جمال و مأساة الحضارة المينية: عندما لجأ الإنسان إلى الآلهة

اضطرت البشرية منذ حوالي عشرة ألاف سنة على التأقلم مع محيطها قبل أن تحاول تغييره لتطوير وجودها و معيشتها اليومية و كانت حياتها مرتبطة بقدرة أفرادها على التنظيم و البناء الجماعي معتمدين في ذلك كل المحصول المعرفي المتوارث عن الأجداد.

لكن بعض المجتمعات التي واجهت ويلات وغضب الطبيعة ارتأت إلى حلول و طرق أخرى للعيش في أمان وذلك باللجوء إلى “رحمة الآلهة”، ذلك ما حدث على سبيل المثل في جزيرة كريت باليونان، مهد الحضارة المينية.

في تلك الفترة، كان المينيون يمارسون التجارة بمهارة لأن الموقع الجغرافي الجيد لجزيرتهم، في شرق البحر الأبيض المتوسط، مكنهم من تصدير منتجاتهم و بضائعهم كزيت الزيتون و الخمور نحو مصر و السواحل الاسبانية حينها و من خلال تلك الرحلات كانت سفنهم تعود بالعديد من المعادن كالنحاس و غيره تستعمل في صناعة الأدوات و الأواني و الحلي.

كانت أكبر مدنهم لا يتعدى عدد سكانها المائة ألف نسمة. في قلب المدينة عثر على مسكن ملكي أثري و هو قصر كنوسوس، الذي بعد ترميمه في بداية القرن العشرين من طرف عالم الآثار البريطاني أرثرايفانس، كشف الموقع عن حضارة راقية حيث تبين أن المينيون كانوا يحسنون كذلك الفنون و تقنيات العمارة. كانت مدينتهم تصلها المياه عن طريق مجاري منظمة وبعض المنازل تحتوي حتى على تنظيم صحي و بيوت حمام فائقة التطور.

لكن هذه اللوحة الجميلة تخفي مأساة عاشها المينيون و المتمثلة في خضوعهم لأخطار في أي لحظة ناجمة عن انفجار البراكين و الزلازل التي تعرفها الجزيرة. في محاولة للتقليل من غضب الأرض لجأ سكان المدينة إلى الآلهة لأنه في اعتقادهم كل تلك الكوارث كانت نتيجة لغضب هذه الآلهة و للحصول على رضاهم كانت تقدم لهم القرابين، و ليست أي قرابين، دماء بشرية تهدى امتنانا.

عثر علماء الآثار، على بعد كيلومترات من قصر كنوسوس، على معبد غريب يحتوي على منصة صخرية و بقايا عظام لشاب ذو الثمانية عشرة سنة مربوط اليدين بحبال وبجنب جمجمته إناء من النحاس يستعمل لجمع دمه ليقدم قربان و احتفاء بالآلهة، كما أظهرت الدراسات بأن وفاته كانت بطيئة و مؤلمة.

قامت العديد من الحضارات عبر العالم بهذا النوع من الطقوس لطلب الحماية من الآلهة ولكنها لم تجدي نفعا أمام غضب الطبيعة حيث يبدو أن المراسيم التي كان يقوم بها سكان جزيرة كريت قد توقفت حينها بسبب زلزال عنيف أدى بحياة كل من كان في المعبد و دمر هذا الأخير.

.. و بقيت الإنسانية إلى يومنا هذا لم تكتشف كل أسرار التفاعلات الداخلية لتركيبة كوكبنا الذي قد يغضب في أي لحظة، و بقت البشرية بعيدة عن تحكمها التام في المظاهر الطبيعية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق