بريكليس الأثيني: بين معبد بارثينون و الديمقراطية

كان الشعب يعرف آنذاك نظاما سياسيا واحدا فقط ، الأوليغارشية أو حكومة القلة ، لكن مدينة – دولة أثينا ستغير مجرى تاريخ العالم. المهندس الحالم لهذا التحول يدعى ” بريكليس” و سترث أثينا إضافة لنظام سياسي جديد نصبا أبديا يطفو فوق ” الأكروبوليس”، تحفة فنية تسمى ” بارثينون”.

عندما هزم ” ثيميستوكليس” الفرس في معركة ” سلاميس” في عام 480 قبل الميلاد لم تنقذ أثينا فقط و لكن ديمقراطيتها الفتية التي ولدت قبل 25 سنة. انتهى عصر الطغاة بالنسبة لأثينا، المدينة غنية بالقوة العسكرية و المال و التكنولوجيا و الأفكار و هي جاهزة لدخول العصر الذهبي و سيقودها رجل واحد ، الديمقراطي ” بريكليس” ، المثقف و المستنير و المدافع عن الفنون. لكن هذا القائد سيزيد من قوة أثينا بكل الوسائل بما في ذلك التهديد و الفساد و القوة الغاشمة.
جاء ” بريكليس” من إحدى العائلات الأرستقراطية القديمة في أثينا و بالتالي من بيئة من المتوقع أن تهيأ له مسيرة سياسية و عسكرية عظيمة. بدأ صعوده و هو شابا ، انتخب لمنصب “استراتيجي” ( قائد الجيش) أي أحد القضاة العشرة الذين يقودون الجيش و يضعون السياسة الخارجية للمدينة – دولة. بامتلاكه لموهبة فطرية في السياسة سرعان ما أصبح هذا الخطيب اللامع أقوى رجل و الأكثر تأثيرا في أثينا. كان النموذج الأصلي للسياسي المحنك ، كان يعرف كيف يتحدث و يقنع و مخلصا تماما لما يفعله.

الصعود إلى قمة

أصبح ” بريكليس” على رأس أثينا في عام 461 قبل الميلاد بفضل الأسطول البحري الذي شكله ” ثيميستوكليس” حيث كانت البحرية الأثينية تسيطر على كامل شرق البحر الأبيض المتوسط. لكن على الرغم من الهزيمة الفارسية في “سلاميس” كان لا يزال تهديد بغزو آخر يلوح في الأفق. شكلت أثينا في عام 478 قبل الميلاد مع مدن – دول أخرى في بحر ايجة تحالفا دفاعيا مشتركا عرف باسم ” عصبة أو الحلف الديلي”. في عام 450 قبل عصرنا كانت أثينا هي السيدة المطلقة لهذا التحالف الذي لم يعد في الحقيقة سوى نوع من البنوك لصالح مدينة – دولة ” بريكليس”. فيقوم هذا الأخير ، زعيم أثينا بلا منازع ، باستغلال هذه الأرباح في بناء عدد لا يحصى من المباني العامة القادرة على عكس عظمة و روعة أثينا و من بين هذه المباني سيقدم ” بريكليس” للأجيال القادمة نموذجا حقيقيا للهندسة المعمارية اليونانية القديمة : ” بارثينون”.
في ” الأكروبوليس” يقرر ” بريكليس” بناء ” بارثينون” على أسس معبد قديم و يشتغل في هذا المعبد الرائع آلاف العمال و الحرفيين. ستكون هذه الورشة أغلى ما وافقت عليه اليونان على الإطلاق ، ثلاثون مليون ” دراشم” أي ما يعادل مليارات الدولارات حاليا ، مبلغ مذهل لكونه كان مشروعا وطنيا. بدأ العمل في المشروع عام 447 قبل الميلاد و يبلغ طوله المعبد ثلثي ملعب كرة قدم، أبعاد الخارجية 70 مترا على 30 عرضا. الصعوبة الأولى تمثلت في استخراج الرخام من محجر جبلي على بعد حوالي خمسة عشر كيلومتر، ستكون هناك في المجموع الحاجة إلى حوالي 30 ألف طن من الحجر الأبيض الجميل. يستخدم العمال الشقوق الطبيعية في الحجر لقطع كتل ضخمة من الرخام من سفح الجبل و عندما تصبح الكتل العملاقة جاهزة يحركها الرجال بالرافعات و الحبال و البكرات و يجهزونها للنقل في اتجاه ” أكروبوليس”.

معارضة المنافسين

تتمثل الوظيفة الرئيسية ل”بارثينون” في إيواء تمثال الإلهة ” أثينا” الضخم الذي يبلغ ارتفاعه اثني عشر مترا و كان من الذهب و العاج. المئات من النحاتين يزينون المعبد بأشكال مليئة بالحياة مما يدل على أن مواهب العصر لم تقتصر على التقنيات فقط و أشهر زخرفات ” بارثنون” هي الإفريز الذي يمتد على جدرانه الداخلية و يمثل هذا النقش البارز الذي يقل عمقه عن عشرة سنتيمترات ما يعرف بمهرجانات ” الباناثينايا” التي يحتفل بها كل أربع سنوات تكريما لأثينا. لم يعد هناك اليوم من ” بارثينون” سوى بقايا من الرخام الأبيض و لكن في العصور القديمة كانت المنحوتات و أجزاء كثيرة من المبنى غنية بالرسومات.
لم يكن جل المواطنين متحمسون ل”بارثينون”. وجد البعض بدعة ” بريكليس” هذه بشعة بينما يرى الآخر أنها مجرد نصب تذكاري لمجده الشخصي. بالنسبة للعديد من الأثينيين كانت هذه المباني الحديثة التي غزت قدس أقداسهم ، إذا جاز التعبير، قطيعة مع الماضي.
لم يكن معبد “بارثينون” الهدف الوحيد لسخطهم حيث بينما كان ” بريكليس” يعمل لتوسيع هيمنة أثينا كان منافسيه يتآمرون و سرعان ما اتخذوا إجراءات بمهاجمة المقربين منه و على رأس القائمة امرأة جميلة و مثقف ” أسبازيا” التي كانت محظية و عشيقة ” بريكليس”. كانت المحظيات يترددنا على أعلى دوائر الحياة الثقافية الأثينية و في أثينا الكلاسيكية تخضع النساء لسلطة الرجال، لكن ” أسبازيا ” كانت الاستثناء. عاملها ” بريكليس” على قدم المساواة و سرعان ما أصبحت جزءا من النخبة الأثينية و أصبحت علاقة الزوجان مشهورة، وصلت حتى “الفضيحة” في تقدير السكان عندما شوهد “بريكليس” و هو يقبل ” أسبيزيا” في الأماكن العام بطريقة طبيعية، نوع من المظاهر التي لم تكن محبذة في ذلك الوقت.
بعد حوالي خمسة عشر سنة من البناء، في عام 432، انتهت ورشة ” بارثينون” و أصبح المعبد يلعب بالضبط الدور الذي أراده له ” بريكليس”، إعلان و إظهار قوة أثينا للعالم. لكن من مفارقات التاريخ أن الهيمنة التي يمثلها هذا الرمز أصبحت تتلاشى أمام صعود و تنامي قوة، عدو الأجداد، ” إسبرطة”..

إسبرطة و الطاعون

بمجرد إنشاء نظام ” التحالف الديلي” و الذي أصبح في الحقيقة بمثابة ” الإمبراطورية الأثينية ” كما يسميها البعض بدأت إسبرطة تبدو متشككة بشكل متزايد اتجاه أثينا و انتهى الأمر بحلول حوالي 430 قبل الميلاد بشعورها أنها مهددة. و في عام 431 سار الاسبرطيون باتجاه أثينا و قاومت هذه الأخيرة حصارا لمدة عامين طويلين. لكن عدوا غير مرئي ضرب من الداخل مدينة ” بريكليس” المشعة. بسبب الاكتظاظ السكاني من المحتمل أن الأثينيون قد أصيبوا بمرض عرف في سجلات التاريخ ب ” طاعون أثينا”.
قضى المرض على عدد كبير من السكان، و نجا ” بريكليس” لكنه كان ضعيفا و قد بلغ من العمر الستون عاما و ألقي اللوم عليه من قبل الناس في ما يتعلق بكل المشاكل التي لحقت بالمدينة. و في عام 429 قبل الميلاد انطفأ ” بريكليس” عندما انهال الطاعون و الحرب على عزيزته أثينا ليستمر الصراع العنيف مع اسبرطة لمدة 25 عاما أخرى و ينتهي عام 404 قبل الميلاد بسقوط المدينة العريقة أثينا. مع حرب ” بيلوبونيس” انتهى قرن ” بريكليس” و حكم أثينا على اليونان الكلاسيكية..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق