عندما أصبح العقل ينتج: البشرية تكتشف الزراعة

بداية من حوالي سبعة عشرون سنة وجد الجنس البشري نفسه أمام امتحان صعب في مواجهته للطبيعة. بدأت درجات الحرارة في تنازل رهيب مما أدى إلى تجمد تقريبا كل المناطق الشمالية للكوكب الأرضي. للتغلب على هذه الصعاب استوجب مرة أخرى على الإنسانية التأقلم و التحرك أو الموت و كان ذلك خيارها الوحيد.

يقول الخبراء أن هناك اختراع لأصغر أداة مكن من تغيير مجرى الحياة لدى الإنسانية، إنها إبرة الخياطة. أول إبرة اكتشفها الباحثون يعود تاريخها الى حوالي سبعة عشر ألف سنة و تم العثور عليها بالتحديد في جنوب فرنسا. بواسطة هذه الأداة الصغيرة و التي قد تبدو بسيطة و الخيط المصنوع من أحشاء الحيوانات، استطاع الإنسان صنع ملابس على مقاسه حيث مكنه ذلك من تفادي الرياح الجليدية بحماية جسده ليقاوم الظروف المناخية و المغامرة في التنقل بعيدا عن مأواه للصيد و متابعة فريسته أطول وقت ممكن.

عندما أصبح الإنسان في مقدوره التواصل مع مجموعته و تنظيم حياته اليومية و كذا صناعة ملبسه، انتقل إلى مرحلة جديدة في الارتقاء حيث تعدى وجوده مجرد البحث عن المأكل بل انتقل إلى ملاحظة العالم الذي يحيط به و محاولة فهمه أكثر فأكثر.
اكتشف علماء الآثار في قلب جبال البيريني ( بين فرنسا و اسبانيا) على الدلائل الأولى التي تلمح ببداية الحس الفني لدى الإنسانية الأولى حيث استخلصوا بأن الجنس البشري بدأ بالوعي و بوجوده و مكانته في العالم الذي يحيط به منذ سبعة و عشرون ألف سنة. بدأ الإنسان في تلك الفترة يترك بصماته حيث وجدت، في مغارات غارغاس، أقدم بصمات يد إنسان في تاريخ البشرية و كانت بصمات أيادي تركت على جدران المغارات. نفس البصمات وجدت الأرجنتين و أستراليا و إفريقيا الجنوبية و كذا الولايات المتحدة. لقد كان الإمضاء الذي تركته البشرية الأولى لتقول ” كنا هنا”.”

عندما استطاعت البشرية أن تصنع الأدوات التي تحتاجها و الملابس التي تحميها و ترك بصمات على جدران المغارات، انتقلت في مواصلتها للنمو بمحاولة التحكم في الطبيعة لتغذية أفرادها الذين كانوا في تزايد مستمر.

منذ ستة عشر ألف سنة، بدأت درجات الحرارة في الارتفاع على سطح الكرة الأرضية مما أذاب تدريجيا الثلوج التي كانت تغطي جزء كبيرا من الكوكب. هذه الظواهر الطبيعية ولدت في الشرق الأوسط نهرا كبيرا، نهر دجلة الذي ينصب نحو الجنوب و فتح طريقا يقارب الألفي كيلومتر ليصل إلى خليج فارس و مع توأمه الفرات أصبحا يغذيان بالمياه مساحات شاسعة تعرف بالهلال الخصب.

مع لطف الجو و وفرة المياه، اكتشفت البشرية طريقة جديدة في التمتع و استغلال محاسن الطبيعة. كانت الإنسانية حتى تلك الفترة تعيش على التقاط الغلاة من الحبوب و النباتات.

في يوم من الأيام تساءل أحدهم عن إمكانية زرع هذه الحبوب. هذا التساؤل أحدث إحدى أعظم الثورات في تاريخ الإنسانية، عوض استهلاك كل ما جمع من حبوب قرر هذا الفرد ( يقال أنها امرأة) الحفاظ على كمية منها و إعادة زرعها و التحلي بالصبر.. اختيار نوع من الحبوب و زرعها قد يظهر لنا كشيء بديهي و بسيط ولكن في تلك الحقبة كانت العملية و الفكرة شيء خارق للعادة من حيث قدرة ذلك الإنسان البدائي على الاستشراف.

إنسان مزارع

تعتبر بداية الزراعة كمرحلة هامة في تاريخ البشرية حيث منذ تلك اللحظة أصبح في مقدور الإنسان التحكم و تغيير محيطه بصفة دائمة. ذلك الانجاز نقله من المخلوق الذي يعيش على الصيد والاقتطاف الثمار إلى إنسان مزارع. زيادة على زرع وحصد المحاصيل انتقلت البشرية إلى تخزينها لمواجهة الأوقات الصعبة التي قد تواجهها والتي يقل فيها المحصول.

من هنا يمكن القول أن الطبيعة أصبحت في خدمة الإنسان. تمكن منذ تلك الفترة من التحكم في المحيط، بل أكثر من ذلك أصبح بإمكانه السيطرة عليه و تغييره حسب احتياجاته الخاصة.

انتقلت معجزة الزراعة خلال خمسة ألاف سنة التي تلت خارج الحدود الهلال الخصب حيث قام سكان الصين و الهند و أمريكا الجنوبية بتطوير هذا النشاط بطريقتهم الخاصة. أصبحت الفلاحة تغلب عليها هيمنة ثلاثة حبوب و هي القمح و الأرز و الذرى و مازالت هذه الحبوب الى يومنا هذا هي مصدر أغلب الأغذية التي نتناولها.

يعتبر المختصون أن هذه النقلة النوعية في النمط المعيشي لم تأتي بالايجابيات فقط التي نتخيلها لأن بعض الدراسات للهياكل العظمية لأوائل المزارعين أوضحت أن حياتهم كانت أصعب من ذي قبل و الدليل على ذلك قصر قامتهم مقارنة مع أجدادهم حيث كان معدل القامة لدى الرجال من متر و ثمانية و سبعون سنتمتر إلى متر و سبعة و ستون و عند النساء كان يتراوح بين متر و ستون إلى أربعة و خمسون سنتمتر. تفسر هذه الظاهرة على أن المجهود الذي كان يبذل في الحقول نتج

عنه التهاب في المفاصل و السكر الذي تحتويه الحبوب و لد تسوس الأسنان.
رغم ذلك فأعداد البشرية كانت دائما في الازدياد و كلما زاد الغذاء زادت الأفواه التي يجب تغذيتها، كما يقال..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق