فتيل الحروب البونيقية: صدام قرطاج وروما في سواحل صقلية

 

نحن في عام 520 قبل الميلاد، حوالي 3000 مجداف تدفع بستين سفينة عبر ما كان يسمى ” أعمدة هرقل ” أي مضيق طارق حاليا، الأميرال القرطاجي ” حانون ” يبحر على حافة العالم المعروف آنذاك.. انه يستعد لشن غارة قادرة على تأكيد سيطرته الكاملة على البحر المتوسط وما بعده.


كان المستكشفون الكبار من ” كريستوف كولومبوس ” الى ” فاسكو دا غاما ” يشقون طرقهم نحو المجهول وهم يتذكرون أولهم وأفضلهم.. ” حانون البحار “. هذا الأخير ركب البحر لتوسيع شبكة المدن التجارية القرطاجية. الهدف كان تجاري كما كان كذلك من أجل انشاء مستعمرات جديدة لضمان الأرض والوصول الى مواردها. كان حانون البحار أول من غامر في مياه المحيط الأطلسي متجها جنوبا نحو السواحل الافريقية. تقول بعض التقارير التاريخية، يونانية قديمة، في مجملها أن حانون قام بتلك الرحلة في خمسة مراحل ليصل الى خليج غينيا والكاميرون.. ودون استطراد أكثر في تلك الرحلة فانه قام بكل ذلك لأنه ببساطة قرطاجي، ينتمي الى أمة كانت مهيمنة على بحار العالم القديم.
لقد جلبت مهارة قرطاج في البحار لها السلطة والثروة. في القرن السادس قبل الميلاد كانت كورسيكا وسردينيا وجزر البليار تحت سلطتها. أساس هذه القوة ينبع من معجزة هندسية، ميناء قرطاج، انه أجمل مثال للعمل الفني الهندسي للقرطاجيين. على الرغم أنه لا يمكن الجزم بشكل قاطع الا أن علماء الآثار يرجحون أن هذا الميناء قد بني في زمن حانون البحار.
بينما كانت المدينة في ذروة ازدهارها، في القرن الثاني قبل الميلاد، تم تغيير واعادت هيكلة الميناء. من ناحية التقنية البحرية الموجودة كان فريدا من نوعه ومتفوقا على كل ما وجد في تلك الفترة. كان يمثل العنصر الحيوي بحريا وتجاريا بالنسبة للمدينة.
للميناء مدخل واحد الى البحر بعرض 20 مترا و يمكن غلقه بسلاسل فولاذية. كان في الواقع يحوي ميناءان منفصلان، أولهما ميناء السفن التجارية والذي يحتوي على مراصف تقليدية لتسهيل تحميل وتفريغ البضائع بحيث يمكن للمرء أن يتخيل بانه في تلك الفترة كان يمكن في قرطاج شراء وبيع جميع المنتجات الموجودة في العالم المعروف آنذاك.
أما الميناء الثاني فكان على شكل دائري ومخصص للاستخدام العسكري. تم به ترتيب ثلاثين قفصا من أحواض السفن بشكل متناظر ووضع 140 مرسى إضافي على محيطها مما يسمح بإيواء 220 سفينة بكاملها. حسب المختصين، ولا مدينة في ذلك الزمان كانت تملك ما يعادل قرطاج في القدرات والقوة وخاصة المهارة البحرية. عندما تفتح أبواب القناة تخرج السفن وهي متجهة نحو البحر بكل قوة وسرعة.. تلك هي قرطاج.
على مدار قرنين من الزمن كانت قرطاج هي سيدة البحر المتوسط. لكن في الجانب الآخر من البحر، نحو الشمال، ظهر بشكل تدريجي منافس هو عبارة عن آلة حربية لا مثيل لها.. روما. هاتان القوتان سرعان ما تتصادم من أجل احتلال جوهرة البحر المتوسط، جزيرة صقلية.
بنيت قرطاج للتجارة وكانت صقلية موقع استراتيجي لهذه التجارة لأنها تقع في منتصف أكبر طريق بحري في عالم ذلك الوقت، فالذي يسيطر على صقلية سيسيطر هذا المحور التجاري الحيوي. رأى الرومان الثروات الهائلة التي تجنيها قرطاج وانتهى الأمر بإزعاجهم ونمى الطمع في ذلك.
كان لقرطاج وروما مستعمرات صغيرة في صقلية وذلك التوتر المتزايد سيولد سلسلة من النزاعات التي هزت العالم القديم، سميت في سجلات التاريخ ” الحروب البونيقية ” وهو الاسم الذي أعطاه الرومان للقرطاجيين. نتائجها ستغير مجرى التاريخ وأحد أكبر العباقرة العسكريين على مدى العصور(حنبعل) سيتسلم السلطة لاحقا في الإمبراطورية القرطاجية.
مع بداية القرن الثالث قبل الميلاد تم الاستنجاد بجمهورية روما من طرف مدينة يونانية مهدد بغارات القراصنة، ثم تقوم مدينتان في صقلية بالتناحر بينها فتلجأ احداها ” مسينا ” في بداية الأمر بطلب المساعدة من قرطاج ثم تتراجع لتتقرب من روما الأقرب لها جغرافيا. تقوم المدينة الأخرى ” سيراقوسة ” بمحاربة مسينا وروما، فتشن بمعاركها ثم تتخلى عن الحرب وتنحاز لروما في الأخير. هكذا وفي غضون بضعة عقود استطاعت روما الاستيلاء على كل إيطاليا الجنوبية وشرق جزيرة صقلية الأمر الذي لم تتحمله قرطاج وكانت هنا بداية الحرب البونيقية الأولى (من بين ثلاث ). سوف تقرر هذه الحرب من ستؤول اليه السيطرة على صقلية وبالتالي على البحر المتوسط.

 

حملكار برقا

 

كان حملكار برقا أول جنرال عظيم في الإمبراطورية القرطاجية. بين 247 و242 قبل الميلاد يصل هذا القائد العسكري المحنك الى صقلية. كان نشيط وقوي لكن ما زاد في ثقته هو أنه مدعوم بجيل جديد من السفن الحربية المسماة ” خماسية المجاديف ” المجهزة بخمس صفوف من البحارة. كان الاغريق هم من اخترعوا هذا النوع من السفن ولكن القرطاجيون عرفوا كيف يطوروها ويحولوها الى ” مدرعات ” بحرية حقيقية ضخمة. في ذلك الوقت كانت تمثل أعلى مستوى البراعة في بناء السفن. تم تجهيزها في المقدمة بقوس من البرونز وكانت تتحرك بسرعة وسهلة المناورة.
يبلغ طول سفينة ” خماسية المجاديف ” في العادة 35 مترا وعرضها من ثلاث الى خمس أمتار ويمكنها استيعاب ما يقرب 320 بحارا وبحمولتها الكاملة كانت تزن أكثر من 100 طن في البحر، فكل هذه الهياكل كانت مدمرة. فكانت تقنية القرطاجيين في المعركة البحرية تتمثل في الاصطدام المباشر بسفن العدو وبصدمة واحدة تغرق هذه الأخيرة.
عبقرية القرطاجيين هي كذلك معرفة كيفية انتاج السفن بأعداد كبيرة حيث كانوا يقومون بتجميع سلسلة من العناصر الجاهزة مسبقا ويقومون بتركيبها فقط، فكلما غرقت احدى سفنهم ترسل سفينة أخرى بسرعة لأخذ مكانها وتعويضها في المعركة. كان في البداية ذلك عائق كبير بالنسبة لبحرية روما حتى وجدوا حطام احدى تلك السفن القرطاجية فأعادوا تركيبها ففهموا كيف تصنع وعندها بدأوا هم كذلك بإنتاج العشرات منها.
واجهت الأساطيل الرومانية والقرطاجية بعضها البعض بأقوى تقنية تدمير في تاريخ الحروب البحرية قبل ظهور المدفعية كي يعرف العالم من سيسيطر على البحار. وفي يوم 10 مارس من عام 241 قبل الميلاد، التقى الأسطولان في الجزر ” العقادية ” قبالة الساحل الغربي من صقلية لخوض واحدة من أعظم المعارك البحرية في التاريخ القديم.
في المعركة كانت لقرطاج أفضلية العدد لكن آلتها الحربية كانت لها حمولة فاقت العادة لأنها كانت محملة بالقمح والغذاء لجيش حملكار الذي استقر في صقلية. العديد من السفن تم غرقها أو أسرها، هزيمة لم يكن يتوقعها القرطاجيون، فسفنهم لم تتمكن حتى من الهروب لافراط حمولتها ذلك ما أعطى النصر للرومان، لقد كانت كارثة استراتيجية وفي النهاية يقال ان الرومان تمكنوا من أسر حتى 30000 سجين. وأمام انعدام الامداد لجيوشه أجبر حملكار على العودة الى قرطاج وهنا كان من الواضح أن عقارب الساعة كما يقال قد أعادت روما الى التسلط.
بهذا الانتصار فازت روما ليس بصقلية فحسب بل أيضا بممتلكات قرطاج لكورسيكا وسردينيا والجزر الواقعة بين صقلية وشمال افريقيا وعلى أمل شل قرطاج فرضت عليها أثمان باهظة كتعويض.
لكن قرطاج لم تكن مستعدة للاستسلام والاستغناء عن نفوذها فالتفتت نحو اسبانيا لجلب ثروات جديدة. أرسل حملكار الى هناك لغزو أكبر عدد ممكن من الأراضي واستغرق الأمر تسعة سنوات من القتال لإخضاع القبائل الاسبانية. عندما تمكن من ذلك كانت مجمل أراضي جنوب شبه الجزيرة الايبيرية جزءا من امبراطورية قرطاج. غير أن حملكار دفع ثمن هذا النجاح بحياته حيث توفي في عام 228 قبل الميلاد وهو في قتال ضد قبيلة محلية ثائرة.. ليترك المهام بعدها لابنه ” حنبعل ” ليتمم كتابة الأسطورة القرطاجية.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق