رابطة “أسيان”: تكتل جنوب شرق آسيا

شعارها ” رؤية واحدة، هوية واحدة، مجتمع واحد “.. تأسّست رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة اختصارا باسم “أسيان” كرد فعل للاضطرابات السياسية الدولية خلال سنوات الستينات من القرن الماضي و خاصة حرب فيتنام التي هددت استقرار المنطقة.

أعضاءها في الأصل هم : اندونيسيا ، ماليزيا ، تايلاند ، سنغافورة ، و الفيليبين. قررت حينها هذه الدول أن صوت موحد سيساعدهم أحسن في تسيير العلاقات الإقليمية و الدولية على ضوء ما خلفته الحرب. تصريح بانكوك يوم 8 أوت 1967 و الذي أعلن إنشاء أسيان حدد هدف المنظمة و المتمثل في ضمان أمن دول الأعضاء خاصة في مواجهتهم للشيوعية.

صوت موحد

باجتماعهم في أسيان، حاولت دول المنطقة و لأول مرة إسماع صوتها لبقية العالم. و انطلاقا من ذلك كان هناك إحساس بتقرير المصير و وعي بأن جنوب شرق آسيا كمجال جغرافي منفصل و متميز له أهميته على الساحة الدولية. تأسيس أسيان تزامن مع أحداث تاريخية وقعت في أماكن أخرى من العالم، ففي عام 1967 تعلن الحكومة البريطانية انسحاب قواتها من المواقع الموجودة شرق قناة السويس و البحر الأحمر، قرار له تداعيات على أمن ماليزيا و سنغافورة بالخصوص. إلى ذلك الحين كانت المملكة المتحدة البريطانية تحافظ على قوات عسكرية معتبرة في ماليزيا و سنغافورة بموجب اتفاق دفاع مشترك يضمن أمن البلدين الآسيويين. بالإضافة إلى أهمية القواعد العسكرية بالنسبة لاقتصاد البلدين حيث ساهمت في نوع من الاستقرار الاجتماعي كانت لها مهمة ردع المتمردين الشيوعيين في الداخل و الخارج، و بالتالي انسحاب البريطانيين خلق نوع من الغموض في ما يخص الاستقرار السياسي للبلدين.

بعد “هجوم تيت” في بداية 1968 الذي شنه الثوار الفيتناميون ” فيت كونغ” على 36 مدينة و قرية جنوب فيتنام المدعم من طرف الولايات المتحدة، انخفض الدعم الأمريكي لحرب فيتنام. الرئيس الأمريكي ” ليندن جونسون” غادر مهامه بعد عهدة واحدة فقط و الرئيس الجديد ” ريتشارد نيكسون” المنتخب عام 1969 على أساس برنامج يعد بانسحاب أمريكا من ذلك الصراع. ما عرف ب “سياسة غوام” لعام 1969 كانت قاعدتها أن الولايات المتحدة تتخلى عن كل التزاماتها الدفاعية في المنطقة.

يتنقل الرئيس نيكسون في زيارة لجمهورية الصين الشعبية في عام 1972 ، و كان ذلك حدث بارز كون الولايات المتحدة لم تعترف بالجمهورية الشعبية كحكومة شرعية لصين تلك الفترة (لم تقم علاقات دبلوماسية كاملة مع الصين سوى في عام 1979). انطلاقا من هذه التغيرات الجيوسياسية المتسارعة كان من الطبيعي و دون شك أن دول الأعضاء في أسيان أحسوا بوجوب الدعم و التعاون المتبادل بينهم.

إشكالية التنوع

أسيان مع ذلك تحوي في عمقها شرخا أساسيا و المتمثل في انعدام التجانس بين الدول الأعضاء، هذا الضعف ازداد عندما التحقت بالرابطة كل من سلطنة بروناي في 1984 و فيتنام 1995 و لاوس و مينمار (بورما) 1997 و كمبوديا 1999.

الإشكالية طرحت في أول الأمر من حيث التنوع العرقي، حتى نهاية سنوات الستينات كان بديهي أن سنغافورة يسكنها مواطنون في معظمهم من أصل صيني و جارتها في الشمال ماليزيا بها المالاويين و فئة قليلة من أصل صيني, في ماليزيا التعايش و العلاقات بين المجموعات العرقية في أحسن الظروف متوترة و أحيانا يشوبها العنف.  و كأن الثروة في جنوب شرق آسيا تتبع الأصول العرقية و الأقلية الصينية في كل هذه الدول و بصفة عامة غير متناسبة هي الطبقة الثرية، مشكل آخر للتوترات.

بالإضافة إلى ذلك و مع اختلاف في الأصول العرقية هناك كذلك اختلاف في الدين و المعتقدات. بينما سكان سنغافورة بوذيين و مسيحيين و مسلمين، الفيليبين ذات أغلبية مسيحية و تايلاند ذات أغلبية بوذية و ماليزيا و إندونيسيا أغلبيتهما مسلمة.

يضاف كذلك الاختلاف من حيث التعداد السكاني، ففي اندونيسيا يفوق عدد سكانها 260 مليون بينما دولة – مدينة سنغافورا عدد سكانها حوالي 6 ملايين و ماليزيا تقريبا 33 مليون بينما تايلاند 70 مليون و سكان الفيليبين 110 مليون. بالتالي من حيث المسائل ذات الصلة بكل هذا مثل سهولة الحوكمة و الاستقرار السياسي و المشاكل الاقتصادية من إنتاج و استهلاك تبدو دول أسيان مختلفة لحد كبير.

يأتي في الأخير و لمدة أكثر من ثلاثة عقود اختلاف ملحوظ في أسيان من حيث الثراء النسبي حيث كان لسنغافورا ناتج قومي للفرد يتعدى 30 ألف دولار بينما في اندونيسيا هو أقل من 700 دولار و أقل بكثير في لاوس و فيتنام و كمبوديا. رغم أن أرقام التكافؤ من حيث القدرة الشرائية تنقص من هذه الإختلالات و الاختلافات إلا أنه كان هناك اختلاف و انعدام توازن في الثروة بين دول الأعضاء و تصعب عادة مختلف الأولويات الاقتصادية الوصول إلى اتفاقيات في السياسات الاقتصادية.

مرحلة الجمود

بسبب هذه المشاكل المتعلقة بالتنوع و مختلف الأجندات السياسية الناتجة عنها و بالخصوص بسبب مبدأ عدم التدخل و وجوب التوافق في اتخاذ القرارات بقت رابطة أسيان لعدة سنوات جهاز سياسي ضعيف نسبيا. كانت الاجتماعات السنوية تعطي فرصة للتطرق لبعض القضايا و التحادث حول البدائل لكن قلما تصل إلى قرارات كبيرة و حاسمة.

العديد من الأعضاء كانوا من الناحية الاقتصادية في تنافس كبير و مباشر فيما بينهم مما جعل التعاون صعبا. كانت مسائل الدفاع تطرح إشكاليتها كذلك. خلال الحرب الباردة كانت اندونيسيا تدعم دول عدم الانحياز بينما تايلاند و فيليبين لديهما علاقات متينة مع الولايات المتحدة كما كانت هناك روابط بين بريطانيا و أستراليا و زيلاندا الجديدة و ماليزيا و سنغافورة بموجب اتفاق دفاعي بين هذه القوى الخمس. بالتالي كانت هناك استحالة لوجود و الوصول إلى روابط من الناحية الدفاعية و الهدف العام لأسيان كان ضمنيا “الحياد و السلام “. يقول الخبراء أنه أساس تلك الوضعية و المواقف راجع إلى نوع من الخوف “الصغير” من بعضهم البعض.

أسيان التجديد

انطلاقا من سنوات التسعينات بدأت رابطة أسيان إعادة الروح لملامحها خاصة لأسباب اقتصادية. عرفت اقتصادات الدول الأعضاء نموا سريعا بفضل مزيج من الاستثمارات الأجنبية و وجود اليد العاملة غير مكلفة و استقرار سياسي و وفرة الموارد الطبيعية. كانت بالنسبة لأعضاء أسيان العولمة تهديدا و لكن في نفس الوقت فرصة. إزالة الحواجز التجارية الإقليمية و العالمية و تكثيف التنافس و التغيرات الاقتصادية لا يمكن تعطيلها و لا تأجيلها خاصة أمام المنافسة التي فرضتها الجارة الصين الشيء الذي دفع بدول أسيان لإعلان انطلاق معاهدة التبادل الحر (أفتا)  و كانت بداية الحوار بين أسيان و الثلاث قوى المجاورة (الصين و اليابان و كوريا الجنوبية) التي بدأت عام 1999 و هي محاولة جلب الصين في مدار أسيان و بالتالي مساعدة و تسهيل تنظيم التجارة و الاستثمار. في الأخير توصلت مجموعة أسيان و القوى الثلاثة المجاورة إلى اتفاق التبادل الحر في عام 2010 و تبقى ليومنا هذا كل الاحتمالات واردة في قدرة الرابطة على التأقلم و التجديد للعقود الآتية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق