شاكا زولو: زعيم و أسطورة جنوب إفريقيا 

هو ” شاكا سينزا نغاكونا ” ، يقول المؤرخون أنه ولد على الأرجح في النصف الثاني من سنوات 1780 و قاد ظهور مملكة “زولو” القوية خلال فترة من تغيير سياسي و اجتماعي غير مسبوق في جنوب شرق إفريقيا. شخصية شاكا مثيرة للجدل في التقييمات المعاصرة ، يلقب مرارا على أنه “نابليون الإفريقي” ، عبقرية عسكرية ، رجل دولة و مؤسسها ، طاغية و أسطورة قوية. شاكا هو الشخصية المركزية في التفسيرات التاريخية التي تأكد ” مركزية” شعب زولو في تشكيل الدولة في شرق و جنوب إفريقيا في أوائل القرن التاسع عشر.

ظهرت مملكة الزولو في عام 1810 في ما يعرف اليوم بمنطقة ” كوازولو ناتال” في جنوب إفريقيا. تاريخيا في العصر الحديدي أقامت المجتمعات الناطقة بلغة “البانتو ” في هذه المنطقة الخصبة التي بلغ عدد سكانها حينها 300 فرد ثم طورت الزراعة الرعوية التعداد الى حوالي 1000 فرد و بحلول عام 1800 كان السكان قد أنشئوا العديد من المجتمعات الصغيرة التي كان يتراوح حجمها من أقل من ألف إلى عدة آلاف فرد. تكونت مشايخ القيادة من أصحاب مزارع كانوا مرتبطين بالمجتمع بشكل عام من خلال العلاقات الأسرية. في أوائل القرن التاسع عشر اجتمعت العديد من العوامل لتهيئة الظروف لزيادة الطبقات الاجتماعية و المنافسة على الموارد الطبيعية و التجارة لدى هذه القيادات.

منذ منتصف القرن الثامن عشر كانت تجارة العاج مع الأوروبيين حافزا رئيسيا لتوليد الثروة و السلطة لبعض القادة المحليين على حساب آخرين حيث كانت السيطرة على طرق التجارة و تراجع أعداد الأفيال عنصرا هاما في توطيد السلطة السياسية أو إضعافها. بالإضافة إلى ذلك أدت سلسلة من فترات الجفاف و المجاعة إلى تكثيف عملية الاندماج السياسي حيث سعى القادة الأقوياء مثل شاكا إلى تحويل العلاقات الاجتماعية القائمة بين القادة و أفراد المجتمع إلى دويلات معسكرة للحفاظ على الموارد.

بروز شاكا

كان شباب “آمابوتو ” ( الأشبال) تقام لهم مراسيم كانت في السابق مدارس لطقوس المرور إلى مرحلة البلوغ و هي بمثابة تجنيد للعمل في صيد الأفيال و الانخراط في الأفواج العسكرية اللازمة للدفاع عن مناطق الصيد و الطرق التجارية و الأراضي الخصبة. أدى ذلك إلى تشكيل دويلات عسكرية قوية و واسعة تتنافس بشراسة للسيطرة على الأراضي. لذا فان أصل مملكة الزولو و دول كبرى أخرى في جنوب شرق إفريقيا يكمن في الظروف التي خلقتها الحاجة المتزايدة للسيطرة على التجارة و الأرض و العمالة. في هذا السياق صعد شاكا و سطع نجمه..

بعد بدايات غامضة صنفت بعدها في خانة الأساطير المحلية، غادر شاكا رفقة والدته “ناندي” منزل والده “سينزا نغاكوما”.. عاد بعدها من منفاه و هو قد صقل مهاراته كخبير عسكري و محارب. في نهاية المطاف سيطرة على قيادة قبيلة زولو الصغيرة حينذاك و التي كانت إحدى روافد القبيلة السيدة “مثيثوا” في حوالي عام 1816. كان يومها شاكا قد أصبح رجلا يتمتع بمهارة استثنائية و قوة و قسوة في آن واحد. استثمر بسرعة ميزته السياسية و خبرته في معارك القتال بالرماح المقربة و المبتكرة و التي كانت دائما ناجحة في ساحات المعراك.

خلال نزاع بين مشايخ قبائل “مثيثوا ” و ” ندوانوي” منع شاكا جنوده و أفراد قبيلته الزولو من مساندة “مثيثوا”. سمح ذلك لشاكا التحرر نهائيا من حكم و سلطة “مثيثوا” و الولاء لهم و استطاع بعدها إرغام “ندوانوي” على التراجع و هزمهم في الأخير. في وقت لاحق نجح شاكا في تدريب المحاربين الشباب من أفواجه و تنظيم قوى مجتمعه و بالتالي تحويل مملكة زولو إلى قوة قتالية فعالة و رائعة ثم عزز الزولو سيطرتهم على المنطقة و شعوبها ووسعوا هيمنتهم شمالا و جنوبا. لقد غزوا الكثير من منطقة ” كوازولو ناتال ” و طردوا بعض المشايخ و فرضوا علاقات خضوع على أسس مجتمع طبقي متزايد بين مملكة زولو و القيادات المتبقية كتابعين لها.

السلطة و الاضطرابات

هذه السلسلة من الأحداث و دور شاكا المركزي فيها كان ينظر إليها لدى بعض المؤرخين على أنها النقطة المحورية في سلسلة الحروب التي اندلعت و الهجرة التي حدثت في سنوات 1820 و 1830 و المعروفة في سجلات تاريخ الزولو ب “مغيكان”..

مع ذلك أصبح من المقبول لدى المؤرخين المعاصرين بشكل عام أن الناهبون و المغامرون البيض و تجار الرقيق و المستوطنون الأوروبيون كان لهم ، بدرجات متفاوتة ، تأثير كبير على المجتمعات الإفريقية و تشكيل دول جنوب شرق القارة. لم يكن شاكا و مملكة زولو بمفردهما مسئولان عن الاضطرابات و التغيرات الاجتماعية و السياسية واسعة النطاق التي أدت إلى صعود مماليك افريقية كبرى في المنطقة. عكس ذلك فالتفاعلات المعقدة للمجتمعات الإفريقية مع الناهبين البيض و تجار العاج و الرقيق هو الذي دفع القادة الأفارقة إلى استراتيجيات دفاعية أو حتى عدوانية لتعزيز و حماية ممالكهم الناشئة.

بعد صعود شاكا إلى السلطة كثف الزولو من غاراتهم و بشكل رئيسي على قطيع الماشية ووسعوا حكمهم من خلال حاميات محرابيهم المنتشرة في جميع أنحاء المنطقة. مع ذلك كانت قوة زولو ضعيفة تحاصرها معارضة داخليا و خارجيا. ظهرت انقسامات عميقة الجذور داخل المملكة حيث فرض مجلس حكم زولو تمييزا عرقيا في المراكز الاجتماعية و توزيع الثروات بينهم و بين الشعوب الخاضعة.

تفاقمت الحساسية و النفور من شاكا و أرستقراطية زولو داخليا خاصة بعد ظهور تهديد خارجي عندما حاولت قبائل ” ندوانوي ” غزوهم عام 1826 و بقت التوترات رغم هزم الغزاة. فلجأ شاكا إلى سلسلة من العنف الوحشي  بتقتيل خصوم الزولو السياسيين و زادت تلك المجازر خاصة بعد وفاة والدتها و خلال فترة حداده عليها إلى درجة الجنون. أدى الوضع إلى مخاوف الأسر الحاكمة بشأن تجاوزات شاكا و انتهى الأمر باغتياله عام 1828 على يد أخويه الغير أشقاء و مساعده الشخصي. رغم ذلك كانت المملكة راسخة بما يكفي للبقاء و تجاوز أزمة الخلافة حيث عين “دينغان ” أحد قتلة شاكا ملكا على زولو.

زولو بعد شاكا

عزز دينغان سلطته و شرعيته كملك من خلال بعض القرارات كمصالحة القبائل و قادتها و لكن بشكل رئيسي من خلال العنف العقابي ضد المعارضين اللاجئين و العائدين الذين كانوا ضحايا اضطرابات عهد شاكا. جراء حملات عدوانية ضد بعض القبائل المجاورة أعطى دينغان الحق لمحاربيه في التمتع بالغنائم خاصة الماشية و التي كانت العماد الأساسي لمجتمع و اقتصاد زولو. بالإضافة إلى ذلك قام بتنمية التجارة التي وضع لبنتها الأولى شاكا مع المستعمرة البريطانية الفتية “بورت ناتال ” (دوربان حاليا) في الجنوب من أجل الحصول على الأسلحة النارية و تدريب رجاله عليها.

تزايد البيض و توسعهم في أواخر سنوات 1830 كان علامة على تراجع سلطة الزولو في المنطقة. محبطا بسبب الجهود البريطانية لوقف تجارة الأسلحة – و الأهم من ذلك لأنهم يأوون عددا كبيرا من معارضي زولو – تخلى دينغان عن علاقاته الغير مستقرة مع البريطانيين في منتصف سنوات 1830. لكن وصول مستوطني ” بوير فورتريكرز” تحت حكم ” بيات رتياف” عام 1837 كان بمثابة تحديا لمملكة زولو و أدى لضياع دينغان الذي أدرك جيدا الميول التوسعية للبوير، فيقوم بقتل ” رتياف” و مجموعة من رجاله الذين تفاوضوا على تنازل الزولو عن أراضيهم للمعمرين. حينها طالب البوير بقيادة حاكمهم الجديد ” أندريس بريتوريوس” الانتقام من الزولو و حدث ذلك خلال معركة نهر “نكوم” (أي الدم).

بعد ذلك بقت العلاقات بين زولو و البيض متوترة. و في تطور غريب و تقارب طموحات أخ دينغان غير الشقيق و أطماع البوير يفر عام 1839 ” مباندي” من المملكة و يشكل تحالف مع البوير ثم يعود بقوة مشتركة لهزيمة أخاه دينغان. الحدث كان نقطة تحول مهمة في مسار مملكة زولو. على الرغم من أن مباندي و خلفاءه احتفظوا بنوع من الاستقلالية حتى 1879 إلا أن توجه البوير في طموحاتهم قد أعلن أن تدخل البيض في جنوب شرق إفريقيا سيلعب دورا هاما خاصة في مصير مملكة كانت تتجه نحو الاندثار..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق