تاريخ الجزائر: من نوميديا إلى إيالة عثمانية

سكنها الإنسان منذ فجر العصر الحجري (المرحلة الأشولينية) حيث تعود بعض مواقعها الأثرية إلى 500 ألف سنة قبل الميلاد. مع نهاية الألفية الثانية قبل الميلاد دخلت قبائل البربر المزارعة و الرعوية في مبادلات تجارية غير منتظمة مع الفينيقيين ثم تأثروا بقرطاج المحاذية لهم التي أنشأت موانئ تجارية على سواحل البحر المتوسط.

خلال القرن الثالث قبل الميلاد حكم مملكة “ماسيليا” التي امتدت من قسنطينة إلى الحدود التونسية الحالية “ماسينيسا” الذي بتحالفه مع روما استطاع بسط مملكته نوميديا. بعد انهزام أحد أحفاده “يوغرطة” في حربه ضد روما في عام 104 قبل الميلاد سلمت هذه المملكة الى بوكوس (أو بوخوس) ملك موريطنية التي كانت متواجدة غرب البلاد ثم حولت الى محافظة رومانية من طرف يوليوس قيصر عام 46 قبل الميلاد. بعدها كل السواحل الجزائرية مرت تحت سلطة روما مع ضم موريطنية في عام 40 قبل الميلاد. استطاع عندها الرومان إعطاء دفعا اقتصاديا للمنطقة حيث شيدوا عدة مدن: تيمقاد و لمبيز و تيبازة و شرشال…طبقوا سياسة ما يعرف بالاندماج (الاستيعاب) التي لم تنجح في محو خصوصيات السكان الأصليين.

لم يستطع الوندال من جهتهم و الذين حكموا الجزائر من 430 الى 533 في بسط وجودهم. وبعد اجتياحها من طرف “بيليساريوس” عام 534 بقت الجزائر تحت السلطة الاسمية لإمبراطورية الشرق البيزنطية لمدة أكثر من قرن لكن الفتوحات الإسلامية بين 702 إلى 709 قضت و للأبد على لآخر آثار إفريقيا الرومانية.

الفتوحات الإسلامية و مجيء الأتراك

تميز تاريخ الجزائر عندها بانعدام الاستقرار السياسي، مماليك تولد و تسقط الواحدة تلوى الأخرى. العامل الوحيد الذي كان يوحد شعبها هو الدين الإسلامي الذي كان محصن حول الزوايا و الشخصيات الدينية.

بعد الفتوحات تجلت مقاومة الحكم الأموي في دولة “تيهرت” أو الدولة الرستمية (ما بين 761 إلى 908) بينما أصبحت المنطقة الشرقية تحت سلطة دولة الأغالبة و عاصمتهم قروان. بعد نهيار هذه الأخيرة في تونس و كذا الدولة الرستمية غربا في عام 909 أسس عبيد الله المهدي الدولة الفاطمية منذ عام 960 التي هيمنت كليا على المنطقة. لكن المغرب الإسلامي لم يكن في الحقيقة سوى نقطة انطلاق نحو الخلافة الإسلامية عامة و بدأت بمصر أين وضع الفاطميون أقدامهم في القاهرة عام 973.

انتصار الفاطميين الشيعة في مصر كان بمثابة نهاية ما عرف “بالخوارج” في المغرب الإسلامي ليستفيد منه التيار السني الذي زاد إشعاعا تحت التأثير الروحي لخليفة المسلمين في قرطبة. و باستقرارهم في القاهرة استغنى الفاطميون عن المنطقة لصالح بنو زيري من السلالة الصنهاجية الذين استقروا في بداية الأمر في عاصمتهم آشير ثم بعدها منصورة. لكن مع بداية القرن الحادي عشر انقسمت دولة بنو زيري، لينشق الحماديين الذين أسسوا دولتهم في القلعة جنوب بجاية و في عام 1014 يعلنون رفضهم للمنهج الفاطمي.

كردة فعل لذلك نظم الفاطميون انطلاقا من المشرق ما عرف بحملة الهلاليين على المغرب الإسلامي و ذلك انطلاقا من عام 1051. و موازاة مع ذلك ظهر المرابطون في الغرب.

في أواسط القرن الثاني عشر يأخذ الموحدون مكان المرابطون لكن حكمهم لن يدوم أكثر من قرن واحد و ابتداءا من 1248 تفككت سلطتهم لتعطي ميلادا لدولات جديدة ، المرينيون في فاس (المغرب الأقصى) و عبد الودود في تلمسان و الدولة الحفصية في تونس. في القرنين الثالث و الرابع عشر لعبت تلمسان دورا محوريا في المنطقة من جوانبها الاقتصادية و الدينية حيث بدأت في المتاجرة مع الدول الغربية و فتحت أبوابها حتى للجاليات الغير إسلامية. لكنهم بوجودهم تحت ضغط المارينيين غربا لم يتمكن بنو زيري أبدا من الاستيلاء على بجاية و قسنطينة اللتان بقتا تحت التأثير المباشر للسلطة الحفصية بتونس. في القرن الخامس عشر أصبحوا سوى تابعين للمرينيين أو الحفصيين قبل أ، يتهاووا تحت وطأت الاسبان.

إيالة الجزائر

نتيجة للتفكك السياسي في بلاد المغرب الاسلامي استطاع الاسبان من التوغل و الاستقرار بين 1502 و 1512 خاصة في عدة موانئ من الساحل الجزائري، مرسى الكبير و وهران و بجاية و حصن الصخرة (حصن ألبينيون) المقابل لمدينة الجزائر. ليقوم سكان هذه الأخيرة بالاستنجاد بالبحارة الأتراك عروج و خير الدين بربروس اللذان استطاعا طرد الأسبان من مدينة الجزائر عام 1519 و كذا الموانئ الأخرى. وضع بعدها خير الدين حكمه تحت سلطة “الباب العالي” الذي أرسل له قوة من الجيش الانكشاري. و تحت السلطة العثمانية بدأت مدينة الجزائر في لعب دور هام كعاصمة لبلد متسع حيث ابتداء من القرن السادس عشر أصبح يمتد من التافنة غربا إلى القالة شرقا.

ايالة الجزائر كانت تسير في بداية هذه المرحلة من طرف “البايلربايات” (من 1520 حتى 1587) ثم جاءت مرحلة “الأغوات” (القرن 17) لتنتقل في الأخير عام 1671 لحكم “الدايات” الذين كانوا ينتخبون من طرف الجنود الأتراك (أوجاق) و في عام 1711 تحصل داي الجزائر على لقب ” باشا” الذي منحه إياه السلطان العثماني و استقلالية تامة في تسيير البلاد. كان للدايات في حكمهم السلطة المطلقة و يساعدهم في مهامهم مجلس مكون من موظفين في معظمهم أتراك. هذه الأوليغارشية اهتمت أكثر بالنشاطات البحرية أكثر مما يحدث في باقي أراضي البلد.

كان البحارة الجزائريون (رياس البحر) الأكثر شراسة في زمنهم، فبعد محاولات للتقويض هيمنتهم على البحر المتوسط تحتم على قوى الدول الغربية دفع نوع من الجزية لصالح داي الجزائر لضمان سلامة نشاطهم البحري. مع نهاية القرن الثامن عشر تناقصت مداخيل النشاط البحري فأصبح حكم الداي مهددا خاصة بعدما توال تمرد الأهالي و كان أهمه تمرد درقاوة عام 1814..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق