عندما كانت الديمقراطية في خطر.. أثينا و أسطورة مراثون

 

نحن في سنة خمسة مئة و عشرة أعوام قبل الميلاد.. نظرة جديدة في ممارسة الحكم رأت النور في أثينا باليونان. إنها أهم تجربة وحيدة من نوعها في تاريخ الإنسانية.

في اليونان القديم، عهد ما يسمى الإغريق، اندثرت أنظمة الملكية في كل مكان لصالح نظام جديد لبشرية حرة. اجتمع مواطنون من أتيكا في هضبة أبنيكس على بعد بعض الأمتار من معبد أكروبول. هذا النمط الجديد يعطي الحق لكل الرجال في أخذ الكلمة و إبداء رأيهم فيما يتعلق بمصير مدينتهم. بالنسبةللإغريق هذا النظام ملخص في كلمة مركبة و هي “ديمقراطية” أي سيادة أو حكم الشعب. كان هناك استثناء، النساء و الأجانب و العبيد لا يتمتعون بهذا الحق.

في عام أربعة مئة و تسعون قبل الميلاد وجد هذا النظام الأثيني نفسه أمام تحدي كبير، جيوش ابراطورية عظيمة دقت على أبواب الأراضي الإغريقية، إنها جيوش مملكة فارس و أصبح الجيشان على موعد مع التاريخ في سهل مراثون..

كان الجيش الأثيني تحت أوامر قائد محنك، ميلتياديس حيث تركوا المدينة دون دفاعات لملاقاة العدو. الانهزام يعني تدمير كل الجيش الأثيني المركب بما يعرف بالهوبليت (جنود مدنيين). في ميدان المعركة كانت هناك شخصية معروفة، الروائي اسخيلوس و أخاه سينيجير.

للتذكير، لم يسبق للإغريق أن تغلبوا عل الفرس في أي معركة سبقت مراثون حيث لم يكن لديهم جنود خيالة و بالتالي كان ضعفهم بديهي في المنطلق. فتح قائد الجيش الأثيني خط المواجهة الى أقصى حدود فوسع بذلك خطوط العدو مما سهل عليه اختراق قلب دفاعات الجيش الفارسي. في قلب التنظيم الفارسي كان هناك ما يسمى بفرقة “الخالدون” الذين دحروا الهجوم الأثيني. غير أن مصير المعركة كان يكتب على الأجنحة حيث أن الواقيات القصبية لجنود الفرس لم تستطع الصمود أمام سيوف الأثينيون.

اضطر بعدها الجيش الفارسي إلى التراجع نحو البحر و الهزيمة أصبحت تحصيل حاصل. سبعة بواخر حجزت، ستة ألاف و أربعة مئة قتيل في صفوف الفرس مقابل مئة و اثنان و تسعون لدى الأثينيون من بينهم الأخ الأصغر لاسخيلوس. كل القتلى الأثينيون دفنوا في نفس المكان و بقى السواح يزورون الموقع إلى يومنا هذا.

أصبح هذا الانتصار بمثابة شارة و عبرة لجميع المدن اليونانية حيث سمح لأثينا أن تسلط هيمنتها دون منازع. يروى في هذا السياق أن جنود الهوبليت انطلقوا في مسيرة دامت ثمانية سعات خوفا من أن يسبقهم الفرس لمدينتهم التي تركت دون دفاعات. الأسطورة تروي بأن شخصا بعث من مراثون إلى أثينا ليزف خبر الانتصار. في سنة ألف و ثماني مئة و ستة و تسعون أقيمت أول ألعاب أولمبية نظمت للاحتفال بهذا النصر و أصبحت مسابقة عدو أولمبية تقارب في مسافتها الأربعون كيلومتر (المسافة بين مراثون و أثينا تقريبا).

بعد ذلك أصبح أسخيلوس أحد أشهر الروائيين الإغريق حيث كتب ما يقارب المائة رواية (أو مسرحية) و أشهرها سميت ” الفرس”..

لم يتجاهل الأثينيون فضل جنودهم في مراثون حيث شيدت عدة معابد و تماثيل عرفانا لشجاعتهم و تضحيتهم للدفاع عن مدينتهم و نظامهم السياسي الذي يسمى ” الديمقراطية “.. إلى يومنا هذا شعوب تقاتل و تموت لأجله.. مسألة مبدأ.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق