فيكتوريا: ملكة بريطانيا و “جدة أوربا”

قد يقرأ عنها القليل لكن يسمع عنها الكثير.. صاحبت الإمبراطورية البريطانية في أوج قوتها و رسخت اسمها في سجلات تاريخ المملكة رغم أن تتويجها كان نتاج أقدار أكثر من أن يكون صيرورة عادية.

ولدت الملكة فيكتوريا يوم 24 ماي 1819 و تسلمت الحكم في 20 جوان 1837، خلفت يومها الملك وليام الرابع، و توفيت يوم 1901. إنها المرأة التي حملت التاج البريطاني طوال ستة عقود من التغيرات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية الكبرى التي عرفتها المملكة. و كان قد لا يحدث ذلك، و لا حتى ترى النور، لولا أزمة الخلافة في السلالة الحاكمة التي حدثت في عام 1817.

في تلك السنة توفيت الأميرة شارلوت، بنت أمير بلاد الغال و الثانية في سلسلة ولاة العهد، خلال ولادة عسيرة و مات مولودها. رغم أن الملك جوروج الثالث  و ملكته أنجبا 15 من الأبناء و البنات من بينهم 12 كانوا على قيد الحياة كانت شارلوت حفيدتهما الشرعية الوحيدة التي كانت لازالت على قيد الحياة. كان هناك العديد من الأبناء الغير شرعيين للأمير وليام لكنهم أبعدوا عن الخلافة. موت شارلوت خلق بالتالي معضلة في سلالة الأسرة الهانوفرية الحاكمة. الملك كان عجوزا و معظم أبناءه عزاب و تعدوا جميعهم الأربعين و الخمسين سنة من العمر فكان الوقت غير مناسب لهم لبناء أسر. فكان لابد على أبناء جورج الثالث الاستغناء على عشيقاتهم و الزواج من نساء ذات سلم اجتماعي راقي و مناسب ليخدموا وطنهم بإنجاب العدد الأكبر ممكن من الورثاء. و كتشجيع لذلك وافق البرلمان على تخفيف بعض ديون الأمراء ان قرروا الاستقرار في الحياة العائلية.

الأمير ادوارد، دوق كينت و سراثرن، والد فيكتوريا، كان لديه مشاكل مالية و عشيقة. علاقته العاطفية الطويلة و المستقرة مع الخادمة الفرنسية جولي من سان لوران كانت بمثابة زواج عرفي لكن ذلك لم يكن مهما أمام واجبات الخلافة ملكية. القوانين البريطانية تفرض قوانين صارمة فيما يتعلق باختيار الزوجة عندما يتعلق الأمر بأعضاء العائلة الملكية، و بما أن جولي كاثوليكية و ليست من النسب المناسب اختيارها كان ليس في محله لعدة اعتبارات. ذهب حينها للبحث عن أميرة بروتستنتية ألمانية لتكون زوجته.

الأميرة الشابة

وجد الأمير ادوارد فيكتوريا من ساكس كوبرغ- زالفلد (في ألمانيا حاليا)، أرملة و شقيقة الأمير ليوبولد أرمل الأميرة شارلوت. عقد قرانهما في ماي 1818 و ولدت فيكتوريا الصغيرة في ماي 1819. خلال بضعة أشهر أعيد بعث الشعلات الملكية التي رتبت بسرعة لتنجب العديد من الأبناء و بما أن كل من له سلالة ملكية لم يعمر أصبحت فيكتوريا تعتبر الحفيدة الوحيدة المحتملة لجورج الثالث لترث العرش.

مات الملك العجوز في عام 1820 و تبعه الأمير ادوارد دوق كينت لتصبح فيكتوريا يتيمة منذ الصغر. والدتها أرادت عزلها عن الحاشية الملكية لحمايتها من الفساد الذي كان يطغى في أروقة البلاط و كذا بسبب برودة علاقات الدوقة مع معظم أفراد العائلة الملكية. تتذكر فيكتوريا بعدها جورج و وليام و أبناء جورج الثالث على أنهم ” أعمام أشرار”.. واجهت الأميرة الشابة كذلك مشاكل في محيطها المقرب حيث كانت والدتها مهيمنة و على علاقة و تحت تأثير السير جون كونروي المكلف بالإسطبل الملكي للدوق و أصبح مراقب البيت. كانت هناك حتى إشاعات بأن كونروي أصبح عشيق الدوقة، المهم أن كل ذلك كان له تأثير كبير عليها بالإضافة أن الاثنان كانا يطالبان بمعاشات متزايدة من الحكومة (باسم الأميرة الشابة) حاولا الضغط للظفر بالوصاية الكلية إذا اعتلت فيكتوريا العرش قبل سن 18 عاما. الشخصان الوحيدان اللذان كانت تلجأ لهما بحثا عن النصائح و الحنان هما مربيتها الألمانية البارونة ليهزن و خالها الأمير ليوبولد. في عام 1830 اختير هذا الأخير ليكون ملكا على بلجيكا التي أصبحت مستقلة حينها و واصل إمداده النصائح لابنة أخته و دعمه لها طيلة حياته.

عصر التغيرات الكبرى

في صيف عام 1837 توفي الملك وليام الرابع و هو مرتاح على أن فيكتوريا تجاوزت سن 18 و لن تكون تحت هيمنة والدتها و رفيقها كونروي. اعتلت الملكة العرش في مرحلة تغيرات هامة، بعض الدول الأوروبية عرفت ثورات سياسية كبرى في 1830 و الساحة السياسية البريطانية أصبحت بوجه آخر جراء قانون 1832 الذي غير النظام الانتخابي و ووسع الهيئة الناخبة بالإضافة إلى عدة مبادرات فرضت من طرف حكومة حزب الأحرار البريطاني و التي فتحت الطريق لمطالب شعبية و إصلاحات أكثر جرأة في شكل حركة عمالية (ميثاقية).

الثورة الصناعية غيرت من جهتها الاقتصاد البريطاني و وضع المدن و سكانها، السكة الحديدية التي لم تتعدى العشرة سنوات من اختراعها توسعت بسرعة في البلد، حتى أن البعض كان يخشى أن لا تستطيع “فتاة” (في لغة ذلك العصر) تسيير بلد عصري و صناعي و إمبراطوري بالجدية اللازمة.

في السنوات الأولى من حكمها اعتمدت كثيرا فيكتوريا على نصائح وزيرها الأول من حزب الأحرار اللورد ملبورن و خلق ذلك إشكالا فيما يتعلق بالحياد المفترض للعاهل في التسيير الدستوري البريطاني. العديد من المحافظين رأوا في ما يعرف بأزمة “غرفة النوم” عام 1839 عندما رفضت الملكة اقتراح تغيير الموظفين الخاصين من طرف زعيم المحافظين روبرت بييل على أنه دليل تعاطفها و انحيازها لحزب الأحرار. في تلك الفترة لم تكن الملكة تحتمل بييل لكن انتهى بها الأمر أن أصبحت بعدها تحترم قدراته و كفاءته. انعدام تعاونها ذلك دفع ببييل إلى رفض تكوين حكومة و أرغمت الملكة على إبقاء ملبورن و حكومة حزب الأحرار لسنتين إضافيتين.

الفصل الرومانسي

تزوجت فيكتوريا في عام 1840 بابن عمتها  الأمير ألبرت (من ساكس – كوبرغ و غوتا). رغم أن البعض قال أنه زواج لأسباب دبلوماسية إلا أن الرومانسية كانت لها تأثير كذلك في اختيار الملكة و الدليل أنه رغم اختلاف الشخصيتين إلا أن شراكتهما كانت ناجعة في تسيير المسائل العامة و الخاصة.

كان ألبرت رجلا مثقفا و خجولا و لا يتعب من العمل و الملفات و فيكتوريا أكثر تفتحا و غريبة الأطوار و لا تهتم بالمراسيم و وظائف الدولة كما كان يفعل ألبرت. الاثنان استطاعا معا تسيير العائلة الملكية و الحياة الزوجية و جعل العائلة الملكية أكثر نشاطا و أكثر ظهورا في المجتمع عموما.

وسام “صليب فيكتوريا” أنشا خلال حرب القرم اعترافا بشجاعة و تضحيات الجنود البريطانيين الذين قاتلوا باسمها و المعرض الكبير لعام 1851 و الذي عرضت فيه الآلات و بضائع العالم و الذي أظهر بالخصوص تفوق القوة الصناعية البريطانية كان بدرجة كبيرة نتيجة التأثير و نشاط و حماس ألبرت.

أنجب الزوجان تسعة أبناء و بنات…الأميرة فيكتوريا (إمبراطورة ألمانيا)، ألبرت ادوارد، أليس، ألفريد، هيلينا، لوريز، آرثر، ليوبولد و بياتريس.

رغم أن ألبرت أنفق جهدا كبيرا في محاولته لتربية ألبرت ادوارت (أمير بلاد الغال و الذي عرف باسم “بيرتي”) ليكون يوما ملكا متمكنا إلا أنه كان مصدر خيبة مستمرة لوالديه. رغم ذلك فأمير بلاد الغال و إخوته كانوا يرسلون إلى المناطق البعيدة من الإمبراطورية كمبعوثين يمثلون والدتهم مما ساعد في تقوية الروابط العاطفية لدى المعمرين في كندا و أستراليا و جنوب إفريقيا مع وطنهم الأصلي.

سنوات العزلة

وفاة ألبرت عام 1861 كان له وقع و أثر عميق على فيكتوريا في باقي حياتها و إخلاصا له حيث يقال أنها كانت دوما تصر على الإبقاء على الروتين الذي اعتاده فقيدها حتى في كيفية ترتيب غرفة النوم و تدفئة ماء الغسيل و الحلاقة.

انعزلت بعدها لعقود تتفادى الظهور باستثناء المناسبات التي تشرف عليها لتدشين النصب التذكارية المخلدة لزوجها في مدن البلاد. استخدامها للأموال العمومية دون لعب دور عام ولد انتقادات بين الأوساط الشعبية للملكة و العائلة الملكية كمؤسسة دستورية في سنوات 1870. يقول عدة باحثين أنه في غياب ألبرت تغير سلوك فيكتوريا سياسيا حيث كان الزوج من قبل يبحث دائما عن البقاء فوق الأحزاب و العمل الجاد مع الحكومة بينما فيكتوريا الأرملة أصبحت تظهر انحيازا ظاهرا لحزب المحافظين (بالخصوص اتجاه بينجامين دزرائيلي) و أكثر نفورا من حزب الأحرار بزعامة وليام غلادستون. أصبحت لا تستطيع تقرير من سيشكل الحكومة كما كان يفعل أسلافها و أصبحت تعقد الإدارة اليومية لشؤون المملكة حسب مزاجها.

كبرت فيكتوريا محاطة بخداميها الرجال خاصة الاسكتلندي جون براون الذي يقال أنها أصبحت ذات علاقة خاصة معه و كذا الهندي عبد الكريم. و مهما كانت العلاقة التي كانت تربطها بهاذين الرجلين لكن يبدو أنها كانت تجد الراحة بجوارهما في سنين عزلتها.

اقترن اسمها بعظمة بريطانيا

رغم ذلك استطاعت فيكتوريا الحفاظ على شعبيتها لاقتران اسمها بالسياسة الامبريالية و هيبة بريطانيا في الخارج. في نفس الفترة أصبحت الملكة “جدة أوربا” لتعدد أبناءها و أحفادها الذين تزوجوا في عائلات ملكية في ألمانيا و روسيا و السويد ودانمرك و اليونان و اسبانيا و رومانيا. بوفاتها في مطلع القرن العشرين كانت بريطانيا قوة عالمية مهيمنة من النواحي السياسية و الاقتصادية و العسكرية.

لم تكن هذه الانجازات بفعل الملكة فقط لكن طول عمرها و طول حكمها أعطى تصفيحا و تحصينا مطمأنا للاستقرار و خلودا لحقبة عرفت تغيرات هامة و غير منتظرة في جميع مجالات الحياة الإنسانية و التكنولوجية و حتى حقوق المرأة. الملكة لم تدافع دائما شخصيا على هذه التحولات لكن في الخيال الشعبي، و يصعب نزعه، اقترن اسمها و صورتها بمرحلة معينة و كل ما حدث خلالها.

حتى المؤرخون وجدوا في حياتها عناصر جدير بالثناء و أخرى قد تعاب عليها و رغم ذلك فالاهتمام بشخصية الملكة فيكتوريا سيتواصل لزمن آخر..

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق