تاريخ بابل: كانت أروع مدينة في زمنها

 

 

كانت بابل واحدة من أكبر و أهم المدن في العالم القديم، وجدت في وسط بلاد الرافدين بالقرب من نقطة التقاء تدفق دجلة و الفرات، هي نفس المنطقة التي كانت موطنا لعديد من العواصم على مر القرون: كيش، أغادي، سلوقية و بغداد…

يقول المؤرخون أنه قد يكون اسم المدينة القديمة “بابل” أصله من لغة غير معروفة سبقت السومرية و الأكادية في بلاد الرافدين ثم أصبح يفهم في اللغة الأكادية على أنه “باب إيلي” الذي يعني ” بوابة الإله”. بابل هي النسخة اليونانية للاسم و يشار اليوم إلي النصف الجنوبي من بلاد الرافدين القديمة – المنطقة التي تمتد من حول بابل جنوبا إلى الخليج الفارسي – كبابل، و لكن في العصور القديمة كانت تسمى هذه المنطقة ” سومر و أكاد”.

كانت مدينة بابل معروفة لدى المؤرخين اليونانيين و الرومان، المؤرخ اليوناني هيرودوت يكون قد زار المدينة في القرن الخامس قبل الميلاد (أو كتب رواياته نقلا عن تقارير شهود عيان) حيث قال عنها: “أنها تفوق روعة أي مدينة في العالم المعروف..”، كما يتحدث عنها المؤلفون الكلاسيكيون على أنها واحدة من عجائب الدنيا القديمة: حدائق بابل المعلقة. و كثيرا ما تذكر المدينة في كتاب التوراة حيث يعتقد أن برج بابل وجد هناك. كانت بابل المكان الذي نفى فيه الملك “نبوخذ نصر” اليهود بعد غزو يهودا. و قيل أن المدينة كانت موطن النبي “دانيال”، لذلك و على عكس معظم المدن الأخرى في المنطقة لم تنسى بابل حتى بعد زوالها. بعد انهيار و تفكك المباني بزمن طويل احتفظت الكومة الأثرية في أقصى شمال الموقع باسم “تل بابل”، لكن نسي تاريخ المدينة الطويل قبل فترة نبوخذ نصر. ارتفع منسوب المياه الجوفية في بابل على مر القرون لذا يجد علماء الآثار صعوبات لفهم تاريخ المدينة السابق. من الممكن أن الموقع مثل مدينة “نينوى” الآشورية كان عامرا قبل التاريخ المكتوب بوقت طويل، لكن لا توجد تقنية لمعرفة ذلك و الكثير مما يعرف عن بابل قبل الألفية الأولى قبل الميلاد يأتي إلى حد كبير من السجلات النصية لمدن قديمة أخرى.

يعود أول ذكر معروف لمدينة بابل إلى زمن ” شر كلي شرى” (حكم حوالي 2219 – 2217 قبل الميلاد) ملك أكاد و سليل مؤسس الإمبراطورية “سرجون” (حكم حوالي 2334 قبل الميلاد). النقوش تذكر معبدين في المدينة لكن لم يعرف سوى القليل منذ ذلك الوقت.

الأسرة البابلية الأولى

في بداية القرن التاسع عشر قبل الميلاد أصبح تاريخ بابل أكثر وضوحا. حوالي عام 2000 قبل الميلاد تعرض السكان الأصليين من السومريين و الأكاديين في بلاد الرافدين لغزو الأموريين الذين استقروا في وادي النهر و اعتمدوا إلى حد كبير العادات المحلية. كانت الأمورية، مثل الأكادية، لغة سامية لكن المتحدثين بها لم يكتبوها بل استمروا في استخدام الأكادية و السومرية في سجلاتهم المكتوبة.

سيطر الملوك الأموريون على العديد من مدن بلاد الرافدين بما في ذلك بابل و خلال القرن التالي عززت سلالة أموريي بابل التي أسسها ” سومو آبوم” (حكم من 1894 الى 1880 قبل الميلاد) سيطرتها على الأراضي المحيطة. في بداية القرن الثامن عشر قبل الميلاد هيمنت اثنتي عشر مملكة ، بما فيها بابل، على بلاد الرافدين و سوريا، كانت بعضها مرتبط بتحالفات و أخرى في كثير من الأحيان بعد نشوب حروب.

يعتبر “حمورابي” (حكم من 1792 الى 1750 قبل الميلاد) أعظم ملوك السلالة البابلية الأولى (تسمى أيضا الفترة البابلية القديمة). أظهر منذ بداية حكمه على اهتمامه بالعدالة لكن لم يصدر حمورابي كل القوانين التي اشتهر بها حتى وقت متأخر من حكمه. حينها كان قد وضع الجزء الكبير من بلاد الرافدين تحت سلطته، من “ماري” في سوريا (على الحدود العراقية الشمالية حاليا) إلى الخليج الفارسي.

على الرغم من أن حمورابي لم يكن المشرع الأول الذي عرفته المنطقة حيث أن القوانين المكتوبة كانت موجودة هناك لأكثر من مائتي سنة عندما تولى العرش إلا أن قوانينه تركت انطباعا و أثرا قويان لدى الأجيال التالية من الكتاب في بلاد الرافدين فنسخوها و درسوها لعدة قرون. كان لقوانينه تأثيرا أيضا على الشعوب المحيطة مثل الحيثيين و الكنعانيين و في النهاية على اليهود، و بالتالي على الكتاب المقدس التوراة.

عبد حمورابي العديد من الآلهة و كان يعيد بناء معابدهم و يقدم لهم الهدايا و القربان لكنه كان يرجع نجاحه بشكل رئيسي إلى اله المدينة “مردوخ” (أو نمرود) حيث كان تمثال هذا الأخير موضوعا في معبد كبير وسط المدينة و كانت عبادته جزءا أساسيا من دين البلاد منذ ذلك الوقت.

الحيثيون و الكيشيون

يبدو أن في حوالي عام 1595 قبل الميلاد قام الحيثيون (شعب تركيا و شمال سوريا) بنهب بابل و أخذوا العديد من البابليين كأسرى، كما استولوا على تماثيل مردوخ و زوجته ” صاربا نيتوم” و أخذوهم إلى بلدهم “ختي” (مناطق الأناضول) حيث بقيت التماثيل هناك لعقود. هذا الحدث غير معروف تقريبا في السجلات البابلية و لم يذكر إلا لفترة وجيزة في السجلات الحيثية. لا يوجد دليل أثري بسبب الصعوبات المرتبطة بالتنقيب في المستويات الأولى في آثار بابل لكن يرى الباحثون أنه من الواضح أن الحيثيون لم يستقروا طويلا أو حاولوا حكم بابل. لا يزال القرن بعد غزو بابل هذا لغزا بسبب انعدام التام تقريبا للمصادر النصية و قليل من الأدلة الأثرية. لكن في 1500 قبل الميلاد سيطرت سلالة أجنبية جديدة على بابل: الكيشيون. أصلهم غير واضح و لغتهم لا تعرف إلا من خلال خصائص أسماءهم الشخصية. مثلهم مثل الأموريون، تبنوا مسارات و العادات البابلية و أثبتوا أنهم قادة ماهرون. كانت بلاد الرافدين متحدة و يسودها السلم و مستقرة نسبيا خلال قرون حكم الكيشيون.

كان ملوكهم في بابل يتواصلون بانتظام مع ملوك الحيثيين في الأناضول و ملوك “ميتاني” السوريين و فراعنة المملكة المصرية الحديثة. أظهرت مراسلاتهم التي وجدت في مصر و الأناضول أن الملوك البابليون أرسلوا إلى فراعنة مصر الخيول و هدايا أخرى و في المقابل كانوا يطلبون دائما الذهب كما كتبوا من جهة أخرى العديد من النصوص التي تحدثت عن مراسيم زواج بتحالفات أقيمت بينهما و أصبحت العديد من أميرات بابل ملكات في مصر.

في القرن الثالث قبل الميلاد بدأت قوة جديدة تفرض نفسها شمال بابل و هي آشور. و منذ تلك الفترة أصبحت بابل و آشور القوتان الرئيسيتان المهيمنتان و المتنفستان في بلاد الرافدين.

بابل تحت سلطة الإمبراطورية الآشورية

خلال زمن الضعف التي ميز نهاية فترة الكيشيون دخل أناس أجانب آخرون من الغرب، الآراميون، بشكل جماعي و أحيانا كمهاجرين و أحيانا أخرى كغزاة. بينما يبدوا أن لغات الأموريين و الكيشيين قد اختفت مع مرور الزمن فان اللغة السامية لهؤلاء الوافدين الجدد، الآرامية، بدأت في أخذ مكان الأكادية القديمة كلغة يتحدثها أهالي بلاد الرافدين. تم استخدام الآرامية على نطاق واسع في بابل و آشور على الرغم من أن الأكادية بقيت لقرون اللغة المرجعية في الكتابة. كانت اللغة الآرامية هي السائدة في المنطقة حتى انتشار اللغة العربية في القرن السابع للميلاد.

بين نهاية السلالة الكيشية و القرن الثامن للميلاد حكمت ستة سلالات محلية بابل و لم تكن أي منها قادرة على تحقيق القوة التي تضاهي تلك التي ميزت سلالة حمورابي أو الملوك الكيشيون. كانت في بعض الأحيان على علاقة جيدة مع الآشوريين و في أوقات أخرى تطغى العداوة بينهما خاصة و أن آشور أصبحت قوة لا يستهان بها. و يبدو أن الآشوريون قد احترموا دائما الثقافة البابلية و آلهتها حيث تعامل أباطرة آشور عموما مع البابليين بكرم أكبر من جيرانهم. رغم ذلك كان هناك نشوب لبعض الحروب بينهما لتدفع بالعديد من ملوك آشور الجدد إلى السيطرة المباشرة على بابل أو لوضع ملوك تابعين لهم على عرشها.

ظهرت في القرن الثامن قبل الميلاد مجموعة رابعة كبيرة من المستوطنين و الغزاة في بابل، هؤلاء الكلدانيون الذين جاؤوا من الأهوار الجنوبية. و رغم كونهم يتحدثون اللغة الأكادية مثل البابليين المحليين إلا أنهم اعتبروا كأعداء لسنوات عديدة. في نهاية المطاف، رغم ذلك، أصبح الكلدانيون مثلهم مثل الكيشيون و الأموريون قبلهم قادة و أسياد بابل.

الفترة البابلية الجديدة

جاءت الفترة العظيمة الثانية من الحكم البابلي، الفترة البابلية الجديدة، بعد ألف سنة من زوال إمبراطورية حمورابي. بالتعاون مع الميديين استطاع البابليون الإطاحة بالإمبراطورية الآشورية عام 612 قبل الميلاد و سيطروا على الجزء الكبير من المنطقة. الشخصية المهيمنة في ذلك الوقت كان ملك بابل الكلداني “نبوخذ نصر الثاني” الذي عرف على أنه غازيا و مشيدا كبيرا. إن بابل عهده هي الأكثر شهرة، مدينة ذات حجم و عظمة غير مسبوقة، إنها المدينة التي تحدث و وصفها هيرودوت و التي تم حفر آثارها و إعادة بناءها جزئيا.

كانت أسوار المدينة الهائلة بطول 18 كيلومتر مع ما لا يقل عن ثمانية أبواب ضخمة و تتربع على مساحة 850 هكتار. بينت داخل المدينة زقورة (برج مدرج) لمعبد مردوخ، إيسا كيلا، على ارتفاع كبير مرئي من مسافات كبيرة و يعتقد أنه كان مصدر الهام لقصة الكتاب المقدس التوراة لبرج بابل. تم تفكيك البرج بالكامل في العصور القديمة لذلك لا يمكن لأحد تحديد ارتفاع البرج بشكل موثوق. كان البناء في جميع الأماكن من الطوب المخبوز عوض الطوب المعتاد المجفف في الشمس الذي سيطرعلى العمارة في بلاد الرافدين منذ آلاف السنين. تواجهك أماكن كاملة من المدينة مثل مسار الموكب المؤدي إلى “باب عشتار” من طوب مطلي باللون الأزرق اللامع مزين بالأسود بسور الأسود و التنين المنحوت في نقوش بظلال مشرقة من الأصفر و الأسود و الأبيض.

لم يعثر علماء الآثار على أي دليل واضح عن الحدائق المعلقة الشهيرة و التي تم وصفها في المصادر التقليدية بأنها حدائق متدرجة على هيكل اصطناعي- و هو شيء خارق للعادة بالنظر لما تتطلبه التقنية لزراعة الأشجار في أعلى المباني- و لم يذكر أي مصدر معاصر عن وجودها أيضا، حتى هيرودوت لم يذكرها في وصفه المفصل لبابل. و قيل مؤخرا أن هذه الحدائق لم تكن في الواقع في بابل بل وجدت في آشور حيث تفاخر بها الملك الآشوري “سنحاريب” (الذي حكم من 704 الى 681 قبل الميلاد) حيث أقام مثل هذه الحدائق المدرجة التي تسقيها قناة مائية في عاصمته “نينوى”.

كانت الفترة البابلية الجديدة قصيرة الأجل و دامت أقل من قرن. كان آخر ملوك بابل رجلا عجوزا غريب الأطوار يدعى “نبو نيد” (حكم من 555 إلى 539 قبل الميلاد) الذي أهمل العيد السنوي لمردوخ و كان مخلصا لإله القمر. و يقال أن سكان بابل كانوا يمقتونه لدرجة أنه لم تشهد مقاومة تذكر للإمبراطور الفارسي “كورش الثاني الكبير” (حوالي 585 إلى 529 قبل الميلاد) عندما قام بغزو بابل في 539 قبل الميلاد.

بابل في عهدنا

بدأ فريق ألماني من الباحثين في أعمال التنقيب في بابل مع نهاية القرن التاسع عشر و قاموا بحفر مساحات كبيرة من موقع المدينة البابلية و نقلوا الجزء الكبير من بوابة عشتار إلى برلين حيث لا يزال من الممكن  رؤيتها في متحف “بيرغامون”. استمرت منذ ذلك الحين البحوث تحت القيادة العراقية و مع نهاية القرن العشرين طلب صدام حسين من الإدارة العراقية للآثار ترميم أنقاض بابل.. كانت النتيجة مكانا رائعا للزيارة على الرغم من أن بعض علماء الآثار استنكروا فعل أن العديد من الآثار الأصلية تم تغطيتها بجدران المعاد بناءها حديثا. رغم ذلك قد يكون العراق حاليا بعيدا على أن يكون وجهة سياحية شهيرة و لكن من الممكن أن يتحول في المستقبل الزوار من جميع أنحاء العالم نحو بابل مرة أخرى لرؤية بقايا ما كان أكبر مدن العالم في العصور القديمة.

 

 

 

 

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق