بيزنطة الهندسة والاعمار: القسطنطينية لم تعرف العطش يوما

عندما نتطرق إلى بيزنطة غالبا ما نسلط الضوء خاصة على تاريخ توسعها وسياسات أباطرتها وحروبهم، لكن إمبراطورية القسطنطينية لم تكن سوى ذلك لأنها أنجزت موازاة لكل هذا العديد من المهارات الحضارية والابداعية تركت بصماتها في سجلات التاريخ إلى يومنا هذا. لم يكن ذلك ممكنا الا بوجود قادة كانت لهم حينها الجرأة على الخروج عن المألوف وإنجاز مشاريع شهدت لهم الأزمان بذلك.

من بين هؤلاء الأباطرة ” فلافيوس يوليوس فالنس” الذي حكم بين 364 و378 م. كان فالنس امبراطورا طموحا حيث استطاع تجسيد المشروع الجريء ببناء أطول مجرى مائي مرفوع (قناة مرفوعة على جسور) في عالم ذلك الزمان. عندما انتهى المشروع كان بإمكانه نقل الماء على مسافة 650 كلم أي ما يعادل كل القنوات التي بنتها روما القديمة جميعها.

يبدأ خط أنبوب القناة الرئيسي على بعد 240 كلم غرب عاصمة الإمبراطورية قسطنطينية بعيدا في بلد ” تراقيا ” (جنوب شرق البلقان). كان يجب على المهندسين البيزنطيين أولا العثور على طرق تحافظ على منحدر هبوطي مستمر لتدفق الماء، حيث كانت هناك أنفاق وأنابيب على سطح الأرض وجسور عندما تقتضي الحاجة إلى ذلك.
بنى البيزنطيون بين القرن الرابع والسادس بعد الميلاد 60 جسرا لجلب المياه وأكثرهم إثارة وإبداع يبلغ علوه 27 مترا. يبدأ العمال أولا ببناء الأعمدة العملاقة من الحجارة وبمجرد الانتهاء من ذلك يبدؤون في تصميم الأقواس الضخمة. تقنيتهم في انجاز هذه الأقواس تتمثل في استعمال إطارات خشبية تضغط وتحتمي بها حجارة القوس وعند وضع حجارة الأساس من كل جانب يتم نقل الهيكل الخشبي الى المستوى العلوي لتكرار العملية. مثل الرومان يزين الحرفيون البيزنطيون جسورهم بالتماثيل الدينية، لكن رموزهم مسيحية وليست وثنية.

لم تتوقف مهارات المهندسين في بناء الجسور فقط، فإيصال المياه الى المدينة لا يحل سوى نصف المشكلة حيث يجب تخزينها وهناك عدد قليل من الأماكن لاحتوائه. واجه البيزنطيون التحدي من خلال إنشاء نظام تخزين تحت الأرض الأكثر إبداعا في العالم القديمة، بمرور الوقت استطاعوا بناء أكثر من 150 خزان، أكبرهم يعرف باسم ” خزان الكنيسة ” (البازيليكا) حيث احتاج الأمر بناء 336 عمودا بعلو ثماني أمتار لدعم سقف الخزان. يمكن لخزان البازيليكا الذي يبلغ طوله مترا138 وعرضه 65 أن يحتوي على ما يعادل 27 حوض سباحة أولمبي. تقع هذه الخزانات في تجاويف بين تلال المدينة وهو حل مبتكر لا يستخدم الأراضي المنخفضة فحسب بل يوفر أيضا سطحا مستويا للمباني المستقبلية التي سيتم بناؤها فوقها. توفر هذه الخزانات إمدادا ثابتا حتى في فصل الصيف عندما نادرا ما تهطل الأمطار ولا توجد سوى قطرات من الماء في القناة.

بوجود هذه الشبكة الواسعة من الخزانات ووفرة المياه وصل عدد سكان المدينة الى رقم غير عادى في العصور القديمة المتأخرة، ففي نهاية القرن الخامس كان عدد سكان قسطنطينية قريب من نصف مليون نسمة، لم تقترب أي مدينة في أوروبا الغربية من ذلك الشيء الذي جعل منها مدينة أسطورية حتى بالنسبة للذين لا يعيشون بها.
لكن بعيدا من هنا، في سهول آسيا الشمالية، تستعد موجة جارفة وعنيفة لنسف الأراضي الأوروبية، قائد هذا الاكتساح ” أتيلا الهوني ” الذي سيكون جيشه قريبا على أبواب قسطنطينية ولن يكون هناك عبقرية عسكرية لأكبر نظام دفاعي في ذلك العصر يمكنها إنقاذ المدينة.

في حين كان غرب أوروبا في تدهور مستمر كان شرقها والقسطنطينية خاصة مشرقان، المشكلة الوحيدة هي أنه كلما أصبحت المدينة أكثر ثراء كلما استقطبت أطماع القبائل الشمالية المغيرة والتي بعد مهاجمتها لإيطاليا أصبحت تشتهي العاصمة البيزنطية. بعدما رسم ” قسطنطين الأول ” معالم الإمبراطورية جاءت أقوام ” الهون ” تريد محوها والذين أطلقت عليهم نصوص تلك الفترة كل الأوصاف الشنيعة والوحشية ثبتت الأهوال التي كانوا يزرعونها بين الأهالي.
لكن البيزنطيين لديهم خطة لصدهم.. تقع القسطنطينية في نهاية شبه جزيرة وتتمتع بمزايا إستراتيجية تفوق التي كانت لدى روما التي انهارت أمام الهون. العاصمة الرومانية القديمة مكشوفة ولم تكن تستطيع الدفاع عن نفسها، لسد الطريق أمام الغزاة وجب على العاصمة البيزنطية حماية حدودها الغربية الهشة من خلال تحصينات هائلة. لم يكن الحل ممكن إلا في أسوار قوية والأكثر تطورا على الإطلاق عرفت باسم ” جدار ثيودوسيوس “. من مفارقات التاريخ أنها أعطت لأعظم براعة تقنية عسكرية في أواخر العصور القديمة اسم إمبراطور كان طفلا في الوقت الذي بدأ العمل به، انه ” ثيودوسيوس الثاني ” الذي سيكون له شأن كبير مع المنشآت الحامية لعاصمة الإمبراطورية البيزنطية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق