روما القديمة واستعراض القوة: يوليوس قيصر، من المجد الى الاغتيال

طموح وغزوات وقتل ونزوات وتفوق تكنولوجي مطلق.. تلكم هي أحجار الأساس التي بنيت عليها امبراطورية روما القديمة. كان الرومان يدفعهم أنا ثقافي جماعي كسيل يندفع الجميع في مجراه. المنشآت الضخمة من ملاعب وقصور وطرق وقنوات المياه غطت ثلاث قارات وكانت تجسد قوة وطموح الحضارة الأكثر تقدما في عالم تلك الفترة حتى أصبحت تلك المعالم هي رمز لمجرد ذكر فكرة روما، غير أن نفس ذلك الطموح اللامحدود كان هو كذلك سبب تدميرها.

في يوم 15 مارس من عام 44 قبل الميلاد كان أقوى رجل في العالم ملقيا على الأرض في مدخل مبنى مجلس الشيوخ.. عندما كان جنرال جال في ربوع الامبراطورية وكرجل سياسي صعد بسرعة البرق الى القمة، ورغم ذلك فالمقاتل الذي جرح عدة مرات في المعارك اغتيل بضربات الخناجر في روما نفسها و بأيادي الرومان أنفسهم.. انه غايوس يوليوس قيصر.

اعتمد يوليوس في صعوده سياسي على ارادته في الحصول على أعلى رتبة في هرم السلطة في روما وبدى أنه أراد حكما غير محدود حيث لم يكن يقاسم الآخرين تلك السلطة مما أدى الى هلاكه.

فهم الجنرال الطموح الشاب منذ فترة أن طريق المجد الى روما يمر بساحات القتال البعيدة وهنا تعطشه للغزوات العسكرية سيولد براعة التقنية المذهلة في تاريخ الإمبراطورية.

كان يوليوس قيصر في عام 55 قبل الميلاد يقود جيشا متكون من عشر فيالق، 40000 مقاتل في المجموع، متجهين نحو الشمال مرورا ببلاد الغال (غاليا)، مقاطعة من مقاطعات روما وتشمل حاليا فرنسا وبلجيكا وسويسرا.. كان يريد الذهاب الى جرمانيا (ألمانيا) وعبور نهر الراين لأنه ولا جنرال من قبله تجرأ على تلك المغامرة. كان يريد أن يكون غازي مثل إسكندر الأكبر والذهاب الى ما وراء العالم المعروف لدى الرومان.

في تلك الفترة كان الراين عبارة عن حاجز طبيعي يحمي القبائل الجرمانية من التوسع وأطماع الرومان، لم يتمكن أي قائد روماني من عبوره. لكن غايوس يوليوس لم يكن يشبه أي جنرال ممن سبقوه. انه لا يريد القيام بذلك باستعمال السفن، زيادة على ذلك من أين له بسفن تحمل عشر فيالق من المقاتلين ؟ في منظوره لابد على جنوده أن يعبروا النهر على أقدامهم وفوق أحصنتهم.

من الناحية التقنية وفي ذلك الزمان بناء جسر واسع فوق نهر الراين (يتراوح عرضه بين 60 و 130 متر) يعتبر تحدي كبير بسبب عمق المياه وقوة التيار، واذا اعتبرنا أنه يستوجب إنجازه في أسرع وقت لمعطيات ومتطلبات عسكرية فذلك سيكون إنجازا خارقا للعادة لأنه لابد عليه تحمل ثقل 40000 جندي، الا ان يوليوس قيصر عزم على ذلك.. بناء جسر على نهر الراين سيبهر المواطن في روما ويرهب العدو الجرماني.

قام جنوده بسرعة ونجاعة كآلة محكمة بقطع وتقليم الأشجار التي توجد في محيط النهر وبدأ الجسر يتقدم فوق مياهه، فكانت معجزة تقنية لا مثيل لها في زمانها. كانت الأعمدة التي غرست في قاع النهر قطر كل منها 45 سنتمتر ويصل طولها حتى 10 أمتار كلما اقتربنا من وسط الجسر كي تخرج عن الماء، وبغرسها بشكل انحرافي استطاع المهندسون العسكريون ليوليوس تثبيت سطح الجسر.

اجمالا ولكي لا نتوه في الجزئيات الهندسية، الشيء الذي جعل ذلك الجسر مذهلا هو زمن انشاءه حيث تطلب سوى عشر أيام كي يسير يوليوس نحو مجده.

يقول المختصون أنه لو حاول البعض القيام بنفس الانجاز في يومنا هذا وبنفس تكنولوجيا ذلك العصر لكان الأمر مستحيلا، ولكن عندما يكون الآلاف من الجنود الأوفياء يكرسون جل جهودهم وطاقاتهم ليوليوس ومتحمسين لعبور النهر لإرهاب الجرمانيين تحقق المستحيل.

قيم يوليوس قوات العدو بحوالي 430 ألف رجل أي عشر مرات تعداد جيشه ولكن عندما رأى الجرمان فيالق الرومان تتقدم فوق الجسر فروا رعبا نحو أعالي الجبال.

قام يوليوس، لمدة ثمانية عشر يوما، باستكشاف الأراضي الواقعة شمال الراين دون أن يواجه أي مقاومة ثم عاد أدراجه ليعبر الجسر ثانية ويقوم بفكه.. كان ذلك استعراض أكثر من مقنع و بمثابة نموذج روما ذلك الزمان، تذهب أين تريد ولا أحد يمكنه أن يقف في وجهها، أو لنكون أكثر دقة.. يوليوس قيصر يذهب متى وأين يشاء.

كان جسر قيصر فوق الراين عبارة عن تلميح واشارة مبكرة لطموحه العميق حيث عشر سنوات بعد ذلك نفس الطموح دفع به الى قمة هرم السلطة في روما وسبب سقوطه كذلك. ففي عام 44 قبل الميلاد ومباشرة بعدما عين وعمره 55 سنة أول امبراطور (ديكتاتور) مدى الحياة بدأت شائعات اغتياله تنتشر في أروقة مجلس الشيوخ ، خاصة وأن بعض السلوكيات أصبحت تظهر حتى أنه يريد أن يعبد مثل الآلهة. تعدى طموحه كل الحدود الى درجة أن الرومان نفسهم وبصفة خاصة أعضاء مجلس الشيوخ أصبحوا يتقبلون حتى بمقتله ويناورون لذلك.

عموما استطاع يوليوس قيصر أن يزعزع المشهد السياسي الروماني وهو على قيد الحياة وجسد عند وفاته خطر الحكم المطلق. عندما اغتيل يوليوس أصبح انهيار روما يبدو تقربا بديهيا لأن مقتله كان صدمة اهتزت لها الإمبراطورية برمتها.
كان حكم يوليوس قيصر منعرج هاما في التاريخ السياسي لروما، غزو بلاد الغال وسع بشكل كبير مجال التأثير الروماني حينها خاصة في أوروبا الغربية، كما أن توطيد سلطته وضع حدا لجمهورية أعضاء مجلس الشيوخ والقناصل المنتخبين ديمقراطيا.
عاشت روما بعدها كإمبراطورية طغى عليها حكام استبداديون ذو حكم غير محدود، استغله بعضهم لبناء منشآت مرموقة وغرور وجهل البعض الآخر دفعوا بها الى الانهيار.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق