عندما ثارت المجر: انتفاضة بودابست و القمع السوفييتي

الدولة يبلغ عدد سكانها 9 ملايين نسمة و لتحالفها مع ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية تحتلها قوات الاتحاد السوفيتي في 1944-1955 و يبدأ الشيوعيون المجريون في التحرك في أواخر الأربعينات من أجل السيطرة على الحكومة.

 

في تلك الفترة خضعت الحكومة لتغييرات و أعطى قادة البلاد ضمانات بأنهم سيتبعون توجيهات الاتحاد السوفييتي. كان أول زعيم شيوعي حكم البلاد من عام 1949 إلى أوائل الخمسينيات ” لازلو راجك” ثم استبدل بأوامر من موسكو برئيس أكثر صرامة و تشدد “ماتيس راكوس”. طريقة فرض النظام الشيوعي في المجر لم تختلف عن كيفية تطبيقه بالقوة في جميع دول أوروبا الشرقية حتى أوائل الخمسينيات. رغم ذلك وقعت سلسلة من الأحداث أعطت مؤشرات بأن قيود الاتحاد السوفييتي و حتى القيود الداخلية يمكنها أن تخفف لحد ما. كان الحدث الأول هو وفاة ستالين عام 1953 و تبع ذلك “ذوبان الجليد” و نوع من التحرر في كل من الاتحاد السوفييتي و الدول التي تسير في فلكه.

حدثت تغيرات في السياسات الداخلية لدول أوربا الشرقية و توفي بعض الشيوعيين المتطرفين في ظروف غامضة و في البلدان التي حدث فيها سابقا قمع و تمرد ضد السوفييت بدت بوادر التفتح لدرجة معينة في الظهور. في المجر بالتحديد تم فصل “راكوس” و عين “إمري ناج” محله. لكن هذا الأخير يغادر المنصب في 1955 ليعود “راكوس” من جديد. و في شهر جويليا 1956 يطلب نيكيتا خروتشيف قائد الاتحاد السوفييتي من راكوس التنقل إلى موسكو و يعود ناج ثم يترك الحكومة من جديد و هنا بدأت الاضطرابات.

قمع و إجهاض المظاهرات

يخرج يوم 23 أكتوبر 1956 الطلبة مطالبين بعودة ناج فتقوم القوات النظامية بتفرقة المتظاهرين و من جهتها تقوم القوات السوفييتية المتواجدة هناك بقمع العدد المتزايد من المظاهرات. يتصاعد العنف حتى يوم 28 أكتوبر كي يعود ناج في الأخير على رأس الحكومة و يتم التوقيع على وقف الاحتجاجات و تنسحب القوات السوفييتية من العاصمة بودابست.

في الأسبوع التالي يبدأ ناج و الحكومة المشكلة حديثا في إجراء إصلاحات لم ترهب الشيوعيين المجريين المتشددين فقط بل حتى قادة موسكو، حيث تم إطلاق سراح السجناء السياسيين و ألغي نظام الحزب الواحد..لكن الأقوى من ذلك في ذلك الوقت هو التصريح بان المجر سينسحب من التحالف العسكري الشرقي. أمر حينها خروتشييف الجيش السوفيتي بشن ردة فعل عسكرية قوية على تمرد بودابست لتبدأ عاصفة العنف يوم 4 نوفمبر و تستمر إلى غاية يوم 12 من نفس الشهر. كانت عملية سوفييتية بحتة لأن الجيش المجري المكون من 120 ألف جندي لم يتدخل.

معظم التصادم وقع في شوارع العاصمة بودابست و موازاة مع ذلك وصل “يانوس كادار” الى بودابست يوم 7 نوفمبر. كان عميلا شيوعيا منذ فترة طويلة و له مآثر في السلطة و خارجها. غادر كادار العاصمة المجرية مع بداية الثورة متوجها إلى موسكو مطالبا القيادة السوفييتية و بصفة رسمية التدخل لوضع حد للفوضى. هذا الطلب القادم من عضو في الحكومة المجرية عزز الانطباع بشرعية التدخل السوفييتي. في النهاية يشهد الجيش السوفييتي مقتل 700 جندي في صفوفه و إصابة حوالي 1500 آخرين و يلقى 3000 مجري حتفهم معظمهم في العاصمة بودابست، كما غادر الآلاف من المجريين البلاد أولا في اتجاه النمسا المجاورة حيث أقيمت مخيمات اللاجئين ثم بعدها نحو الولايات المتحدة و كندا و فرنسا و بريطانيا.

تحولات سياسية

في الوقت الذي وضع فيه الجيش السوفييتي حدا للتمرد يقوم كادار بمساعدة السفير السوفييتي “يوري أندروبوف” بالاستيلاء على مقاليد الحكم و إعادة النظام السياسي السابق و يلقى القبض على ناج و يعدم عام 1958. تميز عهد كادار في البداية بالقسوة و التسلط و الانتقام من أي فرد شارك في الاضطرابات. لكن في السنوات التالية حاول كادار تحرير النظام و أقام سياسة ما أطلق عليها خورتشييف و آخرون باحتقار و ازدراء “شيوعية غولاش”..كادار لم يعرض الولاء على موسكو بقدر ما طالب بالتوافق. مقارنة بالدول الأعضاء الآخرين في حلف وارسو كانت المجر في الستينيات و الثمانينيات ليبرالية نسبيا. في عام 1989 كان اقتصادها الأكثر تقدما في أوروبا الشرقية و حتى الرقابة كانت شبه منعدمة و ممزوجة ببعض المضايقات الطفيفة لأولئك الذين يتخطون الخطوط الحمراء.

حينها قررت حكومة الولايات المتحدة و التي يعتقد الكثيرين بأنها كانت وراء التمرد عبر برامج إذاعة “أوروبا الحرة” أن احتمالات حرب نووية تفوق فوائد مساعدة المجريين و ابتداء من 1956 كان الخطاب السياسي الأمريكي باتجاه الشيوعية قد تغير من المواجهة إلى “الاحتواء”. من جهته و على الرغم من نجاحه في إعادة بسط النظام الشيوعي في المجر إلا أن تردد قراراته قبل التمرد أفقد خروتشييف مصداقيته و دفع العديد من الشخصيات في الحكومة السوفييتية إلى التشكيك في قدراته على حل الأزمات و بالخصوص عدم تمكنه من  الحصول على موافقة الرئيس اليوغسلافي حينها “تيتو” قبل التدخل في بودابست. كانت هناك محاول لإقالته في 1957 و بقت مشاكله في السياسية الخارجية مستمرة إلى أن أطيح به في آخر المطاف عام 1964.

عقود بعد ذلك حدثت تغيرات كبيرة، ففي عام 1989 حيث قامت الحكومة المجرية في شهر أفريل بقطع الأسوار الشائكة على حدودها مع النمسا و في جوان من نفس السنة شارك حوالي 200 ألف مجري في إعادة دفن رفات “إمري ناج” زعيم المجريين من مقبرة جماعية إلى مربع الشرف..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق