توحيد ايطاليا: قومية و ثورات و الحنكة السياسية

أطلقت الثورة الفرنسية و عصر نابليون العنان للقوى التي اجتاحت كل أوروبا و أصبحت القومية قوة جبارة في القرن التاسع عشر. و على الرغم من أن أتباع الثورة المضادة بذلوا جهدا كبيرا للسيطرة على الأفكار التقدمية في مؤتمر فيينا إلا أن أوروبا كانت تتغير بسرعة. في هذا السياق كان صعود القومية في ايطاليا و ألمانيا حدثين رئيسيين سيطرا على التاريخ الأوروبي بعد عام 1815.

أغرت المثل العليا للحرية و المساواة و الأخوة التي جاءت بها الثورة الفرنسية الشعب الايطالي و أدى انخفاض عدد الولايات في مملكة ايطاليا و الولايات البابوية و مملكة نابولي و صقلية و كذا الإصلاحات التي أدخلت من قبل الأنظمة النابليونية بين 1796 و 1814 إلى تحرير قوى القومية. كان ” يواكيم مورات ” الذي نصبه صهره نابليون الأول ملكا لنابولي و صقلية قد تصور فكرة الاتحاد الايطالي في عام 1815 قبل هزيمة نابليون.

عادت ترتيبات مؤتمر فيينا إلى تنشيط ايطاليا مرة أخرى فأعيد ” آل بوربون” إلى الجنوب على شكل مملكة الصقليتين و سادت البابوية مرة أخرى على وسط ايطاليا و سيطرت النمسا على البلد بامتلاكها مملكة لومبارديا و فينيشيا مع الحفاظ على روابط عائلة ” هابسبورغ” القوية مع ملوك مختلف الدويلات الايطالية. بقى فقط الجزء الشمالي – الغربي من ايطاليا ( مملكة بييمونتي – سردينيا) خاليا من السيطرة الأجنبية. و شملت الولايات الأصغر دوقيات الكبرى لتوسكانا و بارما و مودينا حيث كانت للعائلات الحاكمة علاقات وثيقة مع آل هابسبورغ النمساوية.

بزوغ القومية الايطالية

نشأت القومية الايطالية في البداية بلمسة من الرومانسية حيث قدم المؤلفون و الأدباء لاسيما ” أليسندرو مانزوني” مساهمة كبيرة في تعزيز هذا الإحساس الوطني. بعد 1796 طالب الماسونيون بايطاليا موحدة و إلى جانب الكراهية المشتركة للنمساويين ساهمت المزايا السياسية و الاقتصادية خلال أيام الإدارة الموحدة تحت حكم نابليون في صعود القومية بين الايطاليين.

وجهت الجمعيات السرية التي نشأت ضد الهيمنة النابليونية منذ 1810 اهتماماتها إلى الأنظمة الجديدة التي ولدت بعد مؤتمر فيينا. و تعهد أعضاء ” كاربوناري” و عددهم 50 ألف بالثورة ووقعوا أسماءهم بالدم. كان لديهم هدف مشترك و هو الاستقلال الوطني و التحرر من الهيمنة الأجنبية. تعرضت مملكة الصقليتين التي كانت تحت سلطة الملك ” فرديناند الأول” للهجوم من طرف ثوار كاربوناري بقيادة الجنرال ” غولييلمو بيبي” في جويليا  1820 ليتم وضع دستور ليبرالي و لكن العام التالي سحقت الثورة من قبل النمساويين. أسقط الدستور و اعتقل الثوار و يذهب بيبي إلى المنفى لمدة 20 سنة.

كان التمرد في ” بييمونتي – سردينيا ” بقيادة مجموعة من ضباط الجيش على رأسهم ” سانتوري دى سانتاروسا” في مارس 1821 قصير الأجل أيضا. تنازل الملك ” فيكتور ايمانويل الأول ” لصالح أخيه و طلب الملك الجديد ” شارل فيليكس” مساعدة النمسا في سحق التمرد. سانتاروسا الذي أصبح وزيرا للحرب وقت الانتفاضة بدوره يذهب إلى المنفى في فرنسا بعد فشل الثورة.

كان لثورة جويليا 1830 التي اجتاحت فرنسا تأثيرها في ايطاليا حيث حدثت سلسلة من التمرد، أعلن ” فرانسيس الرابع” دوق مودينا، بقصد توسيع سيطرته، أنه لن يعارض التمرد كما تعهد العاهل الفرنسي ” لويس فيليب” بأنه سيعارض أي تدخل نمساوي. و بتشجيع من هذا الأخير بدأ ثوار كاربوناري في ثورة في الشمال و جنوب ايطاليا. أصبحت دوقيتي بارما و مودينا بالإضافة إلى جزء كبير من الولايات البابوية تحت سيطرتهم و تم الإعلان عن برنامج المقاطعة الايطالية الموحدة. لكن مثل الانتفاضة السابقة في عشرينيات القرن التاسع عشر باءت محاولات ثورا كربوناري بالفشل بسبب التدخل النمساوي. لم يأتي لويس فيليب لمساعدتهم بعد تحذير النمسا من التدخل الفرنسي و في 1831 تسحق حركة المقاومة مرة أخرى.

مازيني المنظر

سيهيمن على حركة توحيد ايطاليا التي تعرف باسم ” ريزورجيمنتو” ( أي النهضة أو اعادة البعث) في ايطاليا ثلاثة قوميين بارزين كان لديهم إيديولوجية و إستراتيجية متميزة لكن لديهم بالخصوص هدف مشترك يتمثل في تحقيق الوحدة الايطالية. كان ” جيوسيبي مازيني” منظرا سياسيا و كان ” جيوسيبي غاريبالدي ” عسكريا و الكونت ” كاميليو بنسو دى كافور” سياسيا.

انظم مازيني إلى حركة كاربوناري عام 1827 لكنه سجن في سافونا عام 1830. بعد الإفراج عنه ناشد الملك الجديد ” شارل ألبرت” من بييمونتي – سردينيا لتحرير الولايات الايطالية من الحكم النمساوي. على الرغم من انضمامه إلى كاربوناري حيث كان يطور الوعي بين الايطاليين كان مازيني يبتعد عنهم مع الوقت.

أنشأ في منفاه بمدينة مرسيليا الفرنسية عام 1831 جمعية ” ايطاليا الفتاة” ( جيوفيني ايطاليا) لتوحيد بلده. كان يؤمن بقوة الشباب و العضوية في الجمعية كانت مقصورة على من هم دون سن الأربعين. بحلول عام 1833 و صلت الجمعية إلى 60 ألف منخرط. كان مازيني واضحا معاديا للملكية و يؤيد النظام الجمهوري للحكم كما كانت للإصلاحات الاجتماعية في أجندته دورا مهما. امتدت رؤيته لايطاليا الديمقراطية و الجمهورية إلى ما وراء الحدود و انتشرت حركة ايطاليا الفتاة مما أدى إلى ظهور ” بولندا الفتاة” و ” ألمانيا الفتة” و جمعيات أخرى تم دمجها في منظمة ثورية قارية تسمى ” أوروبا الفتاة” عام 1834.

آمن مازيني من خلال عقيدته السياسية للحرية و المساواة بحركة جماهيرية لإنهاء حكم النمسا و طرد العائلات الحاكمة للمماليك المختلفة في ايطاليا. فشلت محاولته في عام 1832 لإثارة التمرد في جيش سردينيا و حكم عليه بالإعدام غيابيا. عاش في سويسرا بعد طرده من فرنسا و قام بمحاولة أخرى فاشلة في عام 1834 ضد سردينيا. بعد ثلاث سنوات هاجر إلى لندن و جعل من المدينة قاعدته للقيام بالأنشطة الثورية. لقد أصبح شخصية أسطورية و ملهما للقومية في أوطان أوروبا.

غاريبالدي العسكري الثائر

شخصية أخرى لعبت دورا محوريا في الأحداث، ” جوسيبي غاريبالدي”. انظم البطل الثوري للوحدة الايطالية إلى جمعية ايطاليا الفتاة في عام 1833. شارك إلى حد كبير فلسفة مازيني السياسية كما حكم عليه بالإعدام غيابيا لمشاركته في تمرد ” بييمونتي” الفاشل عام 1834. عاش غاريبالدي في المنفى في القارة الأمريكية و شكل ” الفيلق الايطالي” عام 1843. مشاركته في تحرير أوروغواي عام 1846 جعله بطلا ليعود إلى ايطاليا برفقة 60 متطوعا للمشاركة في النضال من أجل توحيد الوطن و عرض مساعدته على سكان ميلانو. فيتوجه كل من مازيني و غاريبالدي إلى روما حيث ثار أتباع ايطاليا الفتاة في نوفمبر 1848، و يفر البابا ” بيوس التاسع” إلى منطقة نابولي حيث كانت هناك جمهورية ديمقراطية.

بدا أن الثوار الايطاليين كانوا يسيرون منتصرين في كل مكان و أصبح توحيد البلاد حقيقة واقعة. لكن الأمور تطورت عكس ذلك حيث قاد النمساويون هجوما مضادا, و كان ” شارل ألبرت” ملك بييمونتي – سردينيا قد قبل بنظام دستوري وضم لومبارديا الى دوقيتي بارما و مودينا و تولى قيادة القوات الايطالية ضد النمساويين، لكنه هزم في معركة ” كوستوزا” في جويليا 1845 و مرة أخرى في معركة ” نوفاري” في مارس 1849. و انتهى به الأمر بالتنازل عن العرش لصلح ابنه ” فيكتور ايمانويل الثاني”.

حسمت هزيمة ألبرت مصير بييمونتي و سردينيا و لومبارديا و فينيتو و ربما كل ايطاليا. البندقية المحاصرة لم تقاوم و استسلم ” مانين” القائد للجيش النمساوي في أوت 1849. انتهت جمهورية “سان مارك” و في هذه الأثناء دعا البابا فرنسا للمساعدة. يستسلم مازيني لأمر الواقع ليعود منهارا إلى لندن حيث حاول بعدها الدفع لانتفاضة الجمهوريين (مانتو في 1852 و ميلانو في 1853).

كافور السياسي المحنك

فشلوا لكنهم أشعلوا الضمير الوطني.. جعل الدفاع البطولي غاريبالدي شخصية أسطورية في ملحمة الوحدة الايطالية. عادت ايطاليا تقريبا إلى وضعها الذي كانت عليه قبل عام 1848 مقسمة إلى إمارات ذات سيادة مع استمرار الحكم النمساوية. المرحلة الثورية للوحدة قد انتهت و ترك الأمر للدبلوماسية الحذرة لكافور، رئيس وزراء بييمونتي – سردينيا لانجاز المهمة و تولت المملكة هذه القيادة و كان لها حينها دستورا و انتخبت برلمانا.

بدأ كافور بنشر صحيفة ” ال ريسوجيمنتو” في عام 1847 و أصبح المتحدث باسم الحركة نحو توحيد ايطاليا. دخل البرلمان في 1848 – 1849 و أصبح بعد ذلك رئيسا لوزراء بييمونتي في عام 1852. عرف كافور أنه يمارس السياسة الواقعية حيث أقام صداقة مع بريطانيا و فرنسا حتى أنه انضم إلى حرب القرم ضد روسيا إلى جانب فرنسا.

يقنع كافور نابليون الثالث بتوقيع ” ميثاق بلومبيير” في جويليا 1858 في الوقت الذي كان فيه ملك فرنسا يريد تعديل بعض أحكام مؤتمر فيينا و يرغب في ضم منطقة ” سافوا”. سوف تتوسع  بييمونتي – سردينيا لتصبح مملكة في شمال ايطاليا. تهزم بعدها النمسا في معركتي ” ماجنتا” و ” سولفرينو” في جوان 1859 و شعر نابليون الثالث بالقلق عندما هددت بروسيا بمساعدة النمسا. يلتقي الملك الفرنسي بفرانسوا جوزيف ملك النمسا ليصل إلى صيغة تسوية سمحت لهذا الأخير بضم لومبارديا دون فينيتو و بييمونتي.

قيام الدولة الايطالية

أدت بعدها الانتفاضات الشعبية في شمال و وسط ايطاليا إلى اندماج بارما و مودينا و توسكانا و روماني مع بييمونتي بعد استفتاء مارس 1860. و ينزل غاريبالدي مرفوقا بثوار ” الأقمصة الحمراء” البالغ عددهم ألف مناضل و يأخذ صقلية و نابولي و بعد ذلك صوتت الدولتان للانضمام إلى بييمونتي.

هزمت قوات بييمونتي الدويلات البابوية باستثناء روما و في مارس 1861 أعلن البرلمان الايطالي قيام مملكة ايطاليا و كانت البندقية و روما الوحيدتان خارج مدار ايطاليا الموحدة..

في الحرب النمساوية – البروسية عام 1866 انحازت ايطاليا إلى جانب بروسيا و تتحصل على البندقية ثم صوتت روما للاندماج مع الدولة الفتية في أكتوبر 1870 بعد الحرب الفرنسية – البروسية و بعد الهزيمة الفرنسية في تلك الحرب يتخلى نابليون الثالث عن روما لتدخلها القوات الايطالية بسهولة و تصبح عاصمة البلد في جويليا 1871. بات توحيد ايطاليا حينها شبه كامل و لم يسترد القوميون الايطاليون ” تريستا ” و ” ترينتو”، و انضمت ايطاليا إلى الحرب العالمية الأولى بشكل أساسي للحصول عليهما، و ذلك ما سيحدث بالفعل.

 

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق