عندما استعرضت إمبراطورية فارس عضلاتها: بروز ” داريوش ” الكبير وعاصمته ” برسبوليس”

بعد وفاة كورش الكبير دخلت بلاد فارس مرحلة من الاضطرابات غامرت بمصيرها. اشتد التنافس على السلطة لعقود حتى ظهر جنرال، من أقارب كورش ليضع حد لمتاعب الإمبراطورية واسمه ” داريوش” ( دارا أو داريوس) الذي يمكن اعتباره أعظم ملك حكم بلاد فارس وأحد أكبر بناة الحضارة على مر العصور.

بمجرد أن استولى داريوش على السلطة بدأ في انجاز مشارعه فقام بإعادة بناء عاصمة المملكة القديمة ” شوشان ” (سوسا) بإضافة مباني جميلة مزينة بالقرميد الملون حتى انها ذكرت في الكتاب المقدس ” الانجيل”.. وعندما كان اليونانيون القدماء يستحضرون القصور الفارسية كانوا دائما يشيرون الى شوشان.

لكن ما كان يريده ملك فارس الجديد هي عاصمته الخاصة به.. في عام 518 قبل الميلاد انطلق داريوش في واحد من أكبر المشاريع طموحا في العصور القديمة والمتمثل في انشاء شمال شرق مدينة شيراز الحالية ” برسبوليس ” ( أي المدينة الفارسية في اليونانية و – تخت جمشيد – في الفارسية)، هي مجموعة واسعة من المباني تم انشاءها على منصة أرضية ضخمة ترمز الى عظمة الإمبراطورية. كانت منصة هائلة تتربع على 125 ألف متر مربع تطلبت إعادة تهيئة شاملة للأرض التي ستبنى عليها. أرادها داريوش أن ترى من مسافات بعيدة لتكتسب عظمتها ومجدها.

برسبوليس هي تحدي معماري هائل بأسوارها التي يزيد ارتفاعها عن 18 مترا وسمكها 10 أمتار ومبانيها بأعمدتها الملونة. تطلب بناء الموقع تعبأة الألاف من المهندسين المعماريين والحرفيين والعمال من جميع أنحاء الإمبراطورية وأطنان من مواد البناء. في العصور القديمة تحتاج مثل هذه المشاريع جيوشا حقيقية من العبيد، لكن داريوش، مثله مثل كورش قبله، فضل تعويض ودفع أجور العمال حيث كان يتلقى كل منهم مستحقاته حسب المهام التي يكلف بها، بما فيها النساء، فلم يدخر داريوش أي مصاريف كي تكون برسبوليس نصبا لمجد فارس.

لا ننسى كيف نشأت بلاد فارس ففي الأصل كان الفرس مجرد قبائل رحل قرروا بين عشية وضحاها الاستقرار وهم لم ينسوا خيمهم التي طوروها في صورة أخرى، فقصر ” آبادانا ” ما هو الا نوع من خيمة حجرية كبيرة.. كان قصر آبادانا عبارة عن قاعة المجلس الرائعة للملك، فأصبحت الأعمدة الخشبية التي تدعم الخيم أعمدة حجرية وتم استبدال سقف الخيمة بسقوف من خشب الأرز، لذلك نجد أصول بدوية في العمارة الفارسية. إضافة الى ذلك فقصور المدينة مزينة بالذهب والفضة والمفروشات والزرابي الثمينة والخزف السيراميك الملون الذي يصور ويصف زيارات سفراء المناطق التي تم غزوها.

المدينة هي موقع لإنجازات مذهلة أخرى وان كانت أقل وضوح وظهور مثل شبكة جر مياه الشرب وأخرى لمياه الصرف الصحي. قبل تسوية الأرض قام مهندسو داريوش ببناء نظام مجاري المياه في شكل قنوات تم تمريرها تحت المدينة بعيدة عن الأنظار.
موازاة مع مشاريعه المعمارية واصل داريوش جهوده لتوسيع الإمبراطورية. في ظل القيادة المستنيرة لملكها أصبحت فارس امبراطورية عملاقة شملت الأراضي الحالية لإيران وباكستان وأجزاء من أفغانستان وأرمينيا وتركيا ومصر وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن وجزء من آسيا الوسطى.

من أجل ربط مناطق الإمبراطورية قرر داريوش تشييد مشروعين جريئين، طريق يبلغ طوله قرابة 2500 كلم وقناة بحرية بين البحر الأحمر و البحر البيض المتوسط.. الامبراطورية وصلت الى أبعاد مدهشة من ناحية المساحة وكان عليه أن يدعمها. ففي عام 515 قبل الميلاد أمر ببناء طريق حجري ضخم يعبر الإمبراطورية حيث بلغ طوله 2500 كلم يربط مدينة شوشان في فارس بسارد (ساردس – قرب مدينة سارت الحالية بتركيا)، يسمى هذا المسار ” الطريق الملكي ” حيث كان إنجازا رائعا في حد ذاته، فلقد عبر الجبال والغابات والصحاري، هيأت الأرض لجعلها صلبة، لم يكن هنا اسفلت لكن كان ما يكفي من الحصى على كل طول الطريق. طريق الحجارة هذا كان ضروري في كل المناطق التي تتدفق بها المياه لتجنب الوقوع في الوحل. عندها رفع من مستوى الطريق عن الأرض ووضعت طبقة أولى من مواد قادرة على امتصاص الماء دون أن يجرف الرصيف. الأروع من ذلك وعلى طول مسلك هذا الطريق الملكي تم بناء 111 مركز عبور كل 25 كلم يمكن للمسافرين الاستراحة بها وتناول الطعام وتغيير الخيول، كما يتم ضمان سلامتهم بوجود حراس منتشرين على طول الطريق.

قناة مصر وعبور البسفور

لم يتوقف داريوش عند هذا الحد فأراد السيطرة بشكل أوثق على إقليم معروف بثروته وهو مصر فصمم فتح طريق جديد عبر البحر، فكلف مهندسوه بإكمال قناة الفراعنة بين البحر الأحمر ودلتا النيل. الجميع يعرف اليوم قناة السويس لكن هل الكثير سمعوا يوما بقناة داريوش؟ فتح الامبراطور الفارسي قناة من الغرب الى الشرق بين البحر الأحمر والنيل وبخبرتهم قام مهندسوه بشق تلك القناة بواسطة أدوات من البرونز والحديد وبعد إزاحة الرمال تم تغطيت الجزء السفلي بالحجارة ليصبح الطريق مفتوحا للملاحة.

استغرقت الورشة سبع سنوات من العمل وجندت جيشا من حرفي نحت الحجارة العمال المصريين لإتمام قناة بلغ طولها 200 كلم تقريبا. كانت منقطعة (مجزأة) حيث في بعض أقسامها بين النيل والبحر الأحمر كان لابد من رفع السفن من الماء وجرها على اليابسة لتصل للجزء التالي من القناة أين تستأنف ملاحتها.

في نطاق آخر، وفي عام 500 قبل الميلاد كانت بلاد فارس أكبر امبراطورية عرفها العالم على الاطلاق، فكانت أكبر اتساع من روما في ذروة قوتها أربع قرون بعدها. رغبة التوسع لهذا المارد بدأت تزعج وتخيف بعض القوى الناشئة في البحر الأبيض المتوسط، تلك التي مثلتها دول – مدن اليونان.

في عام 494 قبل الميلاد أخضع داريوش بعض المدن على الساحل التركي التي ثارت بإيحاء ودعم من أثينا. لإعطاء درسا لهذه الأخيرة قرر امبراطور فارس الهجوم عليها، غير أن الأمر لم يكن سهلا حيث كان يجب على جيوشه عبور مضيق البسفور. لحل هذه المعضلة وضع جسرا عائما من السفن التي رتبت جنبا الى جنب بين طرفي المضيق، هكذا قال هيرودوت ( المؤرخ اليوناني) كيف استطاع جيشا مكون من 70 ألف مقاتل الانطلاق نحو اليونان، وكأنه شيء يكاد لا يصدق.. كان الطريق فوق السفن مصنوعا من الألواح وضعت فوق طبقة من التراب والخشب الجاف كي يضمن استقرار الممر، ولكي لا تتأرجح السفن تم استخدام نظام مرسى خفيف حتى لا تتضرر السفن، فتحصلوا على طريق سالم بين آسيا و أوروبا.

في أواخر شهر أوت (أغسطس) من عام 490 قبل الميلاد دخل داريوش الأراضي اليونانية بعدما أخذ مقدونيا. هو الآن يستعد لمواجهة الجنرال اليوناني ثيموستكليس وجيشه الأثيني و الكورنثي في ماراثون.. يواجه الجيشان بعضهم البعض في سهل واسع، وبدى أول الأمر أن المواجهة ستكون مواتية للفرس لكثرة عددهم، كان ذلك اليوم هو بداية الحروب الفارسية اليونانية (تعرف كذلك بالحروب الميدية).

تقوم مجموعة من اليونانيين بمهاجمة الجيش الفارسي وكأنها ترمي بنفسها في فم الأسد، لكن الخطة هي أن القوات اليونانية الحقيقية انقسمت الى قسمين لتفتح جبهتين للقتال.. بسقوطهم في الفخ تكبد الفرس خسائر جسيمة وقرروا الانسحاب.. اذا كان هذا الحدث بالنسبة لليونانيين فوزا كبيرا فبالنسبة للفرس لم يكن سوى نكسة بسيطة عابرة في طريق الهيمنة على العالم.

يعود بعدها داريوش الى موطنه ليكرس جهوده في توطيد مكانة برسبوليس لكنه لم يكمل حلمه لأنه توفي في عام 486 وهو يستعد لقمع حركة تمرد في مصر.

ترك وراءه امبراطورية استطاعت أن تعيد تحديد مفاهيم القوة والمجد وخلافا لسابقيه ولتفادي الصراعات على سلطة حرص داريوش قبل وفاته على تعيين خليفته وهو ابنه ” خشايارشا ” (كسارسس) والذي سيكون له شأن عظيم وكان ذلك القرار كآخر حكمة لداريوش في مساره التاريخي الفريد.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق