بيزنطة تتحصن لمواجهة الهون: ثيودوسيوس الثاني و سوره العظيم

من مفارقات التاريخ أن أعظم براعة تقنية في الهندسة العسكرية في العصور القديمة المتأخرة عادت الى إمبراطور لم يكن سوى طفل صغير عندما فكر في أمر تشييدها، “ثيودوسيوس الثاني”، الذي ولد في عام 401 و توفي في عام 450.


بدأت ورشة بناء دفاعات و تحصين القسطنطينية عندما كان ثيودوسيوس يبلغ من العمر 11 سنة فقط و الفضل في ذلك يعود الى محافظ المدينة آنذاك “أنثميوس” الذي أشرف شخصيا على بناءها. المهندسون البيزنطيون واجهوا حينها تحديا كبير المتمثل في كون القسطنطينية تقع على صدع في قشرة أرضها و هي دائما مهددة بالزلازل. ولمواجهة هذا الإشكال لجأ المهندسون إلى مادة بناء المعروفة بالملاط الجيري. لقد استخدم الروم الغربيون الخرسانة في زمنهم مما خلق ملاطا صلبا مثل الحجارة، جامدا عند ضبطه و في المقابل فالملاط الجيري أكثر مرونة بحيث يسمح للبيانات بالانزلاق عوض الانهيار.

في المشروع البيزنطي البارع يتناوب الملاط الجيري في البناية مع شرائح من الطوب و الأحجار. تقنيا، يقومون أولا بتركيب حائطين من الحجارة المصقولة ثم تملأ بالحطام من الطوب و الملاط ، و لربط طبقات الحجارة و الحطام يتم وضع شرائح من الطوب السميكة عبر عرض الحائط. الميزة هي أن هذه التقنية تعطي مرونة معينة في حالة حدوث زلزال طفيف كما أن إضافة الطوب يكسر توحيد الجدار الذي يسمح له بامتصاص الصدمات دون الانهيار. بفضل هذه التقنية للطبقات المتتالية، قام البيزنطيون ببناء حاجز ضخم بارتفاع 10 أمتار و سمكه 5 أمتار و شيدوا 96 برجا عملاقا بطول 20 مترا أو أكثر لكل واحد منهم.. لكن هل كل هذا سيكون كافيا للمواجهة و التصدي لغارات الهون ؟
كان الهون يأكلون و يعيشون و يموتون على ظهور خيولهم، إن صح التعبير..لقد ابتكروا “ركاب” و هي الحلقة التي توضع على القدم و تسمح بالوقوف على الخيل و التعامل مع القوس و السيف بدقة لا تصدق. سافروا و زحفوا عبر الصين و الهند و أوربا و نهبوا و زرعوا الرعب أينما حلوا.. عموما و وفق للمؤرخين الهون و قائدهم “آتيلا” أعطوا معنى جديد لكلمة “شراسة”. لقد كانوا بارعين (حسب منطقهم) في كل ما هو اغتصاب و سلب و تدمير لدفاعات الإمبراطورية الرومانية.

سقطت كل أوربا تقريبا في أيدي آتيلا و الهون، لكن رغم المحاولات المتكررة لم يستطيعوا النيل من القسطنطينية.. لكن الأقدار قد تعطيه فرصة أخرى حيث في عام 447 هزت المدينة سلسلة من الزلازل الكارثية و كانت أعنف مما تصوره المهندسون البيزنطيون. انتهز آتيلا الفرصة لأن ما لا يقل عن 57 برج دمر جراء الهزات الأرضية و أصبحت المدينة مكشوفة و دون دفاعات..فتنطلق جيوش الهون في اتجاه العاصمة البيزنطية.

الإمبراطور “الخطاط”

يقوم حينها الإمبراطور ثيودوسيوس بجمع السكان لإعادة بناء التحصينات انطلاقا من الأنقاض و في أسرع وقت ممكن..جيش الهون يقترب و ليس أمام السكان سوى أسابيع قليلة لإصلاح الأسوار التي استغرق بناءها سنوات. البيزنطيون لا يريدون المجازفة لذلك قاموا بدمج خط دفاعي ثلاثي بسور ثيودوسيوس المحصن الجديد. تطلب الأمر تخطيطا هائلا و كانت عبقرية تقنية رائعة في ذلك الوقت حيث كانت المنشآت أكثر الأنظمة الدفاعية تعقيدا و اتساعا في العالم خارج الصين. و من ذلك الوقت لقب بثيودوسيوس “الخطاط”.

العقبة الأولى في هذا النظام الدفاعي هي خنادق ضخمة ثم تأتي وراءها شرفة خارجية يليها سور محيط جديد بارتفاع ثلاث أمتار و عرضه مترين و أخيرا خط الدفاع الأكثر إثارة للإعجاب و المتمثل في جدار داخلي الهائل الذي أعيد بناءه و تعزيزه من خلال 96 برجا، كل برج عبارة عن قلعة صغيرة بكامل مواصفاتها.. لغزو المدينة يجب عبور الخندق ثم الجدار الخارجي ثم الجدار الداخلي و ثلاث خطوط دفاعية ثم يجب السيطرة على كل واحدة من القلاع الصغير واحدة تلوى الأخرى. يمكن إذا القول بأنه نظام ذكي للغاية بالنظر لتكنولوجيا تلك الحقبة لأنه يمكنه تغطيت كل الزوايا.
تمت الأعمال في هذه الورشة العملاقة في وقتها المناسب. و عند عبورهم قمة التل اكتشفت طلائع جيوش الهون قلعة القسطنطينية العملاقة أمام أنظارهم و علموا أنه يستحيل عليهم السيطرة على المدينة..لذافآتيلا لم يدخل أبدا عاصمة الإمبراطورية البيزنطية ، الأسوار أمنت المدينة، فغالبا ما تعرضت الإمبراطورية خلال وجودها لهجمات الغزاة لكن يتم توقيفهم عند أسوار القسطنطينية. و لمدة ألف سنة أنقذ سور ثيودوسيوس البيزنطيين من هجمات الهون و الروس و المسلمين..حقيقة بقاء القسطنطينية البيزنطية محمية لفترة طويلة يعود بالدرجة الأولى إلى جدارها الدفاعي الممنوع اختراقه عمليا.

بعد الانتهاء من التحصينات البرية أراد المهندسون البيزنطيون حماية المدينة من أي تهديد قد يأتي من البحر و تصورا مشروعا مبدعا تمثل في وضع سلاسل عملاقة عبر المضيق. بدأ الحدادون في صناعة أضخم سلسلة في العالم حينها بطول خمسة ملاعب كرة القدم (حاليا) و يقال أنها تكونت من 750 وصلة طول كل واحدة 60 سنتمتر تطفو على جذور الأشجار فوق الماء و يمكن للبحارة البيزنطيين توصيل السلسلة عبر “القرن الذهبي” لإغلاق الميناء. بمأنها أصبحت محمية من أعداءها تمكنت القسطنطينية من الازدهار.. كان يجب على خطوط الدفاعات أن تكون كثيفة و ضخمة و فعالة، فالقسطنطينية كانت غنية، فهي تشبه بنك به قاعة عملاقة لخزائن المال، كانت أغنى مدن العالم في ذلك الزمان. تقريبا جميع الطرق التجارية تتقاطع هناك، ثروات الأمم البعيدة مثل مصر و الصين و روسيا كانت تمر على العاصمة البيزنطية و هي متجهة نحو أوربا.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق