عندما الحكمة تواجه القوة: الإمبراطورية البريطانية تركع أمام غاندي

 

في سنوات الثلاثينات من القرن العشرين كانت هناك ثلاث شخصيات يمكن القول عنها أنها وصلت الى العالمية بمفهومنا المعاصر، الممثل شارلي شابلن والزعيم الألماني أدولف هتلر ورجل قصير القامة نحيف الجسد الذي بفضل قوته الأخلاقية سيجبر قوة عالمية على الانحناء، ماهاتما غاندي.


كانت الإمبراطورية البريطانية في تلك الفترة أعظم قوة عرفها العالم وكانت الهند أكبر مستعمراتها التي تجلب لها الأرباح حيث كانت تسمى هذه الأخيرة ” جوهرة التاج الملكي”.

وراء ذلك الستار كان العديد من الهنود يرفضون الوصاية الاستعمارية لبلدهم ولحماية ما يمكن الحفاظ عليه لم يكن للبريطانيين وسيلة سوى استعمال العنف.

في شهر مارس 1930 بدأ غاندي تحديه لسلطات نيودلهي، فقام بمراسلة اللورد ايدوارد اروين، نائب الملك و المحافظ العام للهند، ليشرح له وبعبارات منقحة بأنه سيبدأ حملة واسعة لتحرير شعبه.. تقول الرسالة.. ” سياسيا، السلطات البريطانية جعلتنا مثل العبيد، لقد دمرت أسس ثقافتنا.. أنا لا أريد أي أذى لشعبكم، طموحي الوحيد هو اقناع البريطانيين، دون استعمال العنف، وأريهم الى أي حد أخطأوا في الهند”.

من خلال نفس الرسالة وعد غاندي أن يتخلى عن حملته إذا كانت السلطات البريطانية تعتزم مخططا لاستقلال الهند. بطبيعة الحال تجاهل اللورد اروين رسالة غاندي. ووفاء بوعده انطلق ماهاتما في حركة شعبية بدأت بمسيرة احتجاجية ضد الرسوم على مادة الملح. اختيار موضوع التعبئة هذا أظهر الذكاء السياسي لغاندي لأن الملح يعد غذاء أساسي لكل العائلات الهندية وانتاجه كان حكرا على البريطانيين وكانت هذه السلعة تعاني من رسوم ثقيلة يحتم حتى على الفقراء دفعها.
شجع غاندي أبناء وطنه على خرق القوانين وذلك بإنتاج الملح بأنفسهم مع رفض أي رسوم على منتوجهم. استوحى غاندي هذه الحركة من حادثة ” حفل الشاي” في بوسطن أين قام معمرون في الساحل الشرقي لأمريكا الشمالية بثورة على الرسوم التي كانت مسلطة على مادة الشاي من طرف إنجلترا وانتهت تلك الثورة الى حرب ثم استقلال ثلاث عشر مستعمرة عن التاج البريطاني.

 

حفنة ملح


موازاة مع ذلك، كان غاندي ذكيا في تحركه السياسي حيث عرف قوة وسائل الاعلام وكيفية استغلالها فأراد اخبار العالم باسره بمطالبه من خلال مسيرة طولها 400 كلم في اتجاه البحر ومع مرور الأيام التحق الألاف من الهنود بموكبه. عندما وصل ماهاتما الى الشاطئ كان محاطا بخمسون ألف مناصر وعدد من الصحفيين في انتظاره. أخذ غاندي حفنة من الملح و قال.. ” بهذه الحفنة سأزعزع أسس الإمبراطورية البريطانية”.

وصلت رواية الحادثة الى كل دول العالم وبدأت الانتفاضة تنتشر في ربوع الهند. قامت السلطات البريطانية بتوقيف غاندي وزج به في السجن.. ذلك ما توقعه هو بنفسه حيث مباشرة بعد اعلان اعتقاله خرجت الحشود الى الشوارع واضطرت السلطات لقمع تلك المسيرات السلمية.

مع نهاية عام 1930 كان عدد المعتقلين قد وصل 60000 شخص ونتج عن ذلك تذمر في الراي العام العالمي وأصبحت الأزمة بمثابة إهانة لنائب الملك.

بعد إخراجه من السجن دعي غاندي لمقابلة المحافظ العام اروين وهنا وصلت القضية الى منعرج هام.. بينما الرجلان يستعدان لبداية المحادثات حول مصير الهند، فاجأ غاندي مضيفه و هو يقول.. ” أضع قليلا من الملح في كأس الشاي كي تتذكرون حفلة الشاي في بوسطن.” كان الرجل النحيف في تلك الدقائق بصدد اركاع الإمبراطورية البريطانية.
لم تكن تلك اللحظات سوى البداية، بداية مسيرة طويلة انتهت في شهر أوت 1947، فبعد ستة عشر سنة من الكفاح والمثابرة وفوضى الحرب العالمية الثانية، بانتزاع الهند أخيرا استقلالها.

لقد مهد غاندي الطريق لنوع جديد من المقاومة.. ” الثورة دون عنف”. نظريته في العصيان المدني سوف تلهم من بعده العديد من الحركات التحررية، من حركة الحقوق المدنية لمارتن لوثر كنغ الى النقابة البولونية ” سوليدارنسك” (تضامن) مرورا بالحركة الطلابية في ساحة تيان آن من في الصين.

لخص غاندي نظريته بقوله.. ” حركة اللا عنف هي أروع منهج تمتلكه الإنسانية، هي قوية على أقوى أسلحة الدمار التي أنتجتها عبقرية الانسان.. اللا عنف هو سلاح الشجعان”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق