عصر الغزوات: المجريون يخترقون ممالك أوربا

تذكر غزوات المغول و الهون خلال القرون الوسطى لكن قلما يتذكر البعض تلك التي قامت بها الشعوب الهنغارية و التي استطاعت أن  تزعزع أغلب مماليك القارة الأوروبية في تلك المرحلة.

 

بدأ المجريون، أسلاف الهنغاريون، غزواتهم على أوربا الغربية عام 862 بعد الميلاد، حيث هاجموا البؤر الاستيطانية لمملكة الفرنجة في وادي “الدانوب”. تحت ضغط شعوب ” البجناك” (شعوب تركية من سهوب آسيا الوسطى) انتقل المجريون غربا و دخلوا في النهاية حوض “كاربات” في أوربا الوسطى عام 895 و على مدى السنوات العشر التالية سيطروا على الحوض بأكمله. من هناك استمروا في مهاجمة أوربا لنصف قرن من الزمن، ثم وصلوا الى أقصى الغرب تقريبا حتى جبال ” البرانس” بين فرنسا و اسبانيا. في تلك الأثناء كانت غاراتهم ناجحة إلى حد ما بحيث اضطرت الإمبراطورية البيزنطية و العديد من الممالك الأخرى دفع الأموال للمجريين للتخفيف من غزواتهم. انتهت غاراتهم تلك أخيرا في عام 955 خلال معركة ” أوغسبورغ” عندما هزمهم ملك ألمانيا ” أوتو الأول “.

من أين أتوا ؟

خلال القرن العاشر قبل الميلاد انتقل المجريون جنوبا من غرب سيبيريا إلى المنطقة الواقعة بين جبال ” الأورال ” و بحر ” آرال “، عاشوا هناك بعض الوقت حتى القرن الثاني قبل الميلاد. و عندما انتقلوا غربا إلى حوض ” الدون ” خلال القرن الأول ميلادي، بسبب تعرضهم لجيرانهم ” السكثيون “، وقعوا بعدها تحت تأثير الشعوب التركية في القرن السادس حيث انظموا إلى ” أونوغور ” و هو تحالف قبلي تركي يتكون من عشرة قبائل. بعده تم دمج أونوغور، بما فيهم المجريين، إلى الإمبراطورية التركية عام 552 لكن المجريون حصلوا على استقلالهم مرة أخرى في بداية القرن السابع فقط ليتم دمجهم في خانات ” الخزر” عام 630.

يحصل المجريون على استقلالهم من الخزر عام 830 ليستقروا بعدها في المنطقة الواقعة بين ” الدون ” و نهر ” الدانوب”. يقومون عام 862 بشن أول غارة ضد مملكة أوروبية حيث هاجموا قبائل الفرنجة و استمرت تلك الغارات على مدى سنوات و انطلقوا فيها أحيانا بمفردهم و أحيانا أخرى كحلفاء مع ممالك أخرى مثل الأتراك و ” المورافيين “. في عام 894 تحالفوا كذلك مع البيزنطيين تحت حكم ” ليو الحكيم ” و شاركوا بيزنطة في حروبها على البلغار. في نفس العام كانت هناك حركة ضخمة من الشعوب التركية من الشرق و التي دفعت ” البجنكاك” للخروج من موطنهم و الفرار حيث انتقلوا غربا نحو الأراضي المجرية. لم يجد “البجناك” المتحالفين مع البلغار صعوبة كبيرة في التغلب على المجريين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين ممالك عدائية من بلغاريين و بجناك. لم يكن أمامهم سوى الفرار غربا لتجنب الاندثار.

تحت قيادة زعماءهم ” أرباد ” و ” كوران” عبر المجريون جبال ” كاربات” ليسيطروا على مدى العشر سنوات التالية على وادي دانوب بما في ذلك تدمير مملكة ” مورافيا”. و مع وفاة القائد ” كوران ” أصبح أرباد الحاكم الوحيد للمجريين، ثم توفي هذا الأخير ليخلفه ابنه. استمروا في غزواتهم ليصلوا ايطاليا عام 899 بطلب من الإمبراطور ” أرنولف ” من مملكة الفرجة الشرقية ليساعدوه ضد منافسه الملك ” بيرنغار الأول ” ملك “لومبارديا” (الذي كان له الحق في التاج الإمبراطوري)، فأرسل أرنولف 5000 محارب في غارته على ايطاليا، و في حين تم صد الهجوم المجري الأول على البندقية ينجحون بعده في هزيمة بيرنغار في قتال على نهر ” برينتا”.

الوصل حتى جبال البرانس

بعد وفاة الإمبراطور ” أرنوف” عام 899 رأى المجريون أنها فرصتهم لنهب إمبراطورية الفرنجة التي تعيش حالة اضطراب عقب موت ملكها. و في عام 900 يشن المجريون أول غارة لهم على ” بافاريا” لتستمر المداهمات على مدى سنوات و بأكثر شراسة. في عام 910 هزم المجريون الألمان في معركة ” أوغسبورغ” حيث نصبوا لهم كمينا بينما كانوا يتظاهرون بالفرار ليستدرجوا عدوهم في فخ مكنهم من محاصرته و تدميره بسهامهم.

حسب معظم المؤرخين يعود السبب الأهم في نجاح الغارات المجرية تلك إلى ضعف الممالك الغربية التي انجرت في معارك داخلية ( في ألمانيا و ايطاليا) و انشغلت الأخرى خاصة بصد التهديدات الخارجية الأخرى حينها مثل النورمنديين و المسلمين الذين كانوا يهددون بالخصوص الأراضي الفرنسية، حتى الإمبراطورية البيزنطية وجدت أنه من المفيد أكثر أن تخضع المجريين و تستخدمهم كحليف ضد البلغار حيث كانت إستراتيجية المجريين المعيارية هي مهاجمة منطقة بشكل متكرر لإجبار حكامها على دفع الأموال للانسحاب.

في عام 924 يعيدون الكرة في اتجاه أوربا الغربية فيجتاحون بافاريا و شوابيا و الألزاس و لورين و شامبانيا فيعبروا نهر ” الراين” و يهاجمون ” فراكفونيا” قبل العود كالعادة لديارهم. في هذه المرحلة قرر الملك ‘ هنري فاولر” مقايضة و شراء تسعة سنوات من السلام مع المجريين ليستخدمها و يستعملها لإعادة تنظيم و تقوية سلاح الفرسان الألمان للدفاع بشكل أفضل لصد الغارات التالية.

ليأتي عام 926 فيشن المجريون غارة أخرى على شمال ايطاليا، تنقلوا عبر ” فينيتيا” و “لومبارديا” لكن تم صدهم في محاولتهم عبور جبال ” الألب” من قبل جنود “بورغوندي” و ” فيينا”. لكنهم تمكنوا من عبور الألب البحرية و هاجموا  “بروفانس” و ” سبتيمانتيا” في الجنوب الفرنسي حتى جبال ” البرانس” غربا. و بالعودة إلى وادي ” الرون” خاضوا عدة معارك غير حاسمة مع قوات من ” بورغوندي” و ” فيينا” ليعودوا بعدها إلى موطنهم.

معركة أوغسبورغ الفاصلة

عند انتهاء الهدنة التي اشتراها الملك “هنري فاولر” عام 924 و التي رفض تجديدها أرسل المجريون  عام 933 جيشا إلى ألمانيا ملكها بتمديد الصفقة. في مواجهة بالقرب من ” ميرسبرغ” تكبد المجريون الهزيمة على أيدي الألمان و بالتالي استطاع هنري و ابنه ” أوتو الأول” تحصين ألمانيا الشرقية و حمايتها من الغزاة. ليتحول بعدها هؤلاء إلى أهداف أسهل جنوب حوض ” الكاربات” في منطقة البلقان و الإمبراطورية البيزنطية. أنطلق المجريون في حملات متتالية في هذه المنطق بين عامي 934 و 942 و بدئوا يتلقون جزية بصفة منتظمة من البيزنطيين.

سمحت الحرب الأهلية في ألمانيا (953 – 955) بين “أوتو الأول” و ابنه ” لودولف ” للمجريين بنهب أوربا الغربية مرة أخرى، بقوة قوامها 100 ألف محارب تقريبا هاجموا ” فرانكونيا” و ” بافاريا”، بعد ذلك و بمساعدة ” كونراد” دوق “لورين” الذي كان حليف “لودولف” عبروا نهر ” الراين” و استقروا في ” لورين” ثم انتقلوا إلى شمال فرنسا في ” ريمس” و ” شالون” و ” بورغوندي”. تنقلوا بعدها إلى شمال ايطاليا ثم عادوا لديارهم كعادتهم. و في عام 955 عادوا إلى “بافاريا” و حاصروا مدينة ” أوغسبورغ” معتقدين أن ” لودولف” و ” كونراد” لا يزالان في حالة حرب مع “أوتو”. بدلا من ذلك عقد المتمردون الصلح مع “أوتو” و انظموا إليه لمهاجمة المجريين. بقوم قوامها 100 ألف من الفرسان الثقيلة تحرك الألمان لمهاجمة الغزاة الذين رفعوا حصارهم و استعدوا للمعركة. وقع التصادم يوم 10 أوت 955 ، وبعد بداية ناجحة نسبيا لصالح المجريين استطاع “أوتو” أن يقلب موازين القوى وهزمهم مع خسائر ثقيلة، كان من بينها مقتل “كونراد” في الهجوم الأخير.

خلال معركة “أوغسبورغ” (المعروفة أيضا باسم – معركة ليشفيلد -) انتهت أخيرا سلسلة غارات المجريين على أوروبا الغربية خاصة كذلك بعد هزيمة أخرى و أخيرة على يد البيزنطيين عام 970. كان ذلك بمثابة الفصل النهائي للغارات المجرية ليتحولوا بعدها إلى مزارعين في موطنهم لا أكثر.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق