حضارة وادي السند: هارابا و موهينجو دارو

أقدم حضارة في جنوب آسيا تسمى حضارة السند أو حضارة ” هارابا “. نشأت هذه الثقافة القديمة في سهول و جبال وادي السند العظيم في باكستان و شمال غرب الهند في منتصف الألفية الثالثة (حوالي 2500 – 1900) قبل الميلاد. تحتل حضارة السند مكانتها في تاريخ العالم كأولى مدن الهند القديمة و كانت مدنها معاصرة لتلك الخاصة بشعوب ما يعرف بالعصر البرونزي في سومر و مصر السلالات و الصين.

كانت شعوب نهر السند في الغالب من المزارعين و الرعاة و الحرفيين و التجار. كانوا يقطنون ما لا يقل عن خمس مدن أشهرها ” موهينجو دارو ” و “هارابا ” و لكنها شملت كذلك ” دولافيرا ” و ” غانوريوالا ” و ” راكيغارهي “. موهينجو دارو و هارابا هي أكبر المدن و كل منها تغطي حوالي 100 هكتار، (المدن الأخرى أصغر قليلا ما بين 65 و 80 هكتار). و يعتقد علماء الآثار أن موهينجو دارو و هارابا كان عدد سكان كل منهما حوالي 20 ألف نسمة.

كانت حضارة السند إلى حد بعيد أكبر حضارات العصر البرونزي في آسيا حيث غطت ما يقرب المليون كيلومتر مربع و امتدت من الحدود الباكستانية الإيرانية الحالية في الغرب إلى الساحل الجنوبي لولاية ” غوجارات” الهندية في الشرق. الحد الشمالي هو سلسلة ” سواليك ” في البنجاب، على الرغم من وجود موقع آخر كذلك ” شورتوغاي” في شمال أفغانستان على نهر ” أمو داريا”.

بداية فترة ” هارابا”

لا تزال بدايات حضارة وادي السند غير معروفة بالتدقيق حيث يقول المؤرخون أنه كانت هناك فترة هارابا مبكرة ( حوالي 3200 – 2600 قبل الميلاد) و كانت هناك أربع ثقافات أثرية معاصرة تقريبا ( كوت ديجيان – أمري نال – دامب سادات – سوتي سيسوال) بدون مستوطنات كبيرة أو علامات التقسيم الطبقي الاجتماعي القوي و الظاهر حيث لم تكن هناك درجة ملحوظة من التخصص الحرفي خلال هذه الفترة.

يقول الخبراء أنه في حولي 2600 – 2500 قبل الميلاد كانت هناك مرحلة انتقالية بين حضارات هارابا و السند المبكرة حيث اجتمعت معظم المؤسسات الاجتماعية و الثقافية المعقدة لحضارة السند. و تطور التحضر الذي يميز هذه الشعوب فجأة على مدى مائة عام و بعد فترة طويلة من النمو و التغيير التدريجي أنشأت شعوب وادي السند مدنا و نظام كتابة و مجتمعا طبقيا. و يشار أنه كان هناك تغيير طفيف في التوازن الاجتماعي و الثقافي و الاقتصادي بين المزارعين و الرعاة على سبيل المثال.

بنيت المدن القديمة في وادي السند في سياقات نهرية : على الروافد السفلى لنهر السند (موهينجو دارو) و نهر ” رافي ” في البنجاب بالنسبة لهارابا و نهر ” غغار – هاكرا” بالنسبة لمدينتي ” غانوريوالا” و ” راكيغارهي”. و يشير علماء الآثار أنه يمكن أن تكون مدينة ” دولافيرا” استثناء لذلك حيث تقع الآن على جزيرة فيما يسمى ” ران كاشش” و هو مستنقع ملحي كبير فوق خليج ” كاشش”. لا يعرف إذا كانت ” ران” الضحلة اليوم ذراعا للبحر في الألفية الثالثة قبل لميلاد و لكن يؤكد الخبراء أن نهر “ران” كان يتغذى جزئيا من مياه نهر السند، لذلك يمكن القول أن دولافيرا لديها أيضا بيئة نهرية.

موهينجو دارو و هارابا

موهينجو دارو هي مدينة قديمة تم الحفاظ عليها بشكل جيد. لقد تم التخطيط لها منذ البداية و كان بناءها على الأقل بالنسبة للجزء الأكبر في منتصف قرون الألفية الثالثة قبل الميلاد. المدينة مبنية من الطوب المخبوز و لذلك السبب نجت آثارها بشكل جيد و تتكون من جزأين : تل صغير مرتفع يقع في الغرب يطلق عليه علماء الآثار اسم ” تل الحمام الكبير ” نظرا لوجود حوض استحمام للطقوس تقريبا في مركز الموقع الأثري. أما المدينة السفلى فتم وضعها حيث يعيش و يعمل معظم السكان و هي مهيأة في شكل شبكة حيث تمتد شوارعها الرئيسية من الشمال إلى الجنوب و من الشرق إلى الغرب بشكل منظم. المباني متعددة الغرف التي ربما كانت أيضا متعددة الطوابق تصطف على جانبي هذه الشوارع. تم تجهيز المنازل الخاصة بشكل عام بمرافق الاستحمام المتصلة بنظام الصرف الصحي العام.

أما هارابا فهي تقع في غرب البنجاب، باكستان، على الضفة الجنوبية لنهر ” رافي” على بعد 650 كيلومتر شمال شرق موهينجو دارو. هارابا هو اسم القرية الحديثة المجاورة للتلال الأثرية و ليس الاسم القديم للمدينة. كانت هارابا ، على عكس موهينجو دارو، معمورة و راسخة في المنطقة قبل ظهور حضارة وادي السند و كانت هناك قرى تعود إلى حوالي 4000 – 3200 قبل الميلاد. يشرح علماء الآثار أن هارابا هي أيضا مكان يمكن فيه توثيق الانتقال من حضارة هارابا البدائية إلى حضارة هارابا المتقدمة لذلك فهو موقع هام بالنسبة للباحثين. هناك بالإضافة مستوطنة صغيرة و مقبرة التي تم تقسيمها إلي مناطق ( سميت بحروف لاتينية) و هذه المنطقة قريبة من مرافق الدرس و معالجة المحاصيل من الحبوب و يعرف الجزء الجنوبي منها على أنه منطقة سكنية و أنشطة حرفية. يوجد في هارابا أيضا أكبر المقابر المعروفة لحضارة وادي السند.

التقنيات و نمط الحياة

كان لدى شعوب نهر السند نظام كتابة يتلخص في أشكال تصويرية على مجوعة من الأشياء و أشهرها النحت على الأختام بها كتابة و تصوير للحيوان. لا تزال كتابة حضارة وادي السند غير مفككة على الرغم من المحاولات العديدة من طرف المختصين. كانت الزراعة و تربية المواشي مهن مهمة لشعوب المنطقة و كانت الحبوب الرئيسية هي الشعير و القمح كما قاموا بزارعة شكلين على الأقل من البذور (البقوليات كالحمص) إلى جانب الخردل و القطن و العنب و التمور..

كانت شعوب المنطقة رعاة و بقايا سلالة البقر الهندي الأحدب هي باستمرار أكثر من 50 بالمائة من العظام التي تم العثور عليها في الحفريات الآثارية. كما أن تصوير الماشية كان مهم أيضا لديهم و من الواضح أنها كانت ثروتهم الرئيسية. منطقة السند عرفت كذلك بتربية الجواميس و الأغنام و الماعز و الخنازير كما تمت المتاجرة بأسماك الأنهار و البحر في مناطق واسعة. كان سكان السند حرفيين ماهرين و مبتكرين اخترعوا تقنيات مكنتهم من نحت الأختام و السيراميك و إذابة و تكرير و معالجة مجموعة متنوعة من المعادن ( علم الفلزات) و كانوا بارعين في صنع الخرز مع حبات العقيق الأحمر و حولوا أصداف البحر (محار) إلى أسوار و ملاعق و غيرها من الأشياء و تم دمجها في عناصر الزخرفة.

التفاعل مع الحضارات الأخرى

تم إثراء تاريخ العالم من قبل شعوب وادي السند الذين شاركوا فيما يسمى مجال تفاعل الألفية الثالثة قبل الميلاد مع آسيا الوسطى و هو مجال ربط بين شعوب السند بالبحر الأبيض المتوسط و آسيا الوسطى بخليج العرب في شبكة اتصال تجارية هامة. هذا التفاعل له جذور تاريخية عميقة و قد بدأ في وقت مبكر بكثير من حضارة السند لكنه وصل ذروته خلال النصف الثاني من الألفية الثالثة قبل الميلاد.

كانت التجارة مع بلاد الرافدين عبر خليج العرب جزءا من هذه الشبكة و قد وثقها الخبراء في كل من الوثائق المكتوبة و الأثرية. وفقا للنصوص المسمارية في بلاد الرافدين كانت المنتجات التي زودتها شعوب وادي السند هي العقيق و اللازورد و اللؤلؤ و أخشاب متنوعة و تمور و أنواع من الطيور و النحاس و الذهب. في الجهة المقابلة لم يتم بشكل واضح توثيق المنتجات التي تداولتها بلاد الرافدين مع شعوب السند لكنها قد تكون منتجات من المواد الغذائية و الزيوت و الأقمشة..الخ.

يظهر موضوعان على أختام السند المنقوشة لها أوجه تشابه مع الأساطير السومرية، الأول يظهر على ختم موهينجو دارو أنثى نصف بشرية و نصف ثور و وحش يهاجم نمرا مقرنا. يتم تفسير هذا على نطاق واسع لوصف قصة إلهة بلاد الرافدين “أرورو” التي خلقت وحشا لمحاربة البطل ” جلمامش”. الشكل الثاني هو مشهد قتال موثق كذلك في بلاد الرافدين حيث يقاتل جلمامش الحيوانات الزاحفة.

الإله الذي يصور عادة بقرون ثور يقع في مركز ديانة السند و يرتبط بعدد من الصور النسائية المختلفة و يقول الخبراء في هذا المجال أنه يمكن النظر إلى الصور النباتية و الحيوانات لحضارة السند على أنها تمثل جوانب محددة من الازدواجية العظيمة بين الرجل و المرأة و الأرض. هناك كذلك العديد من تماثيل حيوانات مركبة بعضها بثلاثة رؤوس على جسد واحد و جذع بشري على أجسام بأربعة أرجل و رجال برؤوس ثور أو نمر بقرون ووحيد القرن مع جذع فيل. و لا يوجد دليل واضح على عبادة النار كما تطورت الأمور لاحقا في الهند “الفيدية”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق