عصر التنوير: روسو..التربية و الفلسفة السياسية

يصنّف جان جاك روسو، الفيلسوف السويسري المولد، الباحث عن الحكمة و الكاتب و المنظر السياسي و ملحن الموسيقى من بين أعظم شخصيات عصر التنوير الذي عرفته أوروبا بشكل عام خلال القرن الثامن عشر و هي فترة صحوة فنية و فكرية عظيمة بالخصوص في فرنسا.

ولد جان جاك روسو لزوجين ، “سوزان برنارد” و ” ايزاك روسو” في 28 جوان 1712 في جنيف بسويسرا. توفيت والدته بعد تسعة أيام من مولده. في سن مبكر من عمره كان يقرأ الروايات الفرنسية مع والده و اكتسب الطفل جان جاك شغفه لموسيقى من عمته. هرب والده من جنيف لتجنب السجن عندما كان جان جاك في العاشرة من عمره و في سن الثالثة عشرة انتهت دراسته الرسمية و أرسل للعمل في مكتب أحد الموثقين، لكن سرعان ما تم فصله من العمل على أنه لا يصلح سوى للعمل في صناعات الساعات. بعد ذلك أمضى روسو ثلاثة سنوات بائسة كصانع للساعات و هو ما تخل عنه عندما وجد نفسه في يوم من الأيام مستبعدا بشكل غير متوقع من مدينة جنيف بأبوابها المغلقة.

واجه روسو العالم ، في البداية، بدون أموال أو ممتلكات خاصة و بدون مواهب واضحة. التقى عام 1728 في مدينة “أنسي” الفرنسية ب ” لويز إليونور”، بارونة “وارينز”. عاش تحت سقفها بشكل متقطع لمدة ثلاثة عشر عاما و سيطرة عليه نفوذها خلال تلك الفترة. كانت السيدة “لويز دي وارينز” جميلة و ذكية، سيدة أعمال بالفطرة و تعيش بأفكارها.. دعمته ووجدت له وظائف لم تعجبه معظمها، حتى أن أحد أصدقاءها أخبرها يوما بعد فحص الفتي أن هذا الأخير لا يمكنه أن يكون سوى كاهن في قرية ليس أكثر. لكن روسو كان يقرأ و يدرس و يواصل التفكير و تابع الموسيقى و عمل كذلك لفترة كمدرس.

الموسيقى و أولى منشوراته

مشروع تدوين الموسيقى لروسو الذي نشره عام 1743 تحت عنوان ” أطروحة حول الموسيقى” لم يجلب له أي شهرة أو ثروة – فقط رسالة مجاملة من طرف أكاديمية العلوم – رغم ذلك فاهتمامه بالموسيقى دفعه لكتابة أوبرا سنة 1742 و أخرى في 1752 و سمح له بكتابة مقالات عن الموسيقى في موسوعة ” دونيس ديدرو” الشهيرة، ” رسالة عن الموسيقى الفرنسية” نشر عام 1753 و ” معجم الموسيقى” في 1767. كان روسو من سبتمبر 1743 الى أوت 1744 سكرتيرا للسفير الفرنسي في البندقية بايطاليا، و اختبر عن كثب الغباء و الفساد المنتشران في هذه الوظائف الحكومية. أمضى الفيلسوف، قبل نجاحه في خطبه الأولى في باريس، السنوات المتبقية و هو يعيش نمط حياة سيء لمفكر يكافح..

بدأ علاقة غرامية في مارس 1745 مع ” تيريز لو فاسور” التي كانت في الرابعة و العشرين من عمرها خادمة بيت لديه. بقيت معه طوال حياتها – كخادمة و مدبرة منزل و أم لأطفاله و أخيرا في عام 1768 كزوجة. كان لديهما خمسة أطفال، بعض كتاب السيرة تساءلوا عما إذا كان أي منهم ينتمي إليه، يبدو أنه اعتبرهم أبناءه على الرغم من أنه نقلهم إلى مستشفى (مأوى) للأطفال المهجورين، لفقدانه الوسائل المادية لتعليمهم و كان يعتقد أنه من الأفضل تربيتهم كعمال و فلاحين من طرف الدولة.

أصبح روسو عام 1749 صديقا للفيلسوف الفرنسي ” ديدرو” و أدى نشر رسالة لهذا الأخير عن المكفوفين إلى سجنه في ” فانسان”، و في طريقه لزيارة صديقه قرأ روسو إعلان عن جائزة مقدمة من طرف أكاديمية ” ديجون” لأفضل مقال حول موضوع : ” هل ساهم تقدم الفنون و العلوم أكثر في الفساد أم في تنقية الأخلاق؟”.. فاز روسو بجائزة الأكاديمية تلك من خلال مؤلفه ” خطاب حول العلوم و الفنون”، تهجمه الشهير ضد الحضارة تطلب منه ثمانية ستين مقالا دفاعا عن الفنون و العلوم. إذا كان هو نفسه يعتبر هذا المؤلف أنه ” الأضعف في الجدل و الحجة و الأكثر فقرا في التناغم الأدبي” فقد اعتقد مع ذلك أنه بدا أحد موضوعاته الأساسية و التي تلخص في كون ” الفنون و العلوم بدلا من أن تحرر البشرية و تزيد من سعادتهم سجنتهم في الغالب إلى أبعد الحدود”.

أعماله الكبرى

حاولت روايته ” جولي، إولواز الجديدة” الصادرة عام 1761 أن تصور المعاناة و المأساة التي يعاني منها التعليم “العبثي” و العادات الاجتماعية المقيدة للإنسانية الواعية. طرحت مؤلفات روسو الكبرى الأخرى : ” إميل، أو في التربية” و ” العقد الاجتماعي ” (1762) المهمة الأكثر صعوبة و هي بناء تعليم و نظام اجتماعي من شأنه أن يسمح للإنسان أن يكون طبيعيا و حرا و يعني ذلك حسب منطقه السماح للبشرية بالاعتراف بانعدام العبودية باستثناء عبودية الضرورة الطبيعية. يقول روسو في هذا السياق أن الحرية بهذا المعنى تعني أن تكون سعيدا.

نشر مؤلفه ” إلويز الجديدة” في باريس ، في البداية بعنوان ” رسائل عاشقين من سكان بلدة عند سفح جبال الألب”، العمل الأدبي هيكليا هو رواية مكتوبة على صورة رسائل.. الطريقة المبتكرة هذه جلبت نقدا حادا، لكن طبيعة محتواه من الجانب “العاطفي” جعلته يحظى بشعبية كبيرة لدى الجماهير و كان من أكثر الكتب مبيعا حتى الثورة الفرنسية عام 1789، و التي كانت انتفاضة ضخمة تدعو إلى التغيير السياسي و الاجتماعي في جميع أنحاء فرنسا.

لم تكن شهرة ‘إلويز الجديدة” تضاهي و تقارن حتى اليوم مع العاصفة التي ولدها المؤلفين الآخرين و هما ” إميل” و “العقد الاجتماعي”.. الأفكار المقدمة في هذه الأعمال كانت ثورية، خاصة في “إميل”، حيث أسلوبهما و سهولة مقرؤيتهما   جعلهما خطيرين خلال صدورهما. أدين كتاب “إميل”، الغير محبذ رسميا من قبل برلمان باريس (الهيئة الحاكمة حينذاك) و انتقد بشدة من طرف أساقفة العاصمة الفرنسية كما أحرق الكتابين من طرف السلطات في جنيف بسويسرا.

المنفى و الوفاة

أجبر روسو على الفرار من فرنسا و لجأ إلى “إيغردون” الواقعة في مقاطعة برن السويسرية و حتى هناك تم طرده من طرف السلطات و قضى السنوات القليلة الباقية في البحث عن مكان آمن للعيش فيه. ساعده في الأخير الفيلسوف البريطاني الشهير “دفيد هوم” على الاستقرار في ” ووتون” في مقاطعة ” ديربيشاير” في انجلترا في عام 1766، كما تمكن هوم من الحصول من الملك جورج الثالث على معاش سنوي (مبلغ مالي) لصالح روسو. هذا الأخير اعتقد أن هوم كان على اتصال و علاقة مع أعداءه الباريسيين و السويسريين فلم يرفض فقط المعاش التقاعدي و لكن انفصل و قطع علاقاته علنا مع الفيلسوف.

عاد بعده روسو إلى فرنسا في جوان 1767 تحت حماية الأمير “دي كونتي” متنقلا من مكان إلى آخر ليستقر في الأخير في باريس عام 1770 و أصبح يكسب رزقه في العاصمة الفرنسية، كما كان يفعل في الماضي، من خلال نشخ الموسيقى. وفي ديسمبر 1770 انتهى من كتابة سيرته الذاتية المعنونة “اعترافات” و التي كان يعمل عليها من 1766 و قام بقراءة هذا العمل في منازل خاصة مختلفة. آخر مؤلفاته ” أحلام اليقظة لمتجول وحيد” الذي بدأه عام 1776 و لم يكتمل حتى وفاته يروي فيه كيف وجد “المستبعد من المجتمع” الصفاء و الهدوء و السلام و حتى الحرية..

قبل روسو في عام 1778 ضيافة الماركيز ” دي جيرادان” في “إرمينوفيل” بالقرب من باريس و هناك مع “تيريز” بجانبه توفي في اليوم الثاني من شهر جويليا من نفس السنة، على الأرجح بسبب مرض “البولينا” و هو مرض خطير في الكلى. دفن روسو في ارمينوفيل و في أكتوبر 1794 ثم نقلت رفاته إلى ” بانثيون” (مقبرة العظماء) بباريس. و عاشت بعده ” تيريز” لمدة اثنين و عشرين سنة لتفارق الحياة في عام 1801 عن عمر يناهز الثمانين.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق