتوس ” في هذا السياق أن البريطانيين لم يكن يهمهم أخذ أو بيع الأسرى و كان الثوار منهمكين فقط في التقتيل و الذبح.

المعركة و الانهزام

بعد هذه الأحداث جمع سوتونيوس قواته في نواحي ” واتلينغ ستريت ” و كان العدد حوالي 10 ألاف جندي في المقابل جمعت بوديكا جيشا قوامه 230 ألف مقاتل ثائر. مع ذلك فان عدم قدرة القوات البريطاني المتمردة على المناورة إلى جانب انعدام تكتيك حربي ميداني لقيادة هذا العدد الهائل من المقاتلين وجد المتمردون أنفسهم في وضع حرج. في الجهة المقابلة كان الرومان بارعين في التنظيم و القتال المفتوح بسبب معداتهم الفائقة و انضباطهم. كانت خاصية تضاريس ميدان المعركة لا تسمح لبوديكا سوى الدفع في وقت واحد بعدد مماثل لأعداد الجند الرومان. صمد في البداية الرومان و استخدموا رماحهم في اتجاه موجات الآلاف من البريطانيين الذين كانوا يندفعون نحو خطوطهم الأولى ثم تمكنوا من جلب و إشراك الموجة الثانية لقوات بوديكا في ميدان مفتوح الذي جعل الكتائب الرومانية أكثر قوة و يصعب كسرها. مع تقدم التشكيلات الرومانية حاول البريطانيون التراجع لكن صعب عليهم ذلك لوجود عائلاتهم التي كانت متمركزة و متجمعة في حلقة من العربات على حافة ساحة المعركة..فكانت المجزرة.

يذكر ” تاسيتوس” أنه وفقا لأحد التقارير قتل يومها ما يقرب عن 80 ألف بريطاني متمرد مقابل 4 ألاف روماني و يقول كذلك أن بوديكا قد سممت نفسها بعد تلك الهزيمة، أما “ديو ” فانه يقول بأن زعيمة السلت تكون قد مرضت و ماتت بعدها. و على الرغم من أن سبب وفاتها بقى محل جدل فقد تم دفنها على منزلة بطلة مقدسة. يبقى عموما أن شجاعة بوديكا و قيادتها الشرسة أعطت شعب السلت الدفع المعنوي في محاولتهم الباسلة لطرد الغزاة الرومان من أراضيهم.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق