دنغ شياوبنغ: الأب الروحي لصين اليوم

عام 1973 ، كانت الصين لازالت تعيش جوا من التوتر بعد السنوات الصعبة للثورة الثقافية و مخلفاتها. ضعف “ماو تسي تونغ” كثيرا بعد الصراع الحاد بينه و بين المارشال ” لين بياو” و الذي أدى إلى تقوية مكانة الوزير الأول “تشو انلاي” و المصالحة الكبرى مع الولايات المتحدة.


بدأت الإشاعة تنتشر في شوارع بكين الواسعة و الفارغة من السيارات، “دنغ شياوبنغ” الأمين العام السابق للحزب الشيوعي و المعزول سابقا من طرف “ماو” في بداية الثورة الثقافية مع نهاية عام 1966، قد عاد إلى العاصمة و يكون قريبا من ممارسة مهام في أعلى السلطة..و بسرعة و لأول مرة ظهرت الإشاعة أنها حقيقة. فأصبح “دنغ شياوبنغ” من يومها آخر الأحياء من الحزب لما قبل 1966 و الوحيد الذي عاد لمقاليد الحكم. يتم تعيينه من طرف “تشو انلاي” الى جانبه كالرقم الثاني في الحكومة و بالخصوص قائد الأركان المساعد للجيش.
منذ تلك اللحظة أصبح العديد يتمنى أن هذا الرجل القصير القامة و المتأثر بتجارب الحياة و امتحاناتها أن يكون المنقذ لصين هشة. لكن رغم ذلك هل كان هناك مؤشر يوحي و يجعل منه ذلك الرجل الحامل لآمال تحرير شعب بأسره؟

 

مسيرة “الرجل القصير”

 

في الحقيقة لا شيء كان ينبأ بأن “دنغ شياوبنغ” سيكون هو الذي سيدفن إفلاس سياسة “ماو” بل بالعكس..من الجيل الثاني للثوار، ذلك الجيل من الشباب الذين التحقوا بالحزب الشيوعي الصيني خلال سنوات العشرين من القرن الماضي، ابن لوالد ميسور الحال في مقاطعة “سيشوان”. انتقل إلى أوربا ليعمل في مصنع بفرنسا و كان يتعلم الماركسية موازاة مع ذلك. بعد عودته الى بلده عام 1924 شارك في المعارك السياسية و شغل مناصب و كان بذلك في المسيرة الكبرى و أصبح أحد أهم مساعدي “ماو”.

انطلاقا من عام 1945 أصبح المحافظ السياسي للجيش الثاني تحت قيادة الجنرال ” ليو بوشنغ”، ثم قام “ماو” بترقيته إلى مسؤول تسريح المجندين بعد انتصار الثورة عام 1949 و تأسيس تدريجي لجهاز اداري مدني. في عام 1956 و عندما أراد “ماو” أخذ نوع من الحرية ترك له الأمانة العامة للحزب، المنصب الذي جعل منه المسؤول رقم 5 في إدارة البلاد و بالخصوص الممثل الوحيد للجيل الثاني للثوار في الدائرة الضيقة للقادة و الخليفة المحتمل يوما لماو.

رغم ذلك فهذا التفاهم و الاعجاب المتابدل لن يدوم طويلا. بعد أن خذله التطور الذي وصفه بالرجعي للسوفييت انطلق “ماو” في تجربة غريبة و المتمثلة في التطوير المتسارع للقرى الصينية و التي سماها “القفزة العظيمة للأمام” و التي نتجت عنها أكبر مجاعة في تاريخ الصين الحديث. و بوفاءه الدائم دافع “دنغ” في البداية على كل قرارات “ماو”. لكن في نهاية 1959 كان لابد من الاعتراف بفشل العملية. فأصبحت الصين متعبة و منهكة بعد هذا الفشل ليقرر “ماو” متظاهرا ترك السلطة لمقربيه خاصة لرئيس الجمهورية ” ليو شاوتشي” فاستطاع هذا الأخير خلال سنوات قليلة أن يضع البلد على الطريق الصحيح و بصرامة ثابتة.

 

كل شيء سيتغير

 

تدريجيا و في سرية تامة بدأ “دانغ شياوبنغ” مسار الاقتراب من “ليو شاوتشي”. و عندما استرجع “ماو” الحكم في نهاية 1965 معتمدا على الجيش بقيادة المارشال ” لين بياو” دفع بالشباب الصيني في هجوم على المقر العام باسم “الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى”. و هنا حسم مصير “دانغ” و رغم ذلك فلا هو و لا زوجته تم الاعتداء عليهما. فذهب للعيش في قرية صغيرة أين مارس لمدة ستة سنوات أشغالا فلاحية. و في يوم من أيام 1971 في اجتماع ببلديته الشعبية يسمع بإنهاء مهام “لين بياو” و موته فقال لزوجته : “كل شيء سيتغير..”. أيام بعد ذلك، أوقف أعماله اليومية و بدأ يحظى بالتكريم من طرف حرسه القديم، ثم في بداية 1972 كان بإمكانه الاستقرار من جديد في العاصمة بكين. حياته السياسية بعثت من جديد.

سقوط “لين بياو” عام 1971 لم يطهر بعد المناخ في الصين حتى و إن كان قد زعزع النظام نوعا ما، ففي عام 1973 كانت القيادة اليسارية الملتفة حول ” ماو تسي تونغ” لازالت صامدة أمام الوزير الأول ” تشو انلاي”. كانت تتكون من “شانغ شون شاو” و “ياو وانين” منظما الثورة الثقافية في شانغ هاي إضافة الى “وانغ هانغوان” (حارس مصنع أصبح بين ليلة وضحاها زعيم الطبقة العمالية)، هؤلاء يكونون مع “شاو شينغ”، زوجة “ماو” مجموعة مغلقة و متعصبة سميت بعد سقوطها ب “عصابة الأربعة”.

كان يتحتم على “تشو انلاي” و هو الذي أنقذ “ماو” من انقلاب “لين بياو” أن يستعمل الحيلة ليتمكن من قلب الموازين و مراجعة ثورتهم الثقافية. و بما أنه كان مريضا بالسرطان، احتاج إلى رجل يتمتع بصحة جيدة مثل “دنغ” الذي يعرف جيدا دواليب الجهاز ليقف في وجه عصابة الأربعة و النجاح شيئا فشيئا في زرع في قلب السلطة الفريق الذي سيجسد داخليا الدفعة المنجزة دبلوماسيا مع الولايات المتحدة. لكن الوقت كان قصيرا بالنسبة لهم و المناورة ضيقة من الناحية الأيديولوجية. فكانت حملة الانتقادات ضد أفكار “كونفوشيوس” و “لين بياو” عام 1974 نقطة الاحتدام و التناحر حيث أن الكل كان يعلم أن وراء قناع الفيلسوف القديم ما هو سوى نقد لطبقة أبناء “النبلاء” و “تشو انلاي” و ” دنغ شياوبنغ” وضعا في نفس الإطار الذين كان فيه “لين بياو”. انطلاقا من هذه الوضعية الحرجة انطلق “دنغ” في هجوم مضاد جعل منه خلال أربعة سنوات سيد الصين و الخليفة الحقيقي لماو تسي تونغ.

 

دنغ” يخلف “ماو

 

كان الانجاز هنا فريدا من نوعه حيث تمت المناورة على ثلاثة مراحل.. تمثلت المرحلة الأولى في السلوك الدفاعي المحكم في وجه عصابة الأربعة. عندما توفي “تشو انلاي” في ربيع 1976 حاول أتباع “ماو” التقليل من أهمية مراسيم الدفن فكان ذلك ما لا يمكن تحمله و في وثبة ديمقراطية حقيقية في جميع ربوع الصين خرج المواطنون في مسيرات حاملين الورود تكريما و إشادة بروح “تشو انلاي” و ليظهرون علنا الى أي معسكر تنحاز عواطفهم. بعدما اتهم بأنه منظم تلك المسيرات رغم أنها كانت في الحقيقة عفوية، يتم عزل “دنغ” من كل مسؤولياته. و الغريب في الأمر أنه لم يطرد من الحزب و نجا من الاعتقال. 

يقوم بعض الضباط السامون في الجيش الذين تربطهم به صداقة بحمايته، حيث عاش أحلك الظروف خلال شهور اضطهاد أتباع “ماو”. تمت حراسته و حمايته من طرف صديق قديم و هو الجنرال “سوشي يو” في فيلا سرية بمقاطعة “غوانزو” (كانتون- قديما).

لتأتي بعدها المرحلة الثانية بسقوط عرش “ماو” الذي تبع “تشو انلاي” الى قبره ستة شهور من بعد، في سبتمبر 1976. في آخر مرحلة من حكمه قام “ماو” بتعيين شرطي دون كفاءة في سدة الحكم و هو حسب ما يقال ابنه الطبيعي “هواغوفونغ” حيث كان تلك شبه مناورة لإظهار بأنه لم يترك الحكم كله لعصابة الأربعة مع حماية هذه الأخيرة من الغضب الشعبي. لكن “هواغوفونغ” فهم بأن الإبقاء على عصابة الأربعة في موضعهم سيؤدي حتما إلى حرب أهلية شاملة. يقرر و بشجاعة القضاء عليهم 15 يوما فقط بعد وفاة “ماو”. كانت العملية كرعد هز البلد بأكمله و ولدت انفجار شامل من الفرحة و الابتهاج الشعبي. فرض بعدها الجيش على “هواغوفونغ” اعادة ” دنغ شياوبنغ” الى بكين حيث كان مضطرا على الاستجابة لهذا الطلب متمنيا أنه سيحصره في بعض المناصب الاقتصادية.

بينما تدهورت الأوضاع الاقتصادية بعدها استطاع “دنغ” في المرحلة الثالثة التغلب على “هواغوفونغ” و بدأ ظهور الوعي الشعبي الذي أتم عمله. ففي مقاطعة “غوانزو” و بكين خرج شباب يتظاهر بتشجيع خفي من طرف “دنغ” مطالبين بحريات أكثر و إصلاحات. و انطلاقا من هنا بدأ تطهير النظام من أتباع “ماو” و فتحت القنوات لإعادة الاعتبار، و هذه المرة بصفة كاملة، لعشرات الآلاف من الإطارات المهمشة. حتى داخل الجيش قام المرشال “يوشانبينغ”، أحد آخر أعضاء الحرس القديم، بتأكيد تأييده الكامل لدنغ. في ربيع 1978، محاصرا من كل الجوانب، لم يجد “هواغوفونغ” مخرجا سوى الاستسلام و أصبح الطريق معبد لكي تبدأ الإصلاحات و بنجاحها التغيير التام للصين.

 

المنعرج الأخير

 

من البداية كانت إصلاحات “دنغ” عنيفة وواسعة لم تكن متماطلة حيث قضى على التسيير الجماعي في القطاع الفلاحي و كنتيجة لذلك أصبحت الصين خلال سنة واحدة تملك فائض من الحبوب و مصدرة للأرز، كما قام بتحرير التجارة الخاصة وتفتح على الغرب و أذاب الجليد على قطاع الثقافة و الفنون. إنها صين ما بين 1978 إلى 1983 التي قامت بأول “بريسترويكا” بفرق كبير عن الاتحاد السوفياتي، هنا رافقها نمو اقتصادي كبير.. براغماتية ” دنغ شياوبنغ” سمحت له كذلك بتوليد ثورة اجتماعية حقيقية و إنقاذ الصين بكل بساطة.

لكن ما لبث هذا النجاح أن تتمخض عنه توترات جديدة و كبيرة.. أهمها تلك التي شهدتها ساحة “تيانانمن” ببكين عام 1989، إنهم أبناء إصلاحات “دنغ” الذين انقلبوا عليه و هم يطالبون الآن بالركن الخامس من الإصلاحات و عصرنة النظام : الديمقراطية، التي كان من المفترض أن تتبع الإصلاحات الأربعة السابقة تلك التي مست الفلاحة و الصناعة و العلوم و الدفاع.

عند وصوله إلى هذا المنعرج حاول “دنغ” الكهل حماية حزبه الشيوعي (العزيز على قلبه) و إخراجه من هذا الامتحان الصعب مع إصراره بعدم منح أي سلطة لمعارضيه الذين كانوا ينتظرون في هذه اللحظة لإعادة النظر في إصلاحاته.. فنجح “الكهل” في آخر الامتحان.. صين اليوم هي من نتاج كفاحه و تصوره.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق