ظهور الإنسان العاقل: القفزة النوعية في التطور

على الرغم من أن الثغرات الموجودة في السجل الآثاري حالت دون اكتساب الباحثين فهما واضحا لكيفية ظهور الإنسان الحديث تشريحيا إلا أن هناك شبه إجماع على أن الإنسان العاقل (هومو سابيانس) قد ظهر لأول مرة في شمال و وسط إفريقيا، ثم أنه استعمر قبل 200 ألف سنة معظم القارة الإفريقية و استقر في مناطق خطوط العرض المعتدلة في أوراسيا ( أوروبا و آسيا).

ميلاد النوع الفريد

بما أن عددهم كان دائما أكثر في إفريقيا من أي مكان آخر، يبدو أن مجموعات من البشر القدماء المهاجرة من هذه القارة قد دفعت بالإنسان المنتصب للتنقل من مكان لآخر ثم تنوعت إلى العديد من الأصناف الإقليمية المميزة دون أن تتفرع إلى أبعد من نوع واحد.

من وجهة النظر الثقافية قدم الإنسان العاقل القديم القليل من الابتكارات خارج مجال صناعة الأدوات الحجرية. ظهر منذ حوالي 200 ألف سنة تقدم واضح في الأعمال الحجرية لأول مرة في إفريقيا الاستوائية ثم انتشر إلى أوروبا و اعتمدت هذه التقنية المعروفة علميا باسم ” ليفالوا” على نواة حجرية (عادة من الصوان) تم تشكيلها مسبقا في أنماط ثابتة مما سمح للحرفيين بتحديد أبعاد رقائق باتساق معقول. تضمنت مجموعة أدوات ” ليفالوا” كاشطات متخصصة متصلة بأغصان خشبية من بين أكثر من خمسين نوعا من الأدوات المصممة لهذا الغرض.

يتصور الخبراء الذين دافعوا عن تفسير متعدد الأقاليم للأصول البشرية مجموعات متميزة من الإنسان العاقل القديم تخضع لتغييرات تطورية في وقت واحد تقريبا. و مع ذلك فان الأدلة الآثارية و الجينية و الأحفورية الحالية تشير إلى أن الإنسان العاقل القديم هو كائن ذو إمكانات فسيولوجية و سلوكية لا يمكن تمييزها فعليا عن البشر الذين يسكنون الأرض حاليا. انه ولد منذ 200 ألف سنة لأول مرة من أسلافه الإفريقيين و منذ ما بين 130 و 30 ألف سنة ظهر في معظم نصف الكرة الشرقي ليحل تدريجيا محل المجموعات المختلفة لأسلافه القدماء. و قبل 30 ألف سنة، على أبعد تقدير، أصبح النوع الوحيد من أسلاف الإنسان و تشكلت السمات التشريحية و القدرات الثقافية التي ميزته كنوع فريد.

مميزات الإنسان العاقل

تم تحديد خصائص الإنسان العاقل من الرقبة إلى أعلى، لقد كون وجه منتصب بدقة بجبهة عالية و حواف صغيرة من حاجبين و الأسنان و فكين منخفضين و ذقن بارز. لقد أفسحت مساراته الصوتية المتغيرة المجال لتضخم البلعوم و إعادة ترتيب الحبال الصوتية و الحنجرة و اللسان مما سمح لهم معا بإنتاج أصوات أكثر تنوعا، خاصة حروف العلة. ارتبطت القدرة على التحدث بطلاقة بتوسيع إضافي و إعادة تنظيم داخلي للدماغ البشري الموجود في جمجمة أطول و أكثر استدارة. في الأخير أصبحت الجوانب المختلفة للإمكانات العقلية نتاج التعقيد البنيوي للدماغ.

في حين أن ما يقرب من أربعة أخماس القشرة المخية لا تزال غير ملتزمة بعمليات معينة، مما يترك مناطق كبيرة حرة في تطبيق الخبرة السابقة على الظروف المباشرة أو لإقامة روابط بين الأفكار، فان أجزاء من الدماغ تؤدي دورها و وظائف متخصصة للغاية مع تنظيم النصف المخي الأيسر لمهام مثل التفكير المتسلسل و التحدث و النصف الأيمن للتفكير المجرد و البديهي.

قدرة التعبير الرمزي

يمتلك الإنسان العاقل قدرة فريدة على إنشاء الرموز التي من خلالها غرس الأشياء و الأفكار بمعاني تقديرية تتجاوز أي شيء قد يكون مشتقا من التجربة الحسية. لقد وصلت الرمزية لدى الإنسان العاقل إلى تعبيرها النهائي في اللغة و ربما كانت النتيجة الأكثر كشفا لذكائه. ظهرت مع اللغة أولى مظاهر الثقافة القائمة على التعبير الرمزي عن التفاهم المشترك بين الأفراد. إن القدرة على خلق المعنى و القيمة و غرس المعاني و القيم في الأشياء و الأحداث قد مكنت الثقافة الإنسانية من الوصول إلى تعبيرها الكامل كآلية تكيف مرنة بشكل رائع و سريع التغيير و تراكمية إلى ما لا نهاية و حلت محل التطور البيولوجي تقريبا كعامل محدد رئيسي لبقاء الإنسانية على مدى طويل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق